جورج دورليان : انبجاس العابر

 

ليس الشاعر الحديث، ومهما ادعى العكس ببراءة مزعومة، يجهل تفاصيل ودقائق ما يدور في صلب وظاهر ما يكتبه، ولا هو وغير مبال أو متهاون بالأبيات والقصائد التي ينثرها تباعاً ثم يضمها، بخفة الترفع، بين دفتي كتاب يسميه ديواناً، تاركاً للناقد أمر اكتشاف المعنى الكمين والمتواري خلف رزمة من القصائد المنتظمة، إما تحت عناوين غالباً ما تكون مبهمة، وإما تحت ترقيم عربي أو هندي أو روماني حسب متوالية عددية. جهالة الشاعر تجاه نتاجه كانت من صفات شعراء الشفاهة في الأزمنة الغابرة -أو من صفات الذين لا يزالون في أيامنا يقرضون الشعر على منوال الأقدمين- حين لم تكن الكتابة قد اقتحمت بعد، ساحة اللغة وميدان فنونها المتنوعة. كان الشعر حينها كلاماً موزوناً ومضبوطاً بإيقاع ومصوباً إلى أذن المتلقي وسمعه.
أما اليوم وبعد أن دخل الشعر على الكتابة -أو هي الكتابة التي دخلت على الشعر، لا فرق– من دون أن يكف الشعر عن كونه كلاماً فيه إيقاع، صار بناء القصيدة أشبه بتشييد عمارة وهندستها على بياض، بياض الصفحة حيث تتوزع المفردات في مساحتها الخالية وعلى سطحها الأملس جاعلة من بعدها أبعاداً متعددة، ومضيفة إلى إشكاليات الشعر إشكاليات جديدة.
فمن شاعر يلقي الشعر أمام متلق مستمع، انتقلنا إلى شاعر يكتب الشعر لقارئ، مغفل الهوية، يلتهم القصيدة ببصره قبل أن يصغي إلى نغمها وإيقاعها ودلالاتها. ومن الطبيعي في هذا السياق أن تتراجع العفوية لصالح الصنعة والفن، فتكتسب القصيدة مميزات تشكيلية تطول مضمونها ومبناها وحتى طباعتها. فبعد أن كانت لزمن موضوع سمع صارت القصيدة موضوع نظر، تقصد لا سمع المتلقي فحسب بل وبشكل خاص تقصد نظر القارئ.
أقول هذا الكلام لأن تجربتي كقارئ لقصائد الشاعر شربل داغر قد أغنت ورسخت لدي قناعة، كانت نظرية بعض الشيء، بأن الشعر الحديث إنما يدرك حق الإدراك فعله الشعري، وهو بالتالي ليس بجاهل للعبة الفنية التي بها يسوق الكلمات فتستقر في كل مرة مشهداً شفافاً-لا فكرة كثيفة-لحالة يتم تجميدها لحظة، هي بالضبط اللحظة الكفيلة بانبجاس معنى سرعان ما يختفي تاركاً في القارئ رغبة ينقطع حبل لذتها قبل أن تدرك الكمال وتتحقق. فمن قصيدة إلى أخرى، إذا بالقارئ يلهث خلف سراب لذة تتراءى له من بين فجوات الكلمات ونتوءاتها، وهو دون القدرة على الإمساك بأطرافها إشباعاً لشهوتها الدلالية.
إنها لعبة إغواء حقيقية تلك التي يقودها الشاعر بإتقان، وهو إغواء فيه الكثير من فضائل الفسق النبيل والشبقية المتعالية اللتين يرافقان، على حد سواء، عملية إبداع النص وآلية القراءة الكاشفة.
لم تقف تجربتي عند حد القراءة فحسب، بل تعدتها إلى إعادة صياغة بعض من هذه النصوص الشعرية باللغة الفرنسية. ولقد توليت ترجمة نصوص قام بانتقائها فنان تشكيلي، الفنان جمال عبد الرحيم، رأى فيها ما يوحي إليه خطوطاً وأشكالاً وألواناً. والترجمة، كما يعلم الجميع، هي في نهاية المطاف الممارسة الأمثل لقراءة يبلغ فيها الفهم والإدراك حدوداً قصوى ليصبح معها الانتقال إلى اللغة الأخرى ممكناً.
فقد أتاحت لي الترجمة فرصة مثالية لولوج عالم الشاعر في لحظات تبلور "الحالة الشعرية"، كما يقول سعيد عقل، وهي حالة آنية وخطيفة للغاية، تقف عند تخوم الملموس والمحسوس بحيث يصبح المشهد أقرب إلى التجلي العابر منه إلى الثبات المستديم. الكتابة الشعرية في الحالات هذه تكمن في محاولات ضبط تحولات لا تراها العين المجردة بل يشعر بها مراقب حاذق ومرهف لتبدلات خفية تطرأ على الكائنات مثل هذه "الرسوم والهيئات (التي) تخرج من أطيافها وتدخل في أجسامها"، وقد لاحظ الشاعر هذا العبور الخفي من خلال ستار شفيف يغطي الوجوه، أو ما يحصل خلال اقتراب وتداخل الأجساد، فيتحول "جلد (الشاعر) بين راحتيـ(ها) شفافة/ لما غار من رسومـ(ه) / ولما فاتـ(ه) ويختلج في لبيب أناملـ(ه)"، أو عندما يستحيل الخروج دخولاً كما في قوله: "وإذ أخرج منك/ فلكي أجدك!".
في هذا السياق من التحولات الخفية، تحتل اللغة الاستعارية المشهد بمجمله، فـ"اللسان مجذاف يلعق توق الوصول"، فيما الجسد يتأرجح كـ"رقاص ساعة" بين ضفتي المضيق، ويحس الشاعر أنه ،"منارة على محيط/ لها الاتجاهات كلها/ مقيمة ومسافرة/ في آن". أما وجه الحبيبة فشبيه بغابة يقلب أغصان شجراتها كمن يقلب صفحات كتاب:
"أقلب وجهك
كأنني أتقدم في غابة
لها من سواعدي فروع
ومن رقصي إيقاع الفصول".
لا شك بأن التعدد الانفصامي هو إحدى الثيمات ألأساسية الني ترتكز عليها شاعرية شربل داغر، ويلحق بها ثيمات التردد والضياع والتخبط بين عالمين يأخذان شكل ضفتين. فالرسوم والهيئات تخرج من الأطياف لتدخل الأجسام، والجسم مترجح بين ضفتي مضيق، والحبيبة هي في الوقت نفسه المقصد والسبيل، والأرض منقسمة إلى نصفين يتلصص الواحد منهما على الآخر، والأنا يتماهى في الآخر منذ لحظة نطقه من بين مضيق الشفتين، والرجل يغدو رجالاً يجرون الماء برافعات هيكله، وأخيراً الشاعر المقيم والمسافر مثل منارة على محيط...
كل هذه الصور إنما تعبر عن عمق التصادم الداخلي بين الرغبات المتناقضة. فالشاعر يرقى إلى أعلى درجات الرمزية عندما يأخذ من مشاهداته صوراً للتعبير عن كل ما يختلج في داخله، وبدل اللجوء إلى الكلام المباشر، على حد تعبير مالارميه، الذي سئمه الناس منذ أكثر الرومنطيقيون من استخدامها بإفراط ممل، يذهب داغر إلى استنباط كلامه الجوهري.
غير أن هذا التعدد الانفصامي المعبر عنه بصور مختلفة لا يقوم على تضاد إلغائي أو على تناقض، إذ يبدو الشاعر متلذذا في عالمه التعددي. وما مشاهد الماء المتكررة في العديد من قصائده إلا تخفيف لقوة المصادمات الداخلية. فتصل معه الحالة إلى إضفاء صفات مختلفة على المياه: فمنها الصلدة ومنها مياه لخشبة... فالماء اللذة ومنتهاها، منطلق الشعر وغاياتها. فكل الأحاسيس العميقة يعبر عنها بشيء من البلل: الدموع حزناً وفرحاً، والعرق الذي يرشح من شدة الغضب أو قوة الإثارة... والمياه تهدئ وتريح الألباب، كيف لا وهي رمز العودة إلى الرحم حيث الراحة والسكينة بين ضفتي الحياة والموت في حالة مستقرة من الإقامة والسفر. فالشاعر يسأل عن مصيره على غرار الغيمة التائهة التي "تسأل مطرها عن أرضها: أهي ثمرتي ما ينتظرني في احتباس الماء؟".
ليس في نيتي أن أعدد الصور التي عليها بنى الشاعر شربل داغر كتابته الشعرية. وما يمكننا قوله هو أن قصائده بعيدة كل البعد عن المباشرة والتلقائية، فهي نتاج جهد مزدوج: أولاً على رهافة الإحساس بالأشياء التي تحيط به، وثانياً على آلية اللغة وأدواتها التي ستحمل مشهدية رمزية مكثفة. لذا بإمكاننا القول بأن شعره هو ثمرة فعل كتابة أكثر منه نتاج كلام. ففي العديد من القصائد، وكلما أنعتق من صلاته بالمرجع، يبلغ الشعر درجات عالية جداً من الصفاء بحيث يغدو لعباً لسانياً بامتياز مبنياً على المشهدية والصور والاستعارات والتشابيه.
إنه شعر متحلل من كل الروابط بالواقع، بالرغم من انطلاقه من مشاهدة دقيقة له؛ شعر لا يحبه إلا الذين يحبون القراءة كممارسة ذهنية من الطراز الرفيع. إنه شعر ذكي ويتوجه إلى قراء أذكياء.
(ورقة ألقيت في لقاء تكريمي للكاتب، ونشرت في كتاب "رشم"، 2000).