حصل لي، البارحة، فوق شبكات الأنترنت ما يحصل لي أحياناً، في مكتبة: أشتري كتاباً غير الذي كنت أبحث عنه. كنت أبحث عن كتب ودراسات في ميدان خاص بالقرن التاسع عشر، وإذا بي أجد دراسة، في العام 2007، للدارسة فانيسا فان رنترغم، تتحدث عن كاتب بغدادي في القرن الخامس الهجري، جدير بأن يكون من كتاب اليوم.
تنطلق الدراسة مما كشف عنه الباحث جورج مقدسي وحققه ونشره في العام 1990، في لندن، وهو مخطوط كتبه القاضي أبو علي ابن البنا، يوماً إثر يوم، وسجل فيه الوقائع التي عايشها أو تعرف عليها، أو بلغته من شهود ومسافرين وغيرهم. الوثيقة نادرة، وإن في صفحات قليلة بقيت من المخطوط الأصلي، وتختلف عن طريقة الإخباريين القدامى.
ما يستوقف في هذه الوثيقة هو الصيغة التي يعتمد عليها القاضي لمباشرة الكتابة، إذ يقول في غير موضع: "شاهدتُ"، و"رأيتُ"، و"بلغني أن..."، و"ذُكر أن..." وغيرها الكثير، مما يقيم علاقة مفاجئة، مختلفة، بين الكاتب وموضوعه. وهي علاقة تتعين خارج البلاط، وخارج مجالس العلماء وغيرها من أطر تناقل المعرفة والآداب في العصور العربية-الإسلامية القديمة. وهو ما يثيرني، اليوم، إذ أن موقف البغدادي من الكتابة قد لا أجده عند كاتب عربي معاصر. فكيف ذلك؟
فلو عدنا إلى كتابات عربية حالية عديدة لوجدنا أن الكاتب فيها لا يختلي بورقة الكتابة، وإنما يقف فوقها مثل خطيب فوق منبر، أو في تظاهرة. وهي وقفة الداعية، أو "الأمين العام"، أو المبشر، أو أحد "أعيان" الأدب، وغيرهم ممن طلبوا مكانات اجتماعية من الأدب، قبل الأدب نفسه. وهو ما قام به كتاب عرب عديدون، بين نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، حيث خرجوا من بلاط السلطان والأمير ومن التكسب والمنادمة إلى منابر المجتمع، إلى النوادي والملتقيات والاجتماعات والمناسبات، ومنها وعبرها إلى الصحف الناشئة. يكفي أن نعود إلى دواوين بعض الشعراء البارزين لكي نتحقق من أن قصائدهم قيلت في "مناسبات"، وتطلع فيها الشاعر إلى أن يكون "لساناً" ناطقاً باسم غيره، "في خدمة" قضايا ومواقف وظروف بعينها. هذا ما أقع عليه في دواوين: حافظ ابراهيم، وخليل مطران، ومعروف الرصافي وغيرهم، فلا أجد فيها ما يربطني بالكتابة، وباحتياجاتي منها.
ذلك أنني إذ أختلي بالورقة – الإلكترونية – لا أرى وجوهاً تنتظرني أو أتطلع إلى وجودها أمامي مثل صفوف في حشد أو قاعة، طالباً التصدر أكثر من التعبير. وإنما أنصرف إلى ما يقلقني، أو يبهجني، أو يشغلني، فأكتب – بمعنى من المعاني – مثل الكاتب البغدادي القديم، وأعيش في الكتابة ما قالته العبارة اللاتينية القديمة: "هنا، والآن".
ما أكتبه هو ما أعايشه في الكتابة وخارجها، وهو لا يعني النظر إلى الورقة مثل مرآة، وإنما مثل من يخاطب نفسه في عتمة نفسه، في سره، في قاعة هواجسه ومباهجه وشواغله. ولا أكون في ذلك أتبجح، أو أدعي، أو "أُلمِع صورتي" (مثلما يُقال في لغة الإعلام والترويج)، وإنما أطلب الكتابة نفسها، ولنفسها، إذا جاز القول، أي ما تقوى عليه من تجديد للمعنى والتعبير والشكل، وبما يحمل نَفَسي في الحياة. وهو ما يحمل الحروف فوق أجنحة الرغبة والتواصل والشراكة.
(مجلة دبي الثقافية، دبي، تشرين الثاني 2011).