نصوص يسعى صاحبها إلى اجتياز الحد الفاصل بين المشهد في هيئته المألوفة وامتداداته في الرؤية الشعرية. ولأن الأمر كذلك، على الأرجح، يتوخى شربل داغر في مجموعته الشعرية الحديثة، أسلوباً يتخذ فيه اللحظة الواحدة، وهي في طور الاحتدام والتأجّج، منطلقاً لهذا العبور وحافزاً على قراءة الحدث في صيرورته المترامية في الذاكرة.
الكتاب بعنوان: "على طرف لساني" عن "دار العين للنشر"، القاهرة، 2014. اللافت، في نصوص هذه المجموعة، أن لكل منها لحظتها التي يحيلها الشاعر مفترقاً مشرقاً، على الأغلب، يتسلل من خلاله ليكتشف، في المشهد، عناصر وأجزاء ونتفاً بدت مغيّبة عنه. واللافت، أيضاً، أن لكل من المشاهد، ذروة تتشكل الصورة فيها، تبلغ، في العادة، حدّ الانفجار خارجها. والنتيجة أن الأجزاء والذرات المترتبة على هذا الانفجار، هي التي تكوّن المشهد من جديد، على نحو تتحول فيه ضرباً محتملاً من زمن قائم في ذاته ولذاته. صحيح أن الشاعر يقتبس مشاهده ولحظاته من الحالة الكونية القديمة في الذاكرة. غير أنه يقدم على استحداث تغيير نوعي في هذه المعادلة: الكون لا يعود كما هو مصدراً للرؤية الشعرية في الذاكرة.
يستقيل من هذه المهمة. يتولاها بدلاً منه "اللحظة" المُشار إليها بمكوناتها المختلفة. اللافت، ثالثاً، أنه كلما تبعثر الكون داخل عزلته، التأمت اللحظة على مكوناتها خارج عزلتها. اللحظة في هذه النصوص، مشروع كوني جديد يتشكل على هامش الكون. ثم يتقدم نحوه ليصادره، بشكل أو بآخر. غير أنه، وفقاً لدلالات النصوص، لا يفعل ذلك. لا تبدو "اللحظة"، في طبيعتها، نسخة مكررة للكون. بل حدث كوني ينفجر في الذاكرة في الوقت الذي ينكفئ الكون على مادته القديمة. ومع ذلك، هل بمقدور المفردات التي استخدمها الشاعر في نصوصه أن "تنجو" من الآنيّة المستحدثة على إيقاع اللحظة الكونية المستحدثة؟.
لعلّ في النصوص الستة والسبعين المتضمّنة في المجموعة، ما يدل على اعتناء صاحبها، على نحو متعمّد، باستكشاف اللحظة التي يحتدم فيها المشهد. أو يبدو أنه يسرع الخطى لاستعجال هذا الاحتدام لينتقل من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل. من الحالة الضبابية التي تخيم عليه فتحاصره، ثم تقفل عليه منافذ الرؤية الشعرية، ثم تحيله ضرباً مبتذلاً من الحركة التي تدور حول نفسها في الفراغ. ولعل الشاعر، يقع على هذه الإشكالية، بالتحديد، من أجل أن يتمكن من استشراف دلالات المشهد تمهيداً لوضعه في الحيّز الملائم، وصولاً إلى إلحاقه بالسياق الشعري الذي يبتغي. لا يخلو أي من النصوص من هذا التصور الأولي، على الأرجح. وبالمثل، لا ينقطع أي من هذه النصوص، عن الانفتاح على لحظته المشرقة الخاصة به، حتى إذا انكشف عليها، مضى الشاعر عندئذٍ، في محاولة لاحقة، الى تلمس دلالاته في ما قد يؤول اليه الفضاء الشعري العام للمجموعة.
اللحظة المُشار اليها لا تنتمي، في هذا الإطار، الى الزمن الذي يستند إليه المشهد قبل اختطافه الى النص. الأرجح، أنها تتحوّل، بالضرورة نسيجاً عميقاً هو من الخلايا التي يتكون منها زمن النص. اللحظة هي الزمن الآتي الى النص بعد أن تجمّد الزمن السابق عليه فانتهت صلاحيته. ولأن الأمر كذلك، على الأغلب، يسعى شربل داغر، الى تعقّب الزمن الجديد في ما تتيح له رؤيته من مساحات واسعة أو متضائلة للمضي في هذا التعقّب. على هذا الأساس المحتمل، إذا جاز التعبير، يشرع صاحب المجموعة، في خوض مغامرة شائكة، على الأرجح، تتمثل في تفكيك بنية المشاهد التي تثقل على ذاكرته لحملها على الانضمام الى زمن النص وذاكرته. لا جدوى واضحة لهذه النصوص، من دون اللجوء الحثيث الى هذا النوع من التفكيك الدائم لحيثيات الوجود المحيط بالنص من كل الجهات. وفي المقابل، لا جدوى لهذه الرؤية التي يتعذر تكوينها إلا من رحم الشظايا المتناثرة من تفلت اللحظة من الزمن الرتيب الى الزمن المقبل. ولأن الأمر كذلك، تنعدم، في النصوص، المشاهد الكليّة التي تستجمع في بوتقتها صوراً كونية شاملة من شأنها أن تحيل اللغة أمراً ذا قابلية على رؤية الكل في الجزء، والجزء في الكل. ذاكرة اللغة المُستخدمة في النصوص، تكاد تكون مقصورة على استفزاز المفردات في ذاكرتها الجزئية فقط. لعلّ المقصود بهذا التصور، هو أن توظيف المفردة، في هذا المجال، يجري في محاولة الكشف عن العلاقة الاعتباطية القائمة عرضياً مع اللحظة المحتدمة المشار إليها، في حالة مشهد محدد بعينه. ما أن ينقضي المشهد، حتى تذهب المفردة واللحظة أيضاً الى أقدارهما الغامضة.
وفي المقابل، ما هو مآل الظلال التي يبلغها الشاعر، وهو يتمدّد بصوره من دلالة شعرية الى أخرى؟ قد تذهب هي الأخرى في طريقها الغامض بعد أن أدت وظيفتها بالتعبير عن لحظة الذروة في المشهد. وقد تثير هذه الإشكالية بالتحديد، تساؤلات عدة، من بينها: الاقتطاع المتعسف للمفردة، إذا جاز القول، من جسدها الأم الكامن في اللغة. لماذا؟ لأن المشهد في "لحظته"، يستدرج بالضرورة، مفردات ينبغي أن تتلاءم مع هذه اللحظة على نحو قاطع، وإلا اختل التوازن، فتسقط اللحظة والمفردة في منتصف الطريق إلى الظلال، أو تضيع في المتاهة. أما اللغة، في بنيتها الكلية، فإنها تفترض ضرباً مختلفاً من التقاطع مع المشاهد الكونية. المفردة، في المثال الأول، هي اللغة الوحيدة التي يستدعيها الشاعر الى النص. يكتفي بها. يتشبث بها. يتوغل فيها قدر المستطاع. يستنفدها. ثم يخلي سبيلها. اللغة، في المثال الثاني، ترتكز على ذاكرة أوسع لأنها تشتمل على مخزون أكبر وأعمق من التقاطع المغرق في القدم مع الصورة الكلية للحالات الكونية. من جهته، يظهر الشاعر طمأنينة كبرى، وهو ينقب عن المفردات التي تعبّر عن الكون وهو يتفكك بطيئاً، بالتدريج، الى ذراته الأصغر حجماً والأقل تلؤلؤاً في الفضاء الواسع للغة. من أجل ذلك، يحجم عن استدراج اللغة، بطاقاتها الأشمل الى النصوص، مكتفياً، في المجموعة المُشار اليها، بقاموس محدد من المفردات باعتبارها اللغة الفضلى في إيصال المشهد الى شيء قليل أو كثير من ظلاله المحتملة. ومع ذلك، تنطوي هذه الرؤية المفككة الى الأشياء والأحداث والعالم والكون، على ما يجعل منها، صوراً مشوقة، مبتكرة، مدهشة أحياناً، للواقع وهو يتحلل من نواته الجامدة الى ذراته وقد كرت سبحتها على غير تلاحم. هل يمكن القول إن الصورة الشعرية تزداد إشراقاً والتماعاً في الدلالة، كلما أمعن الشاعر في الانتقال بها من تفكيك الى آخر، من بعثرة الى أخرى، من شرذمة إلى شرذمة؟ الأرجح نعم ولا. نعم لأنها تقوم، في الأساس، على هذه التقنية المعينة. ولا، لأنها ما أن تتوقف عن الانصياع لهذه التقنية حتى تذبل فيضعف أشراقها وتتهافت وتخرج، على الفور، من مسيرتها الصامتة الى عالم الظلال. وقد يستتبع هذا التصور، في الغالب، تساؤل ملح، هو: ما مصير الصورة، في سياق تحولاتها، إذا ما اصطدم التفكيك بالطريق المسدود وفقد القدرة على استيلاد الأجزاء من الكل؟ لو صح هذا التساؤل، وهو افتراض ليس في غير محله، لانكمشت، في الدرجة الأولى، قدرة المفردات على استثمار ذاكراتها المتعلقة بالتعبير عن لحظة "الاحتدام" في هذا المشهد أو ذاك. قد تبدو هذه المسألة مشرّعة على ما يمكن اعتباره مأزقاً حقيقياً أو تعثراً مرشحاً ليصبح مأزقاً أو تأزماً موقتاً أو دائماً، في حال صحت هذه الفرضية. لماذا؟ لأن المفردات المستخدمة في النصوص، مستقاة، في طبيعتها الداخلية، من لغة أعم وأشمل ذات فضاء كلي لم يقيض لها أن تندرج، بمواصفاتها المُشار اليها، على النحو الأمثل في تكوين الرؤية الشعرية. فإذا خفت إيقاع النزعة التفكيكية، في النصوص، تراجعت في المقابل، نزعة المفردة الى إعادة استيلاد ذاتها، في المنحى الدلالي للصورة الشعرية. من هنا، التقاطع الجدلي بين المفردات، من جهة، واللحظة التي يعمد الشاعر الى تفكيكها وصولاً الى تفجيرها من الداخل.
يبدو هذا المنحى على شيء من الوضوح في عدد من نصوص المجموعة، في سياق هذا التصور الافتراضي. بدليل أن "اللحظة" المعنية التي تستدرج احتدامها الى المشهد من خلال تفكيكه، في صورة محددة، تُحجم عن ذلك في مشهد آخر وصورة أخرى. ولعل التساؤل يبدو مشروعاً حيال هذه المسألة المتفاوتة بين نص وآخر. بين احتدام لعناصر الصورة في هذا المشهد أو ذاك. ولو حصل وأن جاء الاحتدام، بالإيقاع القوي عينه في سائر المشاهد، لانتفت الحاجة الى إثارة هذا التساؤل من أساسه. غير أنه ليس كذلك في النصوص جميعاً، ما قد يدفع الى الاعتقاد بأن النزعة الى التفكيك لا تستحوذ على القدرة عينها على تعقب العناصر والأجزاء المحتملة التي ينطوي عليها المشهد في بنيته الداخلية بعد أن يصبح مشرعاً على الرؤية الشعرية ودلالاتها. ومع ذلك، غني عن القول إن هذه الميزة الغامضة، هي من طبيعة التفكيك وأدواته في آن. ما يصح من تجزئة لهذا المشهد لا يصح على غيره البتة، خصوصاً إذا ما استهلك الشاعر مخزونه من المفردات ذات الإشعاع الإيحائي. أو إذا أصر على اجتزاء متعمد لمنظومة محددة من المفردات من فضائها اللغوي الواسع. وعلى الرغم من تعرض بعض النصوص لخطورة هذا المنحى الذي قد يداهم الصورة الشعرية، فإن لدى شربل داغر احتياطياً آخر قد يُعزى إلى محاولات مبتكرة، مدهشة، للقفز من المفردة الواحدة إلى مثيلتها، على الفور. بحيث يبدو المشهد وكأنه آيل إلى مزيد من التفكك. بينما هو، في حقيقة الأمر، يتمثل ظل المفردة وليس ظل الدلالة. وهذه من التقنيات المتقدمة التي قد تحول دون تهاوي الصورة وتخلفها عن اللحاق بركب الرؤية. ظل المفردة، في هذا الإطار، مختلف عن المفردة التي استولدته لكونه يشكل خطوة أبعد في إعادة صوغها بدلالة أخرى. غالباً ما يحتكم الشاعر إلى هذا الأسلوب في إنقاذ نصوصه من اختناق محتمل، أو من الدوران في حلقة مفرغة. واللافت، في ذلك، الإفساح في المجال أمام المفردة لكي تضخ مثيلة لها لا تشبهها، بل تشكل امتداداً لها في الدلالة الشعرية. وفي هذا المنعطف، على الأغلب، يغلب على المفردة استنهاض ذاكرتها من داخلها. صحيح أنها تبدو مجبرة على ذلك منعاً لتعثر الصورة أو تداركاً لذلك، غير أنها تنشط في سياق إماطة اللثام عن امتداداتها في الداخل هذه المرة، وليس في الخارج وفقاً للنمو الطبيعي للصورة في الدلالة الشعرية. قد تبدو هذه الميزة مماثلة لمغامرة التفكيك، وأحياناً تفوقها أهمية باعتبار أن تلقف المفردة قبل سقوطها خارج النص من خلال حملها على استنفار طاقاتها الإيحائية أمر لا يتنافى البتة مع المكونات المتحولة للصورة. وقد يعتبر من الضرورات الشعرية التي لا تنقذ المفردة فحسب، بل تعيد تشكيلها في آن، في هيئة أخرى وفي دلالة مغايرة. والأرجح أن هذه الميزة قد تحل محل التفكيك "الصعب" في حال جرى إيلاؤها مقاماً أوسع وأعمق وأجدى في النصوص. وهذا عائد إلى مزاج الشاعر وتقنياته الخاصة به، والكيفية التي يراها مناسبة لمقاربة رؤيته في النص. قد يخيّل أن المفردة وشبيهتها ضرب آخر من التفكيك مع أنه ليس كذلك. لعله التفكيك بالإيحاء أكثر منه التفكيك بتجزئة المشهد الى عناصره الصغرى. الأول يحمل الشاعر على الاستنجاد بالعقل ليتبين هذا الجزء من ذاك. الثاني يحمله على السير بالرؤية من خلال إطلاقه ملكة التوهم. وهذه الأخيرة هي القدرة على إعادة قراءة المفردة في ما تستبطنه في داخلها من ظلال لا تظهر فيها، بالضرورة، بل في شبيهات لها.
ينحو شربل داغر، في هذه النصوص، منحى بات شائعاً لدى الأكثرية الساحقة من شعراء الحداثة. لعل هذا "المصطلح" الأخير لم يعد استخدامه أمراً مشرعاً على التحولات التي أخذت تنحرف بالحداثة الى منعطفات مدهشة. الأرجح، في هذا السياق، أن ثمة ضرورة قصوى لقراءة مستجدة لهذا المصطلح في ضوء التململ البنيوي العميق الذي طرأ على مفهوم الحداثة. يحلو لصاحب هذه المجموعة المشوقة أن يختبر بنفسه مآل الموجة الشعرية الرائجة بين نظرائه، وهي: الاستفراد المتعمد بلحظة بعينها لمشهد بعينه ومن ثم الانصراف المطلق، إذا جاز التعبير، الى اعتبارها لحظة كونية لاستثارة الرؤية الشعرية في الذاكرة. هل أصبح الشاعر وسواه أكثر اعتناء بقراءة الكل الكوني في اللحظة المتجزئة من هذا الكل؟ هل بات هؤلاء أكثر انصرافاً عن هذا الكل الكوني، وأكثر اقتراباً من ذراته المتفرعة منه؟ هل بات الكون، في رؤية هؤلاء متضائلاً، منكمشاً على ذاته، مستصغراً، منعزلاً إلى الحد الذي راح فيه يغيب، بالتدريج، عن رؤية هؤلاء، ليعاود الظهور، من وراء الكواليس في شظايا ونتف تكاد لا تبين وهي تدور اعتباطاً في فلكه الشاسع؟ لا تفترض تساؤلات كهذه أجوبة من النوع القاطع لسبب بسيط، هو أن الشعر، في طبيعة مكوناته وحوافزه، لا يحتمل شيئاً من هذا القبيل. ومع ذلك، يتعذر الإحجام عن طرح هذه التساؤلات التي لا تخلو من حيرة السؤال واضطراب الإجابة وكثرة الإجابات. صحيح أن الكون في الرؤية الشعرية آخذ في الانفجار والتشظي من داخله. كلما حصل ذلك، ازدادت عزلته وتعاظم نأيه عن ذاته، ولكن ظهر من جديد في ما ينسلخ عنه من ذرات لا يبدو أنها تمارس، بدورها، انفجاراً داخلياً، بل خارجي. بدليل كما نلحظ في مجموعة داغر ومئات غيرها، أن الأجزاء التي انشطرت عن الكون، في الأساس، غدا كل منها مكباً على تشكيل كونه الخاص به. والنتيجة المحتملة، في هذه الحال، أنه بات للشعر، وتحديداً قصيدة النثر، في مضمونها المتجدد، منظومة واسعة من الأكوان بدل أن تكون مشدودة إلى كون واحد فقط لا غير. الكون يتفكك، في الرؤية الشعرية. لعله كذلك في مادته التي انسلخ بعضها عن بعض، منذ مئات ملايين السنين. اليوم جاء دور الشعر ليتلقف هذا الانسلاخ المروع ليضمه الى ممتلكات الرؤية. بعضهم يرى أن لا وجود للكون في حركته المبتكرة، الدؤوبة والمتيقظة، إلا في الرؤية الشعرية. الاثنان من نسيج واحد. من مادة واحدة مفتتة. من ذاكرة واحدة مغرقة في القدم. من لغة مشتركة بينهما، تكونت برفقتهما، ثم انفصلت عنهما عنوة.
(جريدة "المستقبل"، بيروت، 13 تشرين الثاني-نوفمبر 2013).