"غيري بصفة كوني"

دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، 2003، 264 صفحة، لوحة الغلاف: محمد أبو النجا.

كتاب من المختارات الشعرية، وهو الأول في إصدارات الشاعر، ويشتمل على قصائد مختارة من مجموعاته المختلفة، وقم له الدكتور مصطفى الكيلاني (أستاذ النقد الحديث في جامعة سوسة بتونس). كما اشتمل الكتاب على "مقدمات" الشاعر لعدد من مجموعاته الشعرية، وعلى مقابلات صحفية مع: اسكندر حبش (بيروت) وسامر أبو هواش (بيروت) وشوقي العنيزي وخالد الماجري (تونس).
ومما قاله الكيلاني في تقديمه:
بياضٌ، تَخْتٌ، وَشْمٌ، لَيْلٌ هي أبرز العلامات في مسيرة شربل داغر الشعريّة منذ أن قرّر كتابة النص المختلف، ومُروراً بالانقطاع، ثم استئنافاً للكتابة حَدَّ الآن.
ولئن اختلفت هذه العلامات بتَعَدُّد وظائف التسمية، فالواصلُ الدلالي بينها هو افتراضُ معنى يتردّد صداه في مختلف الملفوظات الشعريّة، ذلك الفراغ يتّخذ له في البدء صورة البياض، وهو في مرآة الأشياء العاكسة مُحاولة لتعمير البياض برُمُوزيّة رؤية الفضاء والخطوط والألوان، وهو في المقام الثالث فِعْلُ مغامرة بحركة التنقّل في متاهاته، بحثاً عن سبيل يُنقذ الذات الشاعرة من بُهْمَتِه الموحشة، إلى حيث يمكن الاستمرار في الوجود، بوَعْي قد يكون أقلّ ارْتِعابًا. ولكنْ، هل اللاّ-مُسَمَّى، هُنا، واحِدٌ أم عَدَدٌ؟ فراغٌ أمْ فراغات؟
كذا تستمدّ الكتابة، باختلاف أشكالها ووضعيّاتها، شرعيّةَ الوجود من ذاتها، من سؤال التسمية ذاته، من اللغة تستعين حيناً بوَهَج البَدْءِ الأوّل الكامن فيها، وبعلاميّة الأشياء والخطوط والأضواء والحركات أحياناً، ضِمْنَ لُغة شعريّة يتشكّل مداها ويتّسع باستمرار، من طَوْر إلى آخر، في مسار تجربة الكتابة والحياة، بواسطة القصد والصدفة مَعاً، بجماليّة الحرف واللون والضوء وثقافة الحاسوب الناشئة، التي وسَّعت مجال اليد، وأطلقت لسَفينةِ القلم أشرعةً جديدةً، كيْ يخوض بها بحاراً من الواقع المتخيَّل شعراً، والواقع المُفْتَرض كتابةً، وإعادةَ كتابة، بضَرْبٍ من التواصُل الحميم بين ذهْن الشاعر وعَقْل الحاسوب. وكما يتردّد الشعر في تجربة شربل داغر بين القصد والصدفة، بين الذاكرة عند اشتغالها الحينيّ والحَدس المُتَرجْرج، بين العقل الرافض لأنماط عقلانيّته المستعادة، والمِخيال الضارب بجذوره في أعماق حياة الفرد الشاعر، والمجموعة التي ينتمي إليها، بَدْءاً بالأسرة ومُروراً بالوطن ووُصولاً إلى الأمّة، لا تنْجُو القراءة من حيرة السؤال في المعنى الذي تنشده القصيدة بعد التزامها برَفْض السُبل المسطورة.
فأيُّ بياض هذا الذي يتفتّت، ابتداءً، كَرَحِمِ الحكاية الشعريّة تروي، بخيالات الفاجعة القديم والحادثة معاً، قصّة كائن هو آدم- شربل داغر ينفصل بقِسْر إرادي عن جنّته، التي هي لبنان، ذلك الوطن الجريح في سالف الأعوام، لا الأزمنة، كي يعود إليه من جديد مسكوناً، حَدَّ الهوس، برَغبة الحياة كما كانت وكَما ينبغي أن تكون؟!

إلاّ أنّ وضع الاغتراب لا ينقطع، وإنْ عادَ المهاجر من أقاصي غربة المكان إلى أرض الوطن، بل إنّ بذرة القلق تُنبت شجرة، تتكاثر شَجَراً يتعاظم، لتََتكثّف الظلمة، وتشتدّ في زمن الخَيْبَات والهزائم المتلاحقة، عند تَمَثّل واقِعِ الأمّة وتاريخ الإنسانيّة جَمْعاء (...).