أخالني أحياناً أسكن في كلمات، في بلاد تهرب مني كلما اقتربتُ منها.
أخالني أحياناً أحتمي في كلمات - كما في عاصفة – من حرّاس الاستبداد وكشّافة الموت.
أخالني أحياناً أسكن في كلمات لأبي حيان التوحيدي وسعيد عقل.
إخال إذ أسهر مع الكلمات أن أدونيس يضيء لي بعض عتمتها، هو الذي في قاموسي يحمل قنديلين: السؤال والأفق.
ليسمح لي طلابي، في هذه الأمسية، أن أعترف أمامهم بأنني تغيبت عن صفوف كثيرين أثناء تحصيلي الإجازة، وتقيدت بحضور صفوفِ ثلاثة أساتذة، هم: الراحل الدكتور ميشال عاصي، الذي أشرف على رسالة الكفاءة عند تخرجي؛ والمطران جورج خضر الذي علَّمني بأن النص، الديني تحديداً، هو – بعد نزوله – في عهدة التاريخ والتجربة والجماعة؛ وثالثهم هو أدونيس، الأقوى تأثيراً وسحراً علي وعلى مجموعة كبيرة من رفاقي، حتى إننا أعلنا إضراباً دفاعاً عن وجوده كأستاذ في الجامعة؛ كما أن قصيدته "هذا هو اسمي" ظلت لسنوات مديدة، بالنسبة إلينا، "إعجازَ" القصيدة العربية الحديثة.
لا أجد صعوبة، حتى اليوم، في استعادة الكثير من دروسه في الأدب، حتى إنني في محاضرته، قبل يومين في "البريستول"، توقعت - في همس لصديقي الشاعر حمزة عبود - أنه سيستثني في حديثه عن "عصر النهضة" جبران خليل جبران... ذلك أن مرور أدونيس في ثقافة جيلي كان، على غرار ما قاله في قصيدة ذائعة الصيت، بمثابة "العصف الجميل". كيف لا، وهو الذي علَّمنا بأن علينا أن نسأل، أن نتعلم السؤال، بل ثقافة السؤال، في بلاد، ثقافتُها امتهنت واعتادت التأكيد على أن كل شيء سبق أن اكتمل، من دون التجربة، من دون التاريخ، وعلى أن المستقبل هو عودة لازمة إلى الماضي.
لا يسعني، في حديث الترحاب، أن أقدِّم أدونيس شاعراً، وهو أكثر شاعر تناولتُه بالدرس سواء في أطروحتي الأولى، أو في كتبي ودراساتي ومحاضراتي المختلفة، ذلك أن أدونيس يمثل في نظري بوابة الشعر العربي الحديث العريضة. فهو الشاعر الذي يستجمع في شعره عهوداً مختلفة في تجديد هذه القصيدة، التي خرج إليها من عباءة سعيد عقل وأنطون سعادة وغيرهما. إلا أن لقاءه الأساسي – على ما أرى – انعقد في خمسينيات القرن الماضي مع الشاعر الفرنسي سان جون برس، الذي أخذ منه أدونيس الدرسَ الأهم في شعريته، وهو أن "اللغة شكل"، وأن القصيدة شكل، قبل أن تكون موضوعاً أو موقفاً أو رؤية؛ بل تتعين القصيدة في ما يبنيها ويؤلفها، أي في شكلها، بالمعنى الفني والمعماري والجمالي معاً. وهو ما لم يبتعد عنه أدونيس في شعره اللاحق، وإن تغير في بعض مبانيه أو موضوعاته.
لم أجد في ما عرفت من أدباء وباحثين في العربية واحداً مثل أدونيس يلم بالثقافة العربية، في قديمها وجديدها، بهذا القدر من التتبع والاتساع والحنو: فهو يستجمع ويتنقل بين التواريخ والأسماء والعناوين والمعضلات تنقلَ الكاتب بين ملفاته، فوق مكتبه، على أنها عالمُه الخصوصي وبيتُه الخيالي المقيم. وهو الذي بلغ في الكتابة ما سبق أن بلغه سعيد عقل ونزار قباني، أي أنه "صاحب عبارة" تعرفُها مثل وجه أليف ومتجدد دائماً.
أعرف تمام المعرفة أن في بعض ما يقوم به أدونيس، في بعض ما يكتبه، ما يزعج بعضهم. أنا لست منهم، إذ إنني أجد في حراكه - وإن اتخذ سبلاً أو مواقف لا تروق لي بالضرورة – ما يحيي وينشِّط ويجدد دور المثقف في الجماعة والثقافة.
أستاذي،
أستاذي لا يزال، في مطلع الثمانينات من عمره - المديد إن شاء الله – يُعطيني ويُعطي الجيل الشاب أكثر من درس في حيوية التجدد: هذا يصح في جذرية عصبه النقدي؛ وهذا يصح في إقباله على تجديد أشكال القصيدة العربية الحديثة؛ وهذا يصح في "جسدياته" الأخيرة التي تفتح أقاليم الجسد على هواء الرغبة وأهوائها.
سُئل أرسطو مرة: "ما الذي يشيخ بسرعة؟"، فقال: "عرفان الجميل"، أي الاعتراف بالفضل: هذا ما يحضرني في معرض الكلام عن أدونيس، وعن أثره الباقي، على أن التلميذ القديم، الذي كنتُه، لا ينكر الفضل، بل يستدرك، في هيئة الأستاذ، شكراً متأخراً عن فضل سابق ومستدام، ويعتز إذ يقدِّم أستاذه في جامعته.
(كلمة تقديم في أمسية شعرية، في جامعة البلمند – لبنان، في 6 أيار 2010).