(من مقالة الكاتب المصري مصطفى عبد الله، وحواره معي، عن سيرتي الذاتية : "الخروج من العائلة"، الفائزة بجائزة ابن بطوطة لارتباد الآفاق. والمقالة منشورة في : "ميدل إيست اونلاين"، في الثاني من هذا الشهر).
رغم أنني أعرف الكاتب اللبناني الدكتور شربل داغر منذ نحو أربعين عامًا، التقينا خلالها في رحاب مدن عربية وأوروبية كثيرة، فإن علاقتنا لم تتعمق إلا في رحاب المدينة التونسية الرائعة، القيروان، عندما دعتنا الشاعرة جميلة الماجري، مديرة بيت الشعر هناك، للمشاركة في دورة 2019 لمهرجان ربيع القيروان الذي كان من ضيوفه أيضًا: الشاعر المصري جمال بخيت، والشاعرة المغربية لويزا بولبرس، والكاتب البريطاني العراقي الأصل حكمت الحاج.
فعلى امتداد هذا المهرجان العريق كنا نتحرك معًا إلى الفضاءات الثقافية والمواقع الأثرية ومتاحف القيروان بصحبة مضيفتينا الشاعرة جميلة الماجري، والعازفة وأستاذة الموسيقى حميدة الحليوي، حفيدة الصديق الحميم لشاعر تونس الخالد أبي القاسم الشابي. وما أمتعها جولاتنا في القيروان على الرغم من قسوة طقسها في عز الصيف (...).
كنت في كل يوم من أيام وجودي في القيروان، أتأكد من أن شربل داغر عاشق لتاريخ الفن، متعمق في فنون الخط العربي والموسيقى والتشكيل والعمارة، فضلًا عن كونه شاعرا وكاتبا، وكما قال لي، فقد تخرج في جامعة السربون الجديدة، ويحمل شهادتَي دكتوراه في الآداب العربية الحديثة وفي فلسفة الفن وتاريخه. وله ما يزيد على ستين كتابًا باللغتين العربية والفرنسية، من بينها: "العربية والتمدن في اشتباه العلاقات بين النهضة والمثاقفة والحداثة"، و"الشعر العربي الحديث: قصيدة النثر" الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب دورة 2019 في مجال الفنون والدراسات النقدية.
عقب إعلان نبأ فوز كتابه: "الخروج من العائلة" بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، وهي الجائزة الفريدة في "ارتياد الآفاق" - فرع اليوميات، هاتفتُه، وكان عاكفًا في بيته في لبنان على مراجعة مخطوطة أحدث كتاب يدفع به إلى ناشره.
وأخبرني انه بدا بكتابة اليوميات هذه في قريته وطى حوب (شمال لبنان)، في 21 / 5 / 2018، بالفقرة التالية: "في انتظار زائر غريب"، وفيها يقول: "صباح الخير من بيتي القروي. أوجهُ التحية عبر هذه النافذة، من مكتبي، حيث أقتعد الجلسة ذاتها.
هذا أول ما أكتبُه في عطلتي الصيفية هذه، من دون أن أعلم وجهة الكتابة التالية. ذلك أنني كنتُ، في عطل صيفية سابقة، أصل إلى بيتي وكانت تصل قبلي مشاريع كتابية.
هذه السنة أصل من دون مشروع...
أكتب هذا ناظرًا إلى نافذتي، فأجد أن لها قضبانَ حديدِ زنزانةٍ، فيما تتسلل من خلالها أغصان شجرة جوز، وزرقة صافية، من دون أن تصلكم بطبيعة الحال أصوات منشار كهربائي قريب، وما أن تخفت، صوت أكثر من عصفور ممن يُجرون تمارينهم الصباحية.
الغريب أنني حينما كنتُ أكتب هنا، كنت قلما ألقي نظري إلى النافذة وما يقع خلفها وما يصلني عبرها، فيما أصرف لها اليوم نظري وسمعي وهاتفي.
لعلي سأنتظر ما سيصلني في قادم الأيام... لعلي قد أصيخ السمع لأصوات تبلغني من جهة غامضة فأنهمك بها، ولا يشغلني عنها غصن أو طير أو منشار.
لعل الهواء أدرى، أو الرغبة الخافية... لعلني بتصرف غيري".
وبهذه الفقرة، التي عنوانها "وحدي"، ينهي شربل داغر هذا الكتاب :
"كما لو أنني انفصلتُ عمّا لا أعرفه، عما تحسَّسْتُه من دون أن أحفظ مصدره، ما جعلني أركض في غير اتجاه، وأذوق ما يحلو لي، ملتذًا بما يتفرق، ناثرًا ما قد يجتمع؛ فأفرح وأرتاح، ولا ألبث أن أعدو من جديد، مدركًا - بعد سنوات وتجارب - أنني قد أجمعُ ما تفرَّقَ، لكنني أحيط بشكل أكيد بأوسع مِمّا تصل إليه عيناي ويداي، فيما يبقى أمامي وحولي فضاء يحرِّضني، ويجذبني، ويشملني بنعمته الخافية.
تألمتُ يوم دخولي إلى المدرسة، من دون أن أخرج من دروبها إلا لمامًا، ما لا يعوِّض انفجار الفقاعة التي كنتُ فيها.
سعيتُ وسعيتُ، بالطول وبالعرض، ما جعلني أمتحن ما أنا عليه مع من يرافقُني في الدروب ذاتها، ومع غيرهم بخاصة؛ جعلني أمسك بلغتي مثل خشبة في بحر معتكر، وأنفخ في هواء رغبتي مثل نافخِ الزجاج، لإنشاء فقاعة جديدة، يرَون إليَّ من خارجها. فيما أنصرف إلى: وحدي.
وحدي أجالسُه من دون شاهد، من دون كلمات، في صمتٍ ملتبس يجمعنا ويباعد بيننا... ما دام أنه يعرف أفضل مني ما غابَ عني، ما تساقطَ ببطءٍ شديد، ما لم أعشْه بل نظرتُ إليه متحسرًا، ما استعدتُه في خاطري، في كلمات، من دون أن يتناقص طعم المرارة والخيبة في حلق الانتظار.
وحدي، الأبقى، الأصدق، ولكن من دون كلمات؛ وحدي الذي يتجول بجانبي من دون أن يراه أحد: حتى أنا لا أراه".
ويذكر لي داغر - وأنا أهاتفُه - أن الكاتب الفلسطيني عبدالرحمن بسيسو، المحكِّم في الجائزة، كتبَ إثر فوزه قائلًا: "إنك جدير بهذا الفوز وأكثر. ولهذا الكتاب تحديدًا حضور مميز وفريد في سرد سيرة ذاتية جعلت من الأنا التي كانت، والمحكومة بالصيرورة والتحول، آخرَ ينشد آخرَه ولا يكف عن نشدانه".
لم يقصد شربل داغر كتابة سيرة الطفولة والمراهقة في هذا الكتاب، وإنما هي كتبتْه كما لو أن ذلك الزائر لم يكن غيره هو، إذ يتفقد صورًا ومشاهد ووجوهًا وأخيلة باشرُ معها خطواته في دروب الحياة. ويضيف شربل داغر: "لم أقصد كتابة الكتاب، إلا أنه تحكمَ فيَّ، كما لو أنه جاهز منذ وقت، وينتظرني. وهو ما حصل فعلًا، إذ كتبتُه بسرعة بالغة، وكان أشبه بالنهر في قريتي الذي يتدفق من تلقاء نفسه. يتدفق من دون أن تعلم مساره في الزمن، لكنه ينبثق من مياه جوفية، محتبِسة، ولا تلبث أن تنبثق".
ويشير شربل داغر إلى أن كتابه "يدور في فقرات سردية متتالية، في ذلك الرواح والمجيء بينه، في حاله الراهن، وبين تلك السيرة القديمة التي تظهر بمجرد فتح السبل أمام انبثاقاتها. وهي انبثاقات تتوقف عند أصوله العائلية، بين أمه وأبيه وأجداده المباشرين والبعيدين، وتتنقل في مسار طفولته في بيروت، في بيئة شديدة الاختلاط الأقوامي بين أرمن وأكراد وعرب ولبنانيين، ومن طوائف مختلفة".
كما تتوقف الفقرات عند "تربيته" بالمعنى الدراسي والثقافي، خاصة مع السينما وتلعثم الكتابة... و"الكتاب يتنقل ساردًا خطواته وإيقاعاته في العيش بين القرية وبيروت ثم صيدا، مع "نجوم" مرافقة من كميل شمعون إلى جمال عبدالناصر، مرورًا بعبدالحليم حافظ وزبيدة ثروت...".
ويضيف: "إنها سيرة وجدتُني منغمسًا فيها، مثل هواء أتنفسه من دون أن اعرف بالضرورة أنه هواء الزمن. هواء، كنت أظنه هواء الاختلاط والتغير – وهو كان كذلك – إلا أنه سيحمل معه أيضًا سموم السياسة العاصفة بالوطن الصغير، والدولة الهشة".
وبشفافية شديدة يقول شربل إنه لم يكن يعلم الشيء الكثير عن الجائزة. ولكن ناشره هو الذي اقترح عليه ترشيح مخطوط كتابه لنيل الجائزة. وهو ما صار. ولهذا فهو لم يكن يتوقع الفوز من عدمه.
ولكنه يؤكد - في الوقت ذاته - أنه فرح بالفوز في السنة المشؤومة. فرح، إذ تميز كتابًا سرديًا من كتبه، عدا أنه يخالف فيه كثيرًا من قواعد كتابة السيرة الذاتية.