فاروق يوسف : حياة الكتابة أو الحياة في الكتابة
ما بين "فتات البياض" عام 1981 و"تخت شرقي" عام 2000، كان شربل داغر شاعراً بامتيازِ نثره. لم يكن هذا النثر صمتاً شعرياً بل عزوفاً عن الشكل الكتابي للشعر. وبغضّ النظر عن بحوثه الأكاديمية فلم يكن داغر ليعنى بوظيفة النثر، بل تركّز جلّ اهتمامه على اللغة كائناً يتلمّس باستمرار طريقه إلى التشكيل. وهو ما نعثر عليه ونتبيّن فصاحته في كلّ ما كتبه هذا الشاعر في مجال الفن التشكيلي، وهو واحد من نقاد هذا الفن في الوطن العربي. ولا أقصد هنا محاولته المباشرة للإعلاء من شأن اللغة، فهذه صفة تلازم كلّ كاتب، بل أقصد الإمعان في الذهاب باللغة خارج مجالها الإبلاغي، والتحليق بها في فضاء حدسي. وهو فعل أقرب إلى الاختراع منه إلى الوصف. ولا أقصد أيضاً الإبهام وزئبقية المعنى والرصف الإنشائي. فشربل داغر في نثره يقتصد في كلماته ويشدّ مفاصلها ويتحقّق من إيقاعها، غير انّه في الوقت نفسه لا يخشى الارتطام بجدار المعنى. ولهذا فإنّه يقول كلاماً محدّداً، بيّناً، مسترسلاً في تقصّيه. وفي الحالين فإنّ داغر يجتهد في صناعة نثر نافر لا يستجيب للصيغ البلاغية الجاهزة، إنّه يقيم بلاغته على ميزان حساسيته اللغوية الخاصة التي هي حساسية خلاصات، هدر ولا هذر ولا ترادف ولا مجاز، على رغم انّه في جانب عظيم من جهده البلاغي هذا لا يخفي ميله إلى السلوى من جهة وإلى الامتاع من جهة أخرى. وهما يكمن سرّ هذا النثر المرح بصرامة، غير العابس بثقة. وسر العفوية التي لا تخونها الخبرة. من كلّ هذا يمكننا القول أنّ نثر شربل ليس صورة "مرآتية" عن شعره، بل أن هذا النثر المكتوب يصدر عن ذلك الشعر غير المكتوب، والذي اكتفى بخفّة موقعه وخفائه: مصدر إلهام.
في "تخت شرقي" يميط شربل داغر اللثام مرة أخرى عن وجه الشاعر المباشر. ويمكنني القول إنّ شربل وهو المولع باحتمالات اللغة وتيهها اللغزي أراد هذه المرة أن يزيح قناع الناثر عن وجهه، ليستعيد قناع الشاعر، الذي لن يكون أبداً وجهاً. فكاتب يتماهى مع الكتابة مثلما كان شربل يفعل طوال حياته، لا بدّ في أن يكون طوى صفحة الوجه، ليتسلّى بالأقنعة التي تنسجها اللغة. لذلك نراه لا يخفي حيرته، وهو يلتقط أول خيط ضوئي يقوده إلى الجانب الآخر من الحياة: "للأصابع كلام كثير وجمل قليلة. ولها سطور نحفظها عن غيب، نرسم عليها ما يبلغنا، في الخفق، في دفق العين". كأنّ الشاعر هنا يلوّح بحيرته إزاء ما هو غائب، وممتنع، ومتستّر. وهو يرى أنّ ما يمكن التعبير عنه هو كيان يتداعى وسط خبائه ويتراكم ما بين خطين: خطّ اندلاعه وخطّ خفائه. والشاعر إذ ينتقل ما بين الخطين لا يهمه الدنو من أحدهما، بل كل ما يعنيه ما يتساقط منه مدوياً يحقائقه الروحية الصامته. "وأنا بين مصراعي باب، بين وداع واستقبال، طالما أنّ فتاتي، إذ يتساقط من المأدبة، يفتتح شهية الكلام". شاعر مسكون بالكتابة مثل داغر يجد في الكتابة، فكرةً وسلوكاً وهدفاً، المعادل الذاتي الذي يتكفّل بإحاطة كلّ حياة. مثله مثل الكثير من رسامي عصرنا، الذين شغفوا بمادة الرسم، حتى تهيأ لها أن تزيح الصورة نهائياً لتكون مادة للخيال التصويري. والشاعر هنا لا يخفي على الإطلاق تأثره البالغ بالنزعات التي تتجاذب الرسامين. فداغر مولع بالكتابة لذاتها، لا بالمعنى الضيق، بل بمعنى قدرتها على ارتكاب فعل الحياة، لا تمثيله أو الانجرار إلى مناطقه. للكتابة حياتها الخاصة، بل تتجاوزها إلى المغزى الخفيّ للوجود. ومن هنا يمكنني القول إنّ شعر شربل داغر هو بمعنى من معانيه كتابة داخل الكتابة: "هذه ليست من حروف وأصوات. إذ أنها تخشى برودة الصفحة. ما أن يتناثر في الهباء، رذاذ ضحكنا، ويتساقط من الجمل ارتواء العلامات". حياة الكتابة أو الحياة في الكتابة، لا فرق، يسعى إليهما هذا الشاعر متحاشياً كتابة الحياة. وحتى حين يلجأ إلى عينه، وهو غالباً ما يفعل ذلك، متأثراً بعادات الرسامين، فإنّه يحرّر الصورة من كيانها المشهدي ليهبها حياة كائن لغوي. كائن يكتسب عاداته من تماهيه مع تحولات اللغة وهي تفلت من المعنى المباشر. "كنت أصعد على درج تنبسط درجاته أمامي كلما وقعت قدمي على الهواء". ربّما تذكرنا هذه القصيدة بإحدى لوحات الرسام بيكابيا، غير أنّها تفلت بمهارة من أيّ قدر تصويري لتنحاز إلى ما تنطوي عليه اللغة من إمكان بعض معنى مختلف مع كلّ قراءة جديدة. هذا التحيّز يدفع الشاعر إلى التفكر طويلاً بقدرة الشاعر المحدودة قياساً بقدرة الشعر. وهنا بالضبط يقع أعظم التباس يواجهه الشعراء. فما يخفيه الشعر لا يدركه الشاعر إلاّ بعد إخفاق محاولته. وداغر في شعره لا يرجئ وقوفه عند هذه الحافة التي تضيق أحياناً فلا يكون الشعر ممكناً إلاّ على مستوى زخرفي. وقد تتّسع هذه الحافة أحياناً أخرى فتتحقّق للشاعر بعض فتوحاته: "عبثاً تحاول فالشعر يمضي مثل ماء النهر، بين الاصابع، مثل بريق العينين، بين قطارين متوقفين، فوق خطين متعاكسين، عبثاً تساءل، عبثاً تستجلي، ما انعقد في غابة الحروف".
إنّ الشاعر وهو يجلس عند هذه الحافة لا ينظر إلاّ إلى الهاوية السحقية التي قد تلتهمه في أيّة لحظة. وكلّ هذا الرعب لا يدفعه إلى النظر وراءه بل يجعله اكثر تصميماً على ابتكار خلاصة من مادة يأسه. ومثلما يتخلى عن دعته اللغوية واسترخائه البلاغي، فإنّ الشاعر ينسل من الحكاية التي هي محور كل انفعال حاملاً معه بعض ما يمكن أن تدعيه. ومن المثير للإعجاب حقاً أنّ هذا الشعر على رغم ما يظهره من تطهر لغوي، هو شعر تجربة، شعر يستند إلى نوع شفيف من المعايشة التأملية. وهي معايشة يسبق فيها البصر التعبير والمشاهدة فعل التصور: "هذه الدعة التي تحمل خدك الأيسر فوق هناءة المخدة قطة، أسبلت وبرها، وأرخت عينيها، على التئام، لأجنحة تتابع دورانها، فوق شعيرات صدري". هنا ينظّف الشاعر حكايته المخفية من ضجيجها، ليمحو المسافة التي تفصل ما بينها وبين لمعانها الأخاذ. يذهب إليها مسكوناً بقدرة الشعر على ان يبلغها، بل ويقبض عليها وهي تتصفّح ذكراها. فكلّ ما ينشده هذا الشاعر أن تكون ذكرى الأشياء حاضرة فيها. وبذلك تحضر الأشياء مسبوقة بغيابها، في شعر يرتوي من عطشه.
(جريدة "الحياة"، لندن، 28 أيار-مايو 2000).