"وليمة قمر" إلى الفرنسية
صدر العدد الجديد من مجلة "أوروبا" (EUROPE ) الأدبية الفرنسية الدورية، وهو عدد مزدوج لشهري كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) من العام الحالي، واشتمل العدد على ملف خاص بمؤرخي العصور القديمة، كما تضمن، كعادته، مختارات شعرية، شملت هذه المرة الشاعر اللبناني شربل داغر، وهي مقطوعات من قصيدته الطويلة: "وليمة قمر"، وقامت بترجمتها الفرنسية كريستين زيمر. وهي أجزاء من مختارات انتهت زيمر من ترجمتها وأعدتها للنشر في كتاب.
وقدمت المجلة الشاعر، بعد التعريف بمؤلفاته الشعرية والأدبية والجمالية، بهذه الكلمات: "شاعر على حدة. وجه شعري مبتكر في الشعر العربي الحديث. عابر بين اللغات والثقافات. هو شاعر الغيرية، والماشي في "حذاء جريح" فوق دروب لها من الاحجار كتب: عن الذات وعن الآخر. يقوم شعره على رغبة في إزاحة الحدود، وفي بلبلة الأنساق. صوت درامي وحميمي يعبر عن صعوبة الكائن إذ يعيش في وضعية تقليدية ونزاعية، وعن صعوبته في أن يكون ذاتاً متكلمة".
ومن المعروف أن الباحث والمترجم نعوم أبي راشد (وهو أستاذ الترجمة الأدبية في جامعة مارك بلوك في ستراسبور بفرنسا) أصدر قبل عامين مختارات من شعر داغر في كتاب، بعنوان "عتمات متربصة" عن "دار لارماتان" الباريسية.
ومن المقاطع الشعرية المترجمة:
"هذه الليلة صامتة كي أطيل النظر إلى
غبار النجوم وإلى وشوشات النهر المسرع إلى
سهرته. هذه ليلة الإصغاء إلى ما أودعه الراكضون وراء
صنادلهم في مخابئ الصخور، إلى
ما قالته له وما قاله لها من دون أن يدركاه، إذ
أنه كان غافلاً عنها، وغافلةً عنه، مشدودين مثل وتر بعد
انطلاق سهمه. هذه ليلة من يَفِدون من دون استدعاء، ومن يصلون فلا يعلمون ما يفعلون، ومن يبكون أو يقهقهون من دون استعداد، بمجرد جلوسهم إلى ما يعرض لهم، تباعاً، من مشاهد الخفة أو الشدة، المروية من دونهم، عنهم، بعد أن خلَّف
الفتى أختام صندله الكبير بين شتلات الذرة؛
والأرملةُ ديكَها، في موقدها، للصبية الضجرين؛
والمسنُ شُباكَه مضاءً حتى الصباح من دون أن تأتي؛
والقناديل المشعلة للقصيدة دروبَها. إنها ليلة القصيدة إذ تتبختر
في هيصتها على ما يخفى عنها وتنيره.
ما أن جلستُ تأهبتُ
خشية أن يفوتني ما يربكني عن بعد،
ما أخافه من دون أن أراه:
إذ أصغي إلى ظلال الشجر أدركُ أن
راقصين يبكون من دون موسيقى،
وأن ساهرين ناموا في حكاياتهم،
وأن صبية شرسين يتلصصون لمباغتة بومة التعاسة،
ويبسطون وليمة لأفاعي الدهشة؛
أدرك ما يصالحني بجنة الخلاء
التي أحاطت بأصابعي قبل السماء،
ما يجمعني بنجمي البعيد
حيث ينعقد خيطُ القصيدة
مهما طال سطرُها:
هذا الدفق يرسم ابتسامتي فتنفرج أسرارها،
ويعبث بشعري إن سهوتُ.
رفاقي، الليلة، معي
هنا، الآن،
يحتفلون بما استقبلتهم به دفتا كتاب:
صبية، إذ يجلسون
يكبرون،
وإن من دون صبايا،
يسكرون من دون شراب،
ويزهون بما يثرثرون.
رفاقي، معي، غيابياً
لا ينفكون عن مناداة الفتى، المختفي فوق أغصان الشجرة، التي نظروا إليها من دون أن يروها، واستمعوا إلى حفيفها من دون أن يلمسوها،
طالما أنهم كانوا لاهين عنها بها؛
هي شجرة ما لا ينقطع في السرد،
ما يزين الرؤوس في طيرانها
ويطيل الأصابع عند التصفيق،
شجرة الرفاق الذين ماتوا من دون أن تموت الشجرة التي تحيق بهم
مثل الظهور الممكن، المتبقي، لنجم بعيد.
الشجرة التي رسمتُها عن ظهر قلب
استطالت فقط في أصابعي،
أبحث عنها فلا أجدها،
أتوجه إليها فلا أتقدم.
لا يزال الدرج منصوباً بين نهر وبيوت،
ساحة وهمية
بين غبار وانتظار،
نادياً يومياً
لمن يذاكرون نهاراً ما تعلموه ليلاً؛
من أقاموا لوحاً بين البيوت العالية لألسنتهم الطويلة،
من جرَّدوا الإجاصات من شجرتها، قبل نضجها، بمجرد أن لمعت تحت ضوء القمر،
من استظلوا السماء معطفاً رقيقاً لتجوالهم الليلي
وتلصصوا من دون أن يروا،
من سرقوا طلباً للسرقة
وأقاموا للدجاجة رتبة المصلوب؛
من رسموا مصائر مخلوقات
بمجرد أن علوا فوق درجات ورتبوا للبيوت صوراً في دفتر عطلة،
بمجرد أن جعلوها محلاً لمعاينة
كبروا وتعلموا:
تكون الأشياء بمجرد أن أسقطوا نظرهم عليها،
وباتت لها أسماء أكيدة؛
يكفيهم أن يروا لكي تكون،
وأن يسموا لكي تكون.
لنا أن نطوي الليل خفافاً، من دون شفقة
أن نتغاوى في المشاع ملوكاً من دون حرس
ما دامت لنا أعضاء تستطيل لكي نقيس بها فحولتنا،
وشعيرات نحلقها بمجرد أن تنبت،
قبل أن نشتُم القمر الذي يكشف مواقعنا،
ونرخي البارودة على الكتف، يوم الأحد؛
لنا أن نروي القصص التي وقعنا على عناوينها،
وأن نقود غيرنا في مرابع بيروت التي اطلعنا على أسمائها في "الشبكة"،
لنا أن نكح، وحدنا، في الحمام عند تدخين شتلة ذرة،
أن نعيد ترتيب شَعرنا في غير شكل
وأن نجلس إلى صخرة، ساهمين، مثل جبران يحادث عناصر الطبيعة".
(جريدة "الغد"، عَمان، 26-1-2008).