خالد النجار : مسكون بالعدم بريء كجرس البحر
كأن تلتقي بحمامة في شعاب الطريق، هكذا يبدو لقاؤك أول وهلة بكتاب شربل داغر: "فتات البياض". أو كأن تفتح كفّك فتجد فجأة خاتماً... لأنّ القصيدة عنده هي أقصى البراءة والمجانية. ولأنّ الفعل الشعري عنده لا يبغي شيئاً وراءه. إنّه بعيد عن كلّ نفعية مدعية، عن كلّ تجديف ثوروي، عن تلك اللهجة الهجائية التي وصمت أغلب النتاجات الشعرية العربية الأخيرة.
ولا أعني بذلك أنّه تخلّى في "فتات البياض" أو كفّ عن أن يكون ضمير عصره الشقي، ووعيه البائس، ليعلن الانسحاب والغياب. وإنّما غيّر موقعه وسلاحه. فهو لم يختر أن يكون دون كيشوت يستعمله حزب ضدّ آخر، قبيلة ضدّ أخرى، وأن يسجن خطابه الشعري ويربطه بإيديولوجية ما، إنّما اختار أن يكون مبدع أشياء، لا داعية إلى أشياء، مبدع ميثولوجيات، مبدع شيء كالإيمان الشخصي. هل أقول أنطولوجيا؟
هذه النصوص الهائمة والمترحّلة، هذا الاستثناء الجميل، هل كان لا بدّ أن يهتف:
"أعلن سقوط الكلمات
الريح هاوية".
لكي نعرف أنّه يعلن الكلمة الأخرى، الكلمة المفتوحة والمتحرّكة في كلّ الاتّجاهات، كرمال الصحراء القابلة للقراءات والتأويلات المتعدّدة. يتعبير آخر: الكلمة المنفلتة من أسر التصوّر الأرسطي. والكلمة التي يعلن سقوطها هي الكلمة ذات المعنى المحدود والصارم صرامة العلوم. الكلمة التي صارت مصطلحاً ووسيلة تقنية، وتخلّت بذلك عن وظيفتها الأولى كشاهد لحضور الشيء المقدّس في المعاش اليومي.
لقد استحوذ المجتمع على اللغة وجعل منها مؤسسة، أي أزال عنها المقدّس، وترك للشعراء هامش النصوص والبراءات.
ولكن لنتوغّل أكثر في القصائد مع قناعتنا مسبقاً بأنّ كلّ خطاب حول الشعر هو بالضرورة أقلّ منه. فالكتاب، رغم تباعد نصوصه في الزمن وفي أسلوب التعاطي، يمثّل نوعاً من الوحدة، ويؤكّد مرّة أخرى المقولة التي تقول أنّنا نكتب دائماً نفس الكتاب. وهذا الكتاب يحكمه نزوع واحد: إنّه نزوع الصمت والبياض. إنّه يمضي نحو الكتابة التي تتلاشى. نعم هذه مفارقة النص. إنّه تحقّق يبغي الصمت والاضمحلال. فهل ينهي شربل – إذ يصل إلى أقاصي الكتابة – دائرة الشعر ويدخل دائرة النثر؟
لقد وصل بالقصيدة إلى أقاصي النفي. وكم يقترب من عوالم الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه. فهو مسكون بالعدم، هذا العدم الذي يتجنّبه العربي اليوم، يخافه، والذي يعيشه في الصميم، ولكنّه يحتمي منه بالأوهام. لعلّ الغنائية أكثر الإيهامات وضوحاً في هذا الهروب، ولكن شربل داغر مع جماعة من الشعراء العرب (محمد رضا الكافي من تونس، بول شاوول وجاك أسود وعقل العويط من لبنان) يتجلّى عنده هذا العدم الفاجع، فهو يعطيك كلّ شيء ليأخذ كلّ شي: "الرمل الذي أتى بعد مجيء الرمل يشبه الرمل الذي أتى قبل مجيء الرمل".
إنّه يثبت العدم الفاجع، يذكّر أنّ هذه الذات تتكئ على الهوة، على الخواء، حدودها السراب وأقاصيها الوحشة. يعيد القصيدة العربية إلى سؤالها الوثني القديم (...) عندما كانت الصحراء – ذلك الشيء غير الموجود كما يقول راينر ماريا ريلكه – توحي بالمطلق واللانهائي. فالرمل متشابه متغيّر والآفاق متحرّكة، ألاّ يتطابق ذلك مع "نعم" نيتشه التي تعني الامتلاء، والتي تصير الـ "لا" جزءاً جوهرياً منها تؤكّد الامتلاء المؤسّس على الهوّة. فقد تبني بقدر ما تهدم. وتمتلك بقدر ما تفقد. تؤكّد على الغبطة التراجيدية:
"لماذا الموجة
تتأهّب، تتهيّأ
ولا تلد إلاّ موجة أخرى..."
كفى الموجة أن تكون "هنيهات" و"إبحاراً" و"يختاً" إلى آخر التداعيات، حلم العودة إلى البراءة وإلى الرحم، وإنّما هي فاصلة داخل البناء الداخلي للكتابة. تلك البلاد المفتوحة في مقابل الأنواع الأدبية المغلقة والمحدّدة، والتي هي في آخر الأمر انعكاس لبنى اجتماعية وذهنية قديمة. إنّها الكتابة اللذّة، الجنون والقطيعة المطلقة مع الفكر الذي صار تقنية. ولكن، رغم هذا، نجد عند شربل داغر بقايا من غنائية ريفية بريئة كجرس في البحر متخفية كوردة سرية، ويسأل:
"لماذا ارتجفت في الليل...
فالملاك يشخر في الطاقة والشياطين تتجنّب الشموع العسلية؟"
ثم يسأل ويسأل ذلك البعيد والتائه من ليل إلى ليل:
"لماذا ينسى البيت حدود الحديقة؟"
ويسأل مرة أخرى:
"لماذا البيت يرتعش وينتفض وينقفل!؟..."
هكذا يتبدّى لي أخيراً شربل داغر، فهو صانع أشياء بريئة حيادية كيوم الثلاثاء، وصانع لغة متغايرة مع الاستعمال العام والشائع والمألوف. يبدو لي كاشفاً عن عدم تراجيدي يوقظ الذات على الفاجع، وكتابة تمضي في كلّ الاتّجاهات وتمضي إلى الصمت.
(مجلة "المستقبل"، باريس، العدد 255، 9 كانون الثاني-يناير 1982).