يوسف حاتم : الشاعر تلده كلماته
"حاطب ليل" مجموعة شعرية جديدة للشاعر شربل داغر، يخالطها نصّ "نثري" عن نسيج العلاقة بين الآلة والإنسان، أو بالأحرى بين الحاسوب (الكومبيوتر) والكاتب أو الشاعر، وما يكتنف العلاقة بينهما من أمور "لا مرئية" متوارية تقترب من التيه ومعانيه. تختلف هذه العلاقة، بهذا القدر أو ذاك، عن علاقة الكاتب بالورقة البيضاء. هل نقول إنّ ما يخفيه بياض الورقة هو قلق أو رعب، إذ ما تستنبطه مخيّلة الشاعر يقتله بياض الصفحة أحياناً، على النحو الذي يجعل المرء لا يستطيع أن يفعل شيئاً أو يعجز حبره عن إتمام الوصول إلى نهاية القصيدة!
رغم هذا فالقصيدة لا تدير حضورها لغير المعنى أو أفكار المعنى، ولشوق القارئ، إلى مثل هذا. تتحرّك القصيدة في كيان البشر بمنزلة الروح في الجسد، لكنّ الشاعر يكتب أحياناً ذاته لذاته، أو هو يتوخّى الغموض والسديم على مضض، وهذا اتّجاه عام أو سائد في النسيج الشعري، وله روّاده وأنصاره المداومون على قراءته واستنباط مكنونات غموضه.
ولا يضير القول أنّ شربل داغر في "حاطب ليل" يتفحّص وجوه القصيدة، وجوه امتلاكها وكتاباتها، فيحضر الحاسوب في عدد من قصائده، مثلما تحضر أشياء الطبيعة (الصخور، الحجار، الحصى، الجبال)، حيث يكتب الشاعر قصائد تذهب في طرق ملتوية متعرّجة. يقول إنّ الكلام "لا يصل"، "بل يسير". وكلام القصيدة هو تراقص الأخيلة، أو هو كشكول متفرّق في حاسوب. والحال أنّ شربل داغر يذهب في تعليقه على القصيدة فيقول: "لا أدرك رحلتي قبل تمام كتابتي". والرحلة هي حبر القصيدة ومسارها، فيقف القارئ متأمّلاً مطمئنّاً أمام عثرة الوصول إلى استخلاص فحواها مع ما يكتنفها من جفاف مرطّب بقليل من الكلام، مستمدّ من الإيحاء الأنثوي أو من نثاره.
على أنّ مجموعة شربل داغر هذه تأتي في سياق إنتاج الشاعر المكثّف في السنوات الأخيرة، من "مذاهب الحسن، قراءة معجمية تاريخية للفنون العربية" إلى "الفنّ الإسلامي في المصادر العربية، صناعة الغنى والجمال"، وصولاً إلى كتابيه الشعريين، "رشم" و"تخت شرقي". كتب تقترب مضامينها بعضها من بعض، ويبدو نتاجه في "حاطب ليل" تأمّلاً في مكامن الحُسن في الطبيعة، ليس الزهور والأشجار بقدر ما هي الحجار والصخور التي يقارن بها تجمّع من صور من هذه الطبيعة. أو يكتب شوق الذات لمرآتها، واللوحة التي قوامها على نفسها وتجريدها، في ما يؤسّسها. وهو في ذلك يقبل على مجهول لا يلبث أن يكون مرآتنا، التي ننظر إليها ونشعر بلحظات التيه.
"حاطب ليل"، لماذا حاطب واحد؟ لماذا ليل واحد ومجهول يرويه غائب ويغيب عنه الحاكي، الذي يحكي بثقة الغائب؟ الغائب في غيابه يوقظ الأشجار من غفلتها، ويستدرك السواقي قبل نهايتها. ولكونه غائباً، فهو يندس في خفائه، وليس مسار الأشياء إلا كمثل مسار القصيدة.
"حاطب ليل"، إشعار بلغة خاصة، تتعامل بالصخور والحجار وتشبهها. فالصخور إذ تتقدّم الأقدام تغدو شريكة في الركض، أو هي جزء من فرح عامر، أو هي أمام الأيدي مرآة للسحنات، أو هي العملة إذ تصبح سبيلاً للمقايضة من دون حساب، أو تغدو رسالة في اليد. هكذا يصالح داغر ألق الصخور وتعابيرها في الحسّ الإنساني، فتتّخذ أشكالاً هي مرآة لحواسنا. هذه العلاقة في شعر داغر تتمّ من خلاله تقنية "فنية" حيث المرأة يمكن أن تختبئ وراء الصخور وتحت الحصى، أو تستلقي ولا تبالي بالهواء الذي يلامس صخرها، ولا بالعشب النابت على ركبتيها. إنّه يبقيها رافعة فخذاً لشهوة غير مشبعة، أو جبالاً إذ تطمر رأسها فهي تذهب لتكشف تنّورتها المقلوبة عن سيقانها. فما يمليه داغر هو الذهاب إلى تأنيث المشهد الطبيعي، الجبلي والصخري، ويبدو الحضور الأنثوي إيحائياً فنياً ومن صميم العمل التصويري والنحتي، مع ما يكتنف هذا من أسرار تصبّ في خانة تزيين القصائد. في طيّات القصائد مناخات من القرية الجبلية، من الأجواء الدينية الكنسية والمدرسية، إذ السراج يتثاءب على فتيلته، والحطبة تكون ثخينة لليل هزيل، وحاطب ليل ما كان عليه في أوقات العتمة سوى أن يهرس العنب في عريشته. هكذا شربل داغر يتوارى وراء أحاسيسه، كما يفعل في ابتداء ديوانه. "في أفق مبهم، حاسوبي مجازي المحمول". تقوم الكتابة أيضاً على دروب محتملة. تصبح نوعاً من "الغميضة"، ويكون التساؤل: "من يكتب من"، ويكون الحاسوب غائباً والشاعر متكلماً، يندسّ في التيه. على أنّ الشاعر تفضي به الأمور تحت سقف الانتظار والتشهّي إلى أن "تلده كلماته". يصير الشاعر رهن الكتابة أو رهن القراءة، والقراءة هي حدوث الفتنة.
ففي الكتابة شكل من أشكال القراءة، أو هي صوت الحروف، تقول الأشياء، التي تروي نفسها، وتكون شاهدة لما تراه. ونظرة شربل داغر إلى اللغة هي نظرة "حسية"، أو تبدو هدفاً في حدّ ذاتها، مجالاً لتحسّن المادة ورونقها، وإبرازاً لمقدرة في الرصف والبناء.
(جريدة "النهار"، "الملحق"، 28 تموز-يوليو 2001).