أجرت "الجزيرة نت" مع الناقد أياد نصار حواراً حول رؤيته للأمسية الشعرية الفنية التي جمعت بين الشاعر اللبناني شربل داغر والفنان التشكيلي الاردني محمد العامري أمس في "المركز الثقافي العربي"، في عَمان، في تعبير عن التمازج والتكامل والتفاعل بين الشعر والفن التشكيلي.
وقد ألقى داغر في الأمسية بعضاً من قصائده النثرية من مجموعته الأخيرة التي صدرت هذا العام: "القصيدة لمن يشتهيها"، بينما كان هناك في الوقت نفسه معرض فني يضم لوحات بريشة الفنان الأردني محمد العامري مستوحاة من قراءته لقصائد شربل داغر:

تحت عنوان "الغبطة في الكلام، المتعة في التصوير"، جاءت الأمسية الثقافية التي شهدتها العاصمة الأردنية السبت ونظمها المركز الثقافي العربي بالتعاون مع الدائرة الثقافية بأمانة عمان، حيث قدم الشاعر اللبناني شربل داغر شهادة إبداعية تناولت تجربته الشخصية ومنظوره الذاتي تجاه القصيدة، وذلك بحضور عدد من الشعراء والروائيين والنقاد.
كما تضمنت الأمسية معرضاً للفنان التشكيلي محمد العامري، استوحى لوحاته الـ18 من قصائد الشاعر بطريقة امتزجت فيها الريشة بالقصيدة، في حين سيقدم الشاعران يوسف عبد العزيز وموفق الملكاوي مساء اليوم الأحد نماذج من إنتاجهما الشعري مع داغر. وفي كلمته قال داغر: "إخالني في الكتابة مثل مرتزق أو كاتب مأجور، وهذا ما يحررني منه الشعر ويجعلني ألهو في ما أعمل، أخادع وأراوغ أو أبني وأدقق".
وأضاف: "في الشعر لم أُكلَّف بمهمة، ولم ينتدبني أحد لواجب بعينه، وما أتوق إليه فوق أجنحة الحروف، وهذا ما جعل الشعر عندي يرتبط بالرغبة، فالقصيدة مثل جسدي الآخر".
وقرأ داغر قصائد من مجموعته الجديدة "القصيدة لمن يشتهيها" نقتطف منها:
لا تحتفظ القصيدة بسير رحلتها
بما أنها غابة ملتمّة على خطوات غائبيها
الواقفين أمام أغصانها
رافعين إصبعا أمام لوح مدرسي
بحجة أنهم أضاعوا في المنام صنادلهم
فطاروا من دون أجنحة
وكتبوا من دون طبشور
عن طفولة سبقتهم إلى مخابئ الغياب.
وعقب الأمسية قال داغر للجزيرة نت إن الكتابة "تتسم بمعرفة مسبقة مطلوبة ومرغوبة. فالكاتب يكتب ما ينتظره القراء، والقارئ ينتظر ما يأمل قراءته، وهذه نظرة وجيهة إلا أنني أطلب من الكتابة الشعرية غربة واكتشافا لأصوات غامضة، كأن يلتقي الغريب بالغريبة وسط الزحام".
من جانبه تحدث الفنان التشكيلي محمد العامري للجزيرة نت فقال إن لوحاته "علامة من علامات الاشتباك والتجاور والتفارق مع قصائد شربل، وهما روحان تشتبكان في جغرافيا العشق ومحاولات جادة لاستدراج الحياة للناس". واعتبر التجربة محاولة لاستدراج الأسئلة المناكفة لدى الجمهور تقدم متعتين: لذة الكلام ومتعة الرسم".
ووصف العامري مشروعه بأنه مغامرة، وقال: "حين قرأت قصائده وجدت لغة نظيفة، لغة مهذبة وأنيقة، كما وجدته يرسم كوادر سينمائية تتحرك عبر سطور القصيدة".
من جهته يرى الناقد إياد نصار وجود تجانس بين لوحات الفنان العامري وقصائد داغر من خلال التركيز على العين في مخاطبة الجانب الحسي البصري. ولاحظ أن مفردات العين تتكرر في مقاطع من القصائد مع اللوحات التي تسعى لإقامة علاقة مع المتلقي في تأملها والإحساس بأنه جزء منها وليست مجرد انعكاس لذاتية الشاعر.
وقال نصار للجزيرة نت إنه "لمح تعددية تأويل المشهد عبر مستويات الدلالة والتعبير المختلفة. فقد حاول العامري استكشاف إمكانيات اللوحة في تجسيد روح القصيدة، كما أنه لمس كناقد نضوجاً فنياً استوعب روح القصيدة، كما أعطتنا لوحاته - مثلما هي اللغة - إحساساً بالغموض".
وحول قصائد شربل يرى نصار أنه يرفض الشعر الذي يصبح انعكاساً لذات الشاعر في تمرده وصعلكته وهذيانه، بحيث يعبِّر عن عالمه الذاتي، ولا يقيم علاقة مع القارئ أو الفنون التشكيلية الأخرى، إلا أن ذاتيته برزت واضحة برغبته في أن يصبح طائرا يحمل الشعر وجمالياته.
وقال إن قصائد داغر تخلو من التهويمات اللغوية النرجسية التي تسيطر على قصيدة النثر، ولها إيقاع خاص تصنعه المفردات المتجانسة المتجاورة كلوحة فنية تعتمد على مخاطبة الملكات البصرية لتكوين الفكرة، بدلا من الإغراق في المعاني الذهنية الموغلة في الحزن أو التشاؤم أو الموت.
("الجزيرة نت"، أخبار الثقافة والفن، ليوم الأحد في 17-10-2010).