أطرق على بوابة القصيدة مثل الضائع في متاهة، مثل طالب النجاة. ذلك أن اللجوء إليها يعفيني من متابعة ما أنا عليه، مما أعايشه، مما أتذمر منه، مما يعدني بالوصول ولا يصل، مما أرجوه ويبقى مرجئاً أو معلقاً... بينما تنتظرني الاستعارة بكل ممكناتها، كما لو أن لها محرك تحليق تتعدى طاقته أسرع الطائرات، ولها حياة حيوية تتجنب بالتالي البطء والكسل والبلادة المقيمة.

هذه الحياة الأخرى، أو الثانية، أو البهية، قد تكون للبعض حياة وهمية، متخيلة في أحسن الأحوال، فيما لا أشاركه الرأي. وقد تكون للبعض الآخر تخلصاً مما يجري، أو تلطياً مما لا يمكن تحمله، بينما لا أنظر إلى الأمر وفق هذا المنظور.

ما يستوقفني في هذه الآراء وغيرها هو أنها تتعامل مع القصيدة مثل بدل عن ضائع، فيجدون فيها تعويضاً عما يقع خارجها، بينما أنظر إليها مثل فعل مكتمل الوجود: فعل يكتفي بوجوده نفسه، مثل راشد لا يحتاج إلى مساعد، أو وصي، أو عين مراقبة.

ذلك أنهم عاشوا، ولا يزالون يعيشون - بحكم العادة - في كون اجتماعي مضى، في اعتقادات مكرورة، عاشت فيها القصيدة تابعة، ملحقة، كما لو أنها مخدومة، لا سيدة. يكفي لذلك أن يعود القارىء إلى الشعر حتى العقود الأولى من القرن العشرين سيجد بأنه شعر مسبوق، يؤدي أدواراً محفوظة، فلا يوجد نوع شعري يخص الشاعر نفسه، بل غيره. هذا ما تختصره فكرة "التكسب" طبعاً إلا أنه يتعداها ليشمل عقداً خفياً ولكن متيناً بين الشاعر والجماعة، بدليل أن أحدهم في البصرة أتى بالشاعر الشعبي – كما يرد خبر ذلك في "الأغاني" – لكي يرى عياناً جمال زوجته، و"يحدِّث بما رأى".

هذا العقد القديم متين فعلاً بدليل تحوله، أو تكيفه، مع تغيرات المجتمع المعاصر. فخرجت القصيدة من البلاط والمجلس والحلقات إلى الجمعية والحفل والأمسية بما يستدعي الجمع والتجمع وقضايا الجماعة نفسها، وغاب من جديد إمكان تكفل الشاعر بقصيدته تكفلاً فردياً خالصاً. ذلك أننا بتنا نتعرف على وجه جديد في المشهد، هو من يُقبل على شراء الجريدة، أو المجموعة الشعرية، في مكان لم يكن معروفاً، هو المكتبة، ويُقبل على مطالعتها وحده، حيث يشاء، وكيفما يشاء، وفقاً لمواعيده هو، وهو: القارىء. إلا أن وجوده قليل، ضعيف، ويعامل الكتاب بأصابع "مسبوقة" (مثلما كتبت في قصيدة) وفق اعتيادات موروثة في الغالب.

الشعر خرج من الدورة القديمة، لكن العلاقة المستجدة بين الشاعر والقارىء لم تستقم بعدُ وفق شروط الدورة الجديدة: لا يزال البعض ينتظر من الشاعر أن يكون صوتاً أو لساناً باسمه، كما لا يزال بعض الشعراء يتمسكون بهذه المكانة الرمزية، أي أن يكون الشاعر: مفرداً بصيغة الجمع. هذه العلاقة لا توافق مقتضيات الدورة الناشئة، حيث للقارىء أن "يختار" في ما هو معروض له من إصدارات، وللشاعر أن "يختار" ما له أن يكتب بحرية سيدة. أما عن لقاء القارىء بشاعره فهو موعد إنساني، فردي، لا اجتماعي أو جماعي بأي حال، ينشأ عن علاقة حرة من الطرفين.

هكذا أُقبل على القصيدة مثل فعل وجودي كامل وناجز، وأقيم فيها مثل كيان وجودي دافىء وبهيج: هكذا أكون، وبهذه الكيفية، على أن القارىء ضيف عزيز – إن رغب -، في شراكة حوارية ممتعة وحيوية.

(مجلة دبي الثقافية، دبي، كانون الثاني 2012).