حاتم الصكر : القصيدة ورطة مستعادة

"الكتابة مناورة حية": هكذا يصف الشاعر اللبناني شربل داغر تجربة الكتابة الشعرية. لكنه يضيف واصفاً عمله بما يشبه ترويض الفارس العربي القديم لفرسه. ويعترف داغر في المقدمة النثرية لديوانه بأنه يستفيد من رسامين كثر وتجاربهم في معالجة السطح التصويري. ولتقريب ذلك الأثر يصفهم بأنهم مصورون، ليكون لاستفادته منهم مبرر مقبول. لكنه في قصيدة من ديوانه الأخير "تلدني كلماتي" يتساءل:

"من يكتب من؟

أو هل يكتب عن؟

أللريح أن تضع النقاط على الحروف؟

أم لها أن تكنس أمام بابي؟

... تلدني كلماتي

بما لا يسعه قماطي."

هنا تكون الكتابة أساس تجربة الدين، وكأنه يشهد على تجربته بعد أكثر من ستة دواوين، ودراسات نقدية في الشعر والفن التشكيلي. وينشئ داغر نصوصاً ذات وجود ميتا/ نصي؛ بمعنى أنها تراقب الوجود الكتابي كما يعبر عن نفسه لا ليخدم توصيل معاني سواه. وبذا ينتسب داغر إلى الكتابة عبر انتسابه للكلمات كأمٍّ له ولدته وحررته من ضيق قماطه، أو الطبيعة التي ينشأ عليها البشر ويتحددون بها.

"الكتابة تحفظ لي شيئاً من لهوي القديم"، يقول داغر، مضيفاً: "إنها طريقة في الهرب، في التملص، في انتهاج سبل سفر متخيلة...". ذلك يكشف غرضية الكتابة عنده وهدفها، ويعترف بمعوقاتها ومصاعبها، كأن تكون النفس هي موضوع الكتابة فكيف لي أن أتحدث عنها، وهي تتعين في أكثر من مجال كتابي؟

والخلاصة النظرية التي يخرج بها قارئ المقدمة النثرية هي أن الكتابة، تعبير عن ولع بالحياة، وخلاص مؤجل، وورطة مستعادة، كما يقول الشاعر.

تعيش بعض القصائد على الحروفية، اقتراضاً من الشاعر لرؤى تشكيلية واهتمامات حروفية فنية عني بها وانصرف إليها جهده في دراسات منشورة له:

"الألف عصا الراحل

والياء مهد الجنين."

كما إنه يقايس كل شيء بالكتابة. هكذا رأى الحصاة التي تأمّلَ وجودها المتنوع فغدت كما تخيلها:

"حصاي

نثر شغفي

في هيكل القصيدة."

سمات كثيرة يمكن رصدها في محصلة داغر الشعرية، منها انصرافه التام إلى قصيدة النثر كشكل حداثي للتعبير يتوافق مع نزوعه إلى الخروج كما وصفه في مقدمته، وفي التداخل النصي بين الفنون والقصيدة النثرية. كما يعترف الشاعر في مقدمته ويذكر الرسام شفيق عبود وطريقته العفوية في تجانس الألوان التي ينثرها على سطح لوحته لتشكل هيكل عمله. ويذكر النحات رودان وتعامله مع مادة النحت. وسنرى انعكاسات هذا التأثر في صور شعرية داخل نصوصه، كقوله:

"نهر

يواري في الوادي خشيته

من جريانه الهين

بين مخدات النائمين."

ويرسم ما يشبه الطبيعة الصامتة:

"أقرأ في دفتر الدروب

على ضوء سراج:

جبالاً تنكفئ قبلنا

ظلالاً داخلة في أشجارها

وتسهر بعدنا

غيمة صاحية في مطارحها الباردة."

وثمة مشغّل مهم في القصائد، هو الرؤية السريالية التي تطلق طاقة الخيال لدى الشاعر حتى يرى أشياء لا ترى إلا بعين الخيال اللامحدود:

صخرة لها غليون...

رسائل مختومة دون كلام...

دخانٌ أسود

في ليل أزرق...

عروس لها ساق من دون موسيقى

وقوام أخضر...

ألف بنقطة سوداء فوق سطر شجرة...

خضراء مثل برتقالة...

الشاعر لا يعبث، بل يجسد رؤية فيها اختلاطات الخيال ورؤاه الحرة التي لا يقيدها منطق ما تطلبه القصيدة، ويهيئ لها النثر سعة تستريح فيها وتنجز برنامجها الذي لا يعبر عما يُرى فحسب بل يبني عالماً بديلاً. "خفقُ أجنحة الدلالات إذ تفارق ألفاظها يغري العين بما ترى، لا بما فعلت": تلك هي حكمة القصيدة عند شربل داغر، الذي يفكر بالمكتوب كما يفكر بمغزاه ووجوده.

(مجلة "غيمان" الفصلية، صنعاء، العدد الرابع، ربيع 2008).