الرغبة بالقصيدة
وجدتني أرتمي على الأرض المعشوشبة تحت شجرة الحور الباسقة، ملقياً بأثقالي تحت ظلالها، وقد تلاشت أصابع شغفي الناشبة في المحيط، بعيداً عن رفاقي اللاهين في جهة أخرى من »نهر الجوز«. غير أن حركتي المتراخية، ما أن استلقيت إلى جانب الجذع، انتهت إلى أن تكون فعلاً نشيطاً، بل متوقداً استجمع قواي من جديد في تأهب حاشد. إذ تجهمَ وجهي ما أن رفعتُ نظري إلى عالي الشجرة، وبدا عليه تصميم المكلفين بمهام جسيمة ولكن محفزة، ووجدتني في رواق من ضوء أفضى إلى إشعال حواسي، وإلى دبيبٍ أمسك بأطراف العناصر في جدل محيي.
علوت إلى أوراق يتسلل الهواء الذي بين أصابعي بينها، ويُقبل على غيوم لها هيئة قطعان شاردة بأحلامها، فيستجمع الهواء هذه وتلك صوتاً على شفاهي: صوت يتهدج مصعوقاً، مخطوفاً بانفعالات ضاجة وجارية في تضاعيف جسدي؛ صوت مالكٍ ومملوك، صوت منشد وجوقة عزف، صوت الكلام وماؤه الجاري في عيوننا.
هذه «اللحظة» أستعيدها من الذاكرة في حركة بطيئة، وأستعذب الوقوف على ثنياتها، والتملي من مرآها، والوقوف على أسباب حركتها الداخلية، ذلك أنني لا أزال مشدوداً إليها، وتبقى طازجة في صوري المستبقاة، من دون أن أدرك، لا أسباب ولعي بها، ولا حقيقة اشتمالها على شيء مني يتعداني ويسميني.
سعيت إلى كتابة هذه «الحالة» في مرة سابقة، بعيدة، في قصيدة، في سنتي الجامعية الأولى، وما لبثت أن مزقت الأوراق. وانتهيت إلى كتابتها - أخيراً -، بل إلى تدوينها (طالما أنني أشعر تجاهها بأنها لا تزال حية في ظني، مع هذه الحروف) بعد أن وجدت في ذلك ما يحفظها، ويثبت في هيئة مادية، لفظية، تمسكي الأول بها. وهو تمسكٌ فيه بعض غواية الشعر، وفيه الرغبة بالقصيدة فيما يستبق المفردات والجمل، وفيما يتعداها. تمسكٌ خفيف وإلحاحي، طالما أن الشعر زخمٌ وإن من أثير.
فاقد الذاكرة قيد العمل
يتنازعني في كلامي هذا قول ينسب القصيدة إلى «لحظة» (أو حالة وغيرها)، وإن تتحقق في كتابة أو تدوين وحسب، وقول آخر ينسب القصيدة إلى الكتابة وشروطها التأليفية: وأحد القولين، الثاني، أتحقق منه، بل أسلم به، مثلما حدث لي غير مرة، إذ أقبلتُ على القصيدة من دون استعداد، وإذا بي أجد في البحث عنها ما أثبته في قصيدة، أو ما أحتفظ به لقصيدة تأتي، أو ما يبقى قيد الانتظار. وهو إقبال أراه قريباً من الإقبال على الحياة نفسها، حيث أن فتح الشهية من دون دعوة قد يبسط مآدب التذاذ لمدعوين غامضين ومغامرين، وقد تنقضي اللذة بالانتهاء منها، ويخرج الشاعر من القصيدة خروج الكاشف عن كنز من دون خريطة، وإن اتبع طرق المكتشفين في التنقيب عنه والعناية به لإخراجه من عتمته إلى جلاء العيون المنتظرة.
ويتنازعني في كلامي عن القصيدة كذلك قول (بل فعل) آخر، هو كونها »حالة« قد تتعين (أو لا) في ألفاظ، وقد تتعين من دون أن تستنفد طاقة الرغبة بها، وتكون القصيدة في ذلك أشبه بفعل خارق من حروف غير مادية، مثل برق ينيرنا بما يكفي للمحٍٍ ولكن عامر بالصور، أو أشبه بصدفة ساحرة ذات تدبير خفي، ويكون الشاعر في ذلك غافلاً غفلة الأنبياء اللاهين في شواغل أخرى حين تستبد بأصواتهم وتتلجلج في حناجرهم أقوال تسبقهم إلى التلفظ.
يقول نيتشه: «تبلغنا (الأصوات)، ولا نبحث عنها؛ نأخذ منها، ولا نسأل عن هوية الواهب. مثل برق، تنبثق الفكرة فجأة، وفق ضرورة مطلقة، من دون تردد أو بحث. وما كان علي القيام بأي اختيار أبداً». لم أكن على دراية بهذا القول حين سعيت في وقت ما (1982)، إلى كتابة أطلقت عليها تسمية «الشعر قابلية جسدية»، وقصدت منها أن أقول: الجسد يتيح الشعر لبعضهم، ولا لغيرهم، وفق استعدادات ونزوعات لا يمكن التحكم بها، كما لو أن الشعر فعلٌ يقع ما قبل الوعي، أشبه بالعبقرية المحض، وفق نزوعات باطنية لا يدركها حتى الشاعر نفسه.
كان سؤال الشعر يشغلني، في صنعه، في كونه، في أنه ممتنع على التعريف طالما أن رامبو أقفل كتابه إلى غير رجعة وهو في السابعة عشرة من عمره. لهذا لا يبدو قول نيتشه غريباً لي، بل يوافق شيئاً في نفسي، وهو الصورة التي أرتئيها، أو آمل بها للشعر؛ وهي صورة تجمع في ناتجها، أي عند تلقيها، بين العفوية والضرورة في آن: أن يكون الشعر، بل القصيدة، جسماً له رخاوة الطازج ونداوته، وله قوة آسرة في حضوره، سواء على الشاعر أو على القارىء (والناقد طبعاً)، فلا نقوى على زيادة أو حذف فيه، مثل مخلوق طبيعي له أسرار حكمته الخافية في بنائه. ألهذا يحلو لي تسمية القصيدة بالبلورة، أي التي لا نقوى على الإمساك بها، بل على النظر إليها من زوايا عديدة، ومنها النظر السابر لها من ناحية إلى أخرى؟ ألهذا أيضاً أنسب القصيدة إلى ما تعينه العربية في «التخويض»، التخويض في الشكل-المعنى؟ أهذا ما يجعلنا نقبل على القصيدة وفق خط غير تتابعي في الزمن، لصالح تتبع آخر، يبدأ بلحظة زمنية إلا أنه لا يتعقبها بل يراوح فيها، أو يداور عليها، ولا يلبث أن يلتم التماماً مبرماً على ما استجمعه في القصيدة؟
والقصيدة جهمة، صلدة، لا تُرد. تمثل مثل قوة قاهرة، على الرغم من أنها تصبو إلى استثارة انفعالية ليس إلا، متبوعة ربما بتأمل، يجري ولكن »خبط عشواء« من دون خريطة معبدة، أشبه بالتجوال في دورات المعاني والظنون. هكذا أطلقت على الشاعر، ذات مرة، تسمية «المروبص»، بعد أن راعتني صورة هذا منذ صباي، إذ حدثني رفاقي عن زميل لنا في المدرسة الداخلية يمشي ليلاً: رأيته يمشي على حافة عالية لا يقوى حتى على الاقتراب منها نهاراً، أو يَقِظاً، ولكن بتصميم يحسده عليه كبار القادة العسكريين.
وأطلقت على الشاعر في وقت آخر تشبيه الحالم، ولكن في تباين مع الشاعر بول إيلوار الذي يعود إليه هذا القول: «لا يمكننا الخلط بين سيرة الحلم والقصيدة. كلاهما واقعة حية طبعاً، غير أن الأول منهما ذكرى، قيد الاستعمال مباشرة، متحولة، مغامرة، فيما تمثل الثانية من دون فقدان (أي شيء منها)، ولا تبديل». يعاين إيلوار الشاعر والحالم بعد خروجهما، لا قبل دخولهما، ولا أثناء جريان العمل.
وهي عمليات متعددة، فيها تشاركات وتباينات بين الصنيعين: فالداخل إلى الحلم غير الداخل إلى القصيدة، إذ يتحقق القصد في القصيدة - والقصيدة «تقليب» للقصدية -، وينعدم في الحلم (إلا أذا وضعنا ترتيباً محكماً ومدبراً للحلم فوق خشبة اللاوعي). أما عن عمليات الحلم والقصيدة فهناك تقاربات وتشابهات بينها تتصل بالتكثيف والترميز والإزاحة وعمليات الجمع المحيِّر والمبرَم بين مواد غير مجموعة فيما سبق، لا في جاري العادات الإنسانية، ولا في السلوك الفردي عند الحالم أو الشاعر. كما يختلف الشاعر في خروجه من القصيدة عن خروج الحالم من حلمه، إذ أن سيرة الحلم تختلف عن بناء القصيدة: فللحلم مبنى خصوصي في ظن الحالم وذاكرته، لكن هذا المبنى قابل للإنشاء في صور مختلفة ما أن يخرج إلى التدوين، سواء في صيغ شفوية أو كتابية، وتتباين بالضرورة عمليات تدوينه، فكيف عمليات تفسيره!
الحلم قيد الكتابة، إذن، والقصيدة كذلك، وما يمثل به الحلم (في أشكال تدوينه وتفسيره كذلك)، أو القصيدة، لا يعدو كونه حاصلاً نصياً (من بين جملة اختيارات وعروض نصية متعددة) جرى تثبيته وإقراره في صورة شرعية على أنه «النص».
وكنت قد كتبت مرة عن الشاعر بوصفه الأعمى («دم أسود»، 1989): «يثيرني، لا بل يبهرني، حتى اليوم، مشهد الأعمى في مترو باريس: يتنقل وحده بصحبة عصاه البيضاء، التي لا يلبث أن يطويها ويخفيها في جيبه، صاعداً، نازلاً، فوق سلالم كهربائية أو حجرية، في سراديب عديدة وطويلة، في حشود تتبادل نظرات التجاهل، من دون أن يقع، أو يخطىء، بدقة وإتقان، في صورة يومية، من البيت إلى العمل، وبالعكس؛ حتى أنني كتبت ذات يوم:
»ما همني!
يقودني الأعمى إلى بيتي!»
لا أجد صورة أنسب للشاعر من صورة الأعمى- المشاء الأعمى. يمشي من دون أن يرى، ويقرأ مغمض العينين. لا يعرف الشاعر مثل هذه السهولة، إلا أنه، مثل الأعمى، يتحسس الشيء من دون أن يراه، يهجس به من دون أن يتبينه، يتلمسه من دون أن يعرفه بالضرورة؛ مسبوقاً بطاقته، يكتشف الشاعر طريقه بعد أن يبلغ نهايتها، من دون أن يحسن قياس المسافات المختصرة (...).«لمروبص» يعود سليماً إلى فراشه، لا الشاعر؛ ومن دون زاد، لا (الشاعر) ...».
ويحلو لي، اليوم، أن أطلق على الشاعر تشبيه فاقد الذاكرة، إذ أن الشاعر يُقبل على القصيدة، أو يرتكبها بالأحرى مثل فاقد الذاكرة الذي يحتفظ بملكاته كلها في العمل، وهي ملكات التمييز والخبرة المتراكمة والتدبير عند الإنسان، ولكن من دون أن يتعرف سلفاً على قابلياته، أو مهاراته، أو إلحاحاته على المعاني والصور والرموز: يدركها بعد وقت، بعد حصولها، على أنها منه، من تدبير قواه، ولكن من دون أن يحسن التجوال فيها مثل عامل في مصنوعاته.
وهي صور مختلفة لتعيين واحد، للشاعر، وأريد منه الحديث عن هذا الجمع الساحر والمحير في آن، في القصيدة: فهي تلقائية في ظاهرها النهائي على الأقل، وثقيلة بحمولاتها وتشابكاتها في آن؛ جسيمة ولها نبر الأغنية؛ بهيجة وإن تتحدث عن غمامة اليتم، خفيفة وجهمة في آن. يمكننا مقاربة الشاعر، إذن، لا التعريف به، فهل يمكننا تعريف القصيدة، الحديثة خصوصاً؟
بدء ملحوق
لا يمكننا تعريف القصيدة، لكننا نتعرف عليها: في صعوبتها العصية على التعريف، في زوغانها عن أي تحديد. هذا يصح في ما قيل عن القصيدة الحديثة، كما في القصيدة القديمة: فما يعني القول أنها كلام موزون مقفى يدل على معنى؟ تعريف شكلاني، «براني»، يتحدث عن القالب أكثر مما يتحدث عن الشعر.
كنت قد توصلت في كتابي «الشعرية العربية الحديثة» (1988) إلى القول بأن للشعر القديم شكلاً هندسياً، يؤدي بالقصيدة إلى أن تكون مربعة في ما ندر، ومستطيلة في صورة طولية في الغالب، ما يساعد في التعرف عليها حتى من غير دارسي الشعر، أو من العرب كذلك. وهو تعريف براني كذلك، وساعدني تشكيلياً في التمييز بين القصيدة وغيرها من النصوص في العربية، ولكن ألا يمكننا التمييز بين هذه المدونات في العربية وفق ضوابط أخرى؟
بلى، لو عدنا إلى أقوال عربية قديمة في الشعر، مثل تمييزها بين الكذب وغيره. فالشعر يَقبل الكذب، ولا يقبله غيره، عدا أن الكذب «مستملح» في الشعر. يقول ابن قتيبة: «لو كان المجاز كذباً لكان أكثر كلامنا باطلاً»، فيما يجعل ابن رشيق الكذب «غير معيب» في الشعر وحده. كما يؤكد الناقد القيرواني كذلك أن «المجاز أبلغ من الحقيقة»، بل جعله، هو وعدد آخر من النقاد والبلاغيين، باباً يندرج تحته التشبيه والكناية والاستعارة، وهي - أي الاستعارة - «أفضل المجاز».
فلو قرأتَ لشاعر «ابتلع الشمس» لصدقته، فيما لن تصدق ذلك حتى في رواية علمية-خرافية، وهي رواية تعتمد، في مجالات الغرابة والاختلاق التام، على مواد وأدوات »واقعية« لتصديقها. تبقى النصوص كلها تحتاج إلى بنية تصديقية، إمكانية، لها سند في العقل والمنطق والثقافة المعروفة لدى الإنسان، أما الشعر فيجيز لنفسه تماماً ما لا يجيزه غيره لنفسه: للقصيدة وحدها حق التجوال الحر وغير المناسب في ما جرى قبوله والتعاهد عليه، سواء في ثقافاتنا أو في اعتياداتنا أو في مضمراتنا وظنوننا.
وهو ما تقوله دلالات لفظ «جاز» القاموسية (ومنها «اجتاز» كذلك) إذ تشير إلى الانتقال والعبور من جهة إلى أخرى، وهو ما لا تقوى عليه المدونات غير الشعرية التي تبقى في جهة واحدة، وتستعير - ليس إلا - مواد من الضفة الأخرى. فيما نلقى الشعر يتجول، بسرعة وجدل وإحكام مبرم ومتجدد، بين الضفاف، والأزمنة، والثقافات، واللحظات، واجداً فيها كلها مادة لقول فردي، تملكي، يجيز قول ما لا يقال، ويجمع ما لا يجمع، على أن في ذلك كله بنية تصديقية مخصوصة.
لذلك نقوى على اختصار أي نص، من المادة العلمية إلى المادة السردية، بينما لا نقوى على اختصار أي قصيدة. كما نقوى على التقدم والتوقف في أي نص، وعرض ما جرى أو ما سبق، والعودة إليه من جديد، بينما لا نقوى على ذلك في القصيدة إذ أنها تبدو مراوحة أحياناً في حيز بعينه، ودوراناً حوله، أو تغويراً فيه، ما يقطع الصلة بالزمن، بل يفتحها على احتمالات جديدة، غير معهودة.
وهذا ما نتحقق منه في الترجمة (كما سبق أن كتبت) وهو أن ترجمة الشعر مستحيلة، فيما ترجمة النصوص الأخرى ممكنة، إذ أن ترجمة الشعر وضعٌ جديد له، مهما بلغت درجة الأمانة. وإذا كانت مجهودات المترجم ترتكز عادة في ترجمة النصوص على تثبيت اللغة في ألفاظ اصطلاحية دقيقة أو في استعمالات مناسبة، فإن مجهوداته في ترجمة الشعر تؤدي، واقعاً، إلى احتمالات التكثير والالتباس والتجديد في كل لفظ، ما يجعل ترجمة الشعر عرضة للتأليف، لا للنقل، بالضرورة.
أصطحب معي، في قولي هذا، ابن رشيق الذي يؤكد في تعريفه للشعر، بأنه، يقوم «بعد القصد» على كذا وكذا. وما يعنيني هو هذا »القصد« الذي لا يعرِّفه الناقد القيرواني أبداً - وللأسف. ما يقصد الشاعر، وهل في الشعر قصد محكم فعلاً؟
طبعاً يمكنني وصل فكرة ابن رشيق بما قال به عدد من علماء اللسانيات، أو من علماء الاجتماع الذين يتحرون القصد الفردي والاجتماعي في الخطاب، سواء أكان قولياً أو كتابياً، في النظرية التي تتعامل مع النص بوصفه استعمالاً للغة، من جهة، وبوصفه شراكة في حوار، تخاطبي، ينطلق منه الخطاب ويشارك فيه، من جهة ثانية.
إلا أنني أبتغي توجيه كلام ابن رشيق في وجهة أخرى، مغايرة، وهي الحديث عن القصيدة بوصفها قصداً ولكن غامضاً، يتعدى المتكلم نفسه، ويحتويه كذلك. والقصدية تشير من طرف إلى طابع القصيدة الإرسالي، الذي يشتمل على إخبار وفق طريقته المخصوصة في التعيين والترميز، التي تختلف عن طبيعة الإخبار في السرد، وعن المحتوى الرمزي الذي يوافق المبنى الضمني للسرد. وتشير القصدية، من طرف آخر، إلى طلب التأثير، واستثارة الانفعال الجمالي (والذي يجعله عدد من علماء الجمال في منطلق الحكم الجمالي).
والقصيدة تخبر، ولكن على طريقتها، التي تستجمع في كثافة جمعاً متعدداً من الخبرة والثقافة والتجربة، ومن إلحاحات الشاعر نفسها، في مبنى كتابي يشع في إخباره وتعيينه، ويرسم جواً ومناخاًَ، ينفذ إلى عميقنا، إلى ما يجعلنا ننفعل، ونبتهج وإن في الحديث عن الحزن.
وللقصيدة أشكال متعددة في إتيانها: فتَرِد طيعة، هينة، مثل نغم مموسق، مثل ماء جارية؛ أو ترد وروداً صعباً، كمن يقلع الحجارة في مقالع، حينما يستخرج الألفاظ من علاقاتها القديمة، المعهودة؛ أو ترد وفق تصميم له شكل الحكاية أو البناء المتتابع... إلا أن الشعر في أحوال وروده كلها يبقى عصياً على التلخيص والتتبع، كما لو أنه يعصى الزمن (أي خطه التتابعي)، والمنطق التصديقي (أي يقبل تقدماً وتراجعاً وتغويراً في الوقت عينه).
إذا كان غير الشعر كتاباً مفتوحاً، قيد الكتابة في أي لحظة، في أي مكان، مصحوباً بمواد تحضيرية، فإن الشعر بدء وإن يتم استلحاقه، فتحٌ لشهية الكلام وإن كانت له تقاطيع زمنية تعينه أو تجعله حوارياً في جدلِ قيم ورموز وخطابات. القصيدة فعل ملحوق، لا نتعرف عليه إلا بعد وقت، بعد حصوله، في تضميناته الخافية. هكذا يبدو في ظاهره تلقائي التتابع والنبر، فيما هو - لو نظرنا إلى أوراق الشعراء ومخطوطاتهم - عملٌ، صنع، يقوم على مقادير واسعة من التقديم والتأخير (وفقاً لما قاله الجرجاني عن مزايا النظم) والشطب والزيادة والتكثيف أو التمطيط وغيرها من العمليات التنصيصية. والقصيدة تحتمل بل تشترط الرتق والضبط والربط، وتتناهب الحروفُ فيها الحروف، لكنها فستانُ العروس، ولمرة مبرمة.
الرغبة في التحقق
الرغبة في القصيدة وقصيدة الرغبة، طالما أنني أسعى إليها، وقلما أجدها. فلا يستوقفني ما إذا كان الشاعر أبو نواس، أو الشيخ النفزاوي، تحدثا عن «آلة» الجنس أو مسمياته، وما إذا كان نزار قباني قد أقام الدنيا من دون أن يقعدها بمجرد أن ابتدأ الكلام في الشعر بعنوان صادم: «طفولة نهد». بل يعنيني قول أمرىء القيس في معلقته، ذلك أنه كتب في «اللذة»، لا «عنها».
والشعر الغزلي، أو شعر الحب (كما يحلو للبعض تمييز شعر بعض المعاصرين)، يقف في حديثه عن الرغبة، أو عن تحققاتها، خارج مجال الرغبة، ويبقى هذا الشعر يتحدث عن الرغبة، كما لو أنه يتحدث عن الممدوح أو الفقيد، على أنه يتحدث عنها، هنا، بوصفها حبيبة، وهنا بوصفها غائبة، وهنالك بوصفها... أي أن الشعر ينشىء العلاقة عينها، سواء في هذا المجال أو ذاك.
هذا يصح في المتكلم، كما في المخاطَب: ففي الأول منهما يبقى المتحدث يصدر عن علاقة وثوقية بالكلام، وبما يصدر عنه، فلا يتردد فعلاً وإن تحدث عن التردد؛ ولا يتقلب بين دعاوى مختلفة لنفسه، وإن تحدث عن التيه. وفي الثاني منهما، أي المخاطَب، يغدق المتكلم عليه أجمل الصفات وأعلاها، على أن له منفعة اجتماعية فيه: تبقى الحبيبة منزهة عن أي دنس، وعن أي تعريض بجسدها أو امتهانه، وتبقى الحبيبة »الأولى« دوماً التي ما سبق لها أن أحبت... وهو كلام يوافق المبنى الاعتقادي التقليدي، وهو أن الذكر يطمح للفوز بالعذراء من دون غيرها، ومن دون أن يدخل في الحساب كونه لم يكن (أو ليس) كذلك، عند طلب العروس: قصيدة الغزل تصرِّف معاني الكلام الشعري على دورة الاعتقاد الاجتماعي في الجماعة التقليدية، وتبدو في أحسن الأحوال دعوة إغراء للحبيبة الاحتمالية، ليس إلا.
لهذا قلما نقع على قصيدة في الرغبة، ويتعرض فيها المتكلم لتجريب، لمداورة، لمداعبات، لتحرشات، لرواح ومجيء متماديين، لظلمة ساحرة تستدرجنا إليها الرغبات. ذلك أن الحدس بالقصيدة، والرغبة بها، وفق إيقاع الرغبة وتمثلاتها، دعوة إلى سلوك سبل مغايرة، غير مكفولة، وغير مجربة بالضرورة. دعوة إلى عتمة مشتهاة، يخلي الداخل إليها اعتياداته وحدوده، ويستكشف كما في رحلة إبحار ولكن في الإقامة.
والقصيدة مثل الرغبة استباق لما يتقدمنا ويعلننا ونسميه بعد وقت: خروج احتمالي، لكننا نعود بعده مختلفين. هذا ما يكابده الشاعر، والعاشق، والقارىء كذلك. بل لَعِبٌ بالقواعد، وخارجها، مثل تتمة لها، أو تعديل لها، على أنها صورة ظنية عنه. والقصيدة تعيين للحظة على أنها أبد، ولحيز على أنه الكون، ولانحناءة عين على أنها إمالة جرم سماوي عن مداره.
ذلك أنني أستسيغ علاقة بالكتابة تدفع الكلمات دفعاً، كمن يطحن اعتقاداً، أو يستخرج صدفة غارقة في اللجج. وأريد للشعر أن يباشر الكلام من غير سابق معرفة، وإلا كيف لنا أن نبتهج بالقصيدة، وتبدو لنا جديدة (في لغتها، كما نقول)، وهي إعادة توزيع لألفاظ معروفة، ومتروكة في برودة القواميس والاستعمال: دفعُ الألفاظ كمن يعبث بوبر اللغة، أو بدثارها الدافىء. دفعُها العنيف، مثل جسد يستعيد قواه، حريته، بعد طول ركاد، كمن يجلوه، أو يسويه من جديد. دفعٌ ينقاد فيه الكلام إلى أن يقول ما لم يكن في حسبانه أو اعتياده، وإقبال الكلام على انحناءات في المعاني لم يعهدها، أو لم يقصدها بالضرورة... والقصيدة في ذلك ازدواج، يجعلها لها وللشاعر، لها ولغير الشاعر؛ ازدواج تثنية بل تكثير، له في الحياة نقاط تثبِّت الحروف.
والرغبة في القصيدة هي أن يقول الشعر لحظات، أحاسيس، وصوراً، تتعدى العلاقة الخارجية، البرانية، المتعاهد عليها، لقول شيء يقع في التجربة، في الاحتكاك، في ألفاظ الحركة، ونزوعات الجملة. ولها أن تقول، في مثل هذه الأحوال، تقلبات العيش، ومنها مباهجها، طالما أننا لا نحسن قول غير الحزين، كما لو أن اللذة محرمة، ممنوعة، لا تصلح لإنشاد، أو لغناء، أو لمعايشة.
وهي قول الإنساني، الخصوصي، في حيز يتم تحريره بالضربات الملحاحة والحنونة، في تلك الدينامية الحيوية التي يتم إشعالها والاحتماء بها في آن، في مجال الحميمية المنتزع والمحرِّر والمحرَّر من إكراهات الجماعة والقمع.
حيث للجسد أن يروي في عيشه التلذذي وحركاته، أي في حياته الداخلية، غير سيرة الجماعة في سلوكاتها وتصرفاتها وممنوعاتها، أي في حياتها العلنية...
حيث للحداثة أن لا تكون تعبيراً توكيدياً عن »الأنا«، إذ أن توكيداً كهذا لا يتأتى من التجربة، من مكابدات الكلام، بل من الرغبة بسطوة الكلام، بأثر الكلام على متلقيه؛ بل أن تكون تعبيراً يشي بهشاشة وخفة وشفافية ورقة هي أعراض متكلم متعدد الأصوات، طالما أنه، في وجوده وقوله، يعايش في الجسد الواحد أطيافاً، ولشهواته وتهويماته صورٌ وخطابات متعايشة ومتخالطة...
حيث للحداثة أن تمتحن قدرتها على التعيين في قول متردد ومتعثر، وإلا فإن وضوح الخطاب واتساقه يعنيان أو يرمزان بالضرورة إلى الخطاب الساري، المتتابع، إلى ما يتلى في أفواه الجماعة، وتتلفظه ليس إلا...
حيث أن القصيدة هي الرغبة، الرغبة في التحقق، الرغبة في القصيدة، وما يجدد الرغبة في مرانها؛ وهي استنفار له جيشٌ غير معلوم القوة قد يؤدي إلى تأجيل؛ حيث أن الشاعر صياد في ماء الصدفة، في توقعٍ، له من تشهيه صنارةٌ: «رُبَّ شاردة تجد نفسها في نهاية المطاف». والرغبة في الشعر تفيض عن حاجته أو تمتنع عليه، إلا أنها لا تنقضي بل تغور، وقد لا تنبجس من جديد. والرغبة في القصيدة، أو ارتغابها، سبيل يفضي إليها من دون أن يقصدها، أو يبلغها من دون أن ينتهي فيها.
(مقدمة "تخت شرقي").
____
حاسوبي، مجازي المحمول
ألقي بعض الكلمات فوق الصفحة التي تنتظرني، وأقعد تحتها، تحت مظلة تقيني من ملل الانتظار. من انتظار لا يكفيه كوني جلست أمام الحاسوب، إذ أنني في ذلك أكون قد رمىت الصنارة في مجهول المياه، طالباً من سمك الصدفة أن يجعلني صياداً. ألم أقل: «ما همني! يقودني الأعمى إلى بيتي!»؟
قعدة لاهية، متراخية وكسولة في بعض لحظاتها، وفيها شيء من التربص في لحظات أخرى، فلا تمر شاردة من دون أن أزنها، أو أجسها، سائلاً ما إذا كانت »صيداً ثميناً« لنهاري وغذائي. شاردة أو أكثر مما قلت عنه: «ربَّ شاردة وجدتْ نفسها في نهاية المطاف».
في ذلك تبدو الكتابة لعباً فيه مقادير من الجسامة، أو فعلاً جسيماً فيه مقادير من اللهو. بل تبدو قريبة من لعبة «الغميضة»، اللعبة الطفولية المجانية، أو من المواقعة بيني وبين نفسي عبر الكتابة. وهي مواقعة تستسلم فيها النفس فيما هي تستقصي أغوارها ومسكوتاتها.
وفي الحديث عن الكتابة حديث عن المبارزة، عن هذا الفعل الجسدي، إذ يعرِّض فيه الفارس جسده لهواء، لحركات تهدده في ما ركن إليه في سلوكه واعتياداته. وما كنت أخال الحاسوب بالتالي عنصراً مساعداً في هذه اللعبة. وحدث هذا في غفلة مني، من دون قصد بين أو مطلوب.
ذلك أنني، مثل غيري، أقبلت على الكتابة إقبالاً فيه اعتيادات مسندة إلى اعتقادات رومنسية، أو خَلْقية في الأساس. وهي أن الكتابة نزول مبرم يصدر عن كاتب تتهيأ فيه الكتابة في كتلة مرصوصة، هي الدلالة الدامغة على بلوغه المرتبة العبقرية.
الحاسوب فضح هذه العملية تماماً، إذ كشف لي أن الكتابة عمل مستمر، فيه كثير من التدخل والتدبير والتسوية، وفيه رتق وتحسين وشطب وتدقيق، وغيرها من العمليات التنصيصية، كما أسميتها، بما يزيل أية غشاوة رومنسية، سميكة واقعاً، عن أمور الكتابة.
بل أكثر من ذلك: أتحقق من صنع الكتابة في لهوها الأكيد، إذ أن الحاسوب يدبر لي شيئين مختلفين، بل متضاربين: العمل اللاهي فوق شاشته الإلكترونية، من جهة، فأتدخل ساعة أشاء، وأحذف وأزيد وأنقح وأستعيد، ما يجعل النص مجموعة من المسودات المتتابعة والمفتوحة، والإنهاء الدؤوب والمتمادي للنص، من جهة ثانية، ما يجعله »حاصلاً نصياً« في نهاية المطاف، أقر به وأقبله وأشرعه على أنه «النص».
هكذا أُقبل على الكتابة من دون خشية قديمة، وهي التجريب مرتين أو ثلاث للمادة الواحدة، على ما يفعل الكتاب عادة: فتراهم يستبقونها ما يكفي، ويعدونها في ظنهم مرات ومرات، ويسوونها، ويتنبهون إلى نهاياتها وخواتيمها، ما يجعل الكتابة فعلاً تدوينياً في نهاية المطاف.
هذا ما يعفيني منه الحاسوب إذ يؤكد لي أنني قادر على التجريب ما شئت، وعلى إكثار المسودات ما شئت، من دون حاجة إلى التعديل والترتيب اللاحقين وإلى تمزيق الأوراق، طالما أنه يعمل في خدمتي، تحت إمرتي، عشرات الآلاف من المساعدين الإلكترونيين...
ان تأكدي من وجود المساعدين هؤلاء أراحني مما كان ينغص عملي قبل الإقدام عليه، ومما حرر حركاتي من اعتياداتها السابقة، ما جعلني أقوى على الخروج، على النسيان، على التلهي، على مراودة النفس في أماكنها القصية، ضامناً دوماً وقوعي في نفسي مهما ابتعدت، وضامناً وقوع الكتابة في ما يؤسسها في صورة مستمرة.
ألهذا أقول: «حاسوبي/مجازي المحمول...» ؟
أندفع إلى هذه الشاشة البيضاء الصغيرة، من دون أن أعرف تماماً ما إذا كانت نافذة تفضي بي إلى خارجها فعلاً، أم هي مرآة أتملى فيها وجهي من حيث لا أطلب. مع أنني قلما أنظر إلى الشاشة لكي أتحقق من المجريات الدالة فيها، إذ تبقى عيوني مثبتة على الحروف الطباعية التي أنقرها نقراً متفاوت الضربات. وما يعنيني من هذا ماثلٌ، على ما أظن، على ما أحس بالأحرى، في الإلحاح الذي يستبد بأصابعي، ويدفعها دفعاً يكاد يكون آلياً أو تلقائياً إلى طرق هذه الحروف مثل بوابات، أُقبل عليها من دون مفاتيح، من دون وصية، ومن دون وديعة تنتظرني فيها بالضرورة.
ذلك أن ما يلح على أصابعي يتعدى الجزاء المتوقع، أو لا يخطط له. ولا يخفف من حدة الخوف الذي يغشاني، وأنا أقبل على هذه المهمة التي لم يكلفني بها أحد، ولا أتوقع لها مكافأة من أحد، سوى هذا الإلحاح نفسه، الذي يعلنني وإن من دون علم مني، والذي يبلغ عني من دون معرفتي.
هو أنا وأنا قد أعرفني بعد وقت!
ما يعنيني ماثل في تسارع الأصابع على النقر، في هذا الانتظار الراجف الذي لا يسبق فعل القراءة، بل يصاحبه، إذ أتملى من قراءة ما كتبت برغبة لا يوازيها سوى الشوق لرسالة بعيدة من صديق قديم.
لهذا تبدو الكتابة طاقة جسدية، قدرة على النقر، تمادياً في الفعل عينه، إلى درجة أتوقف فيها تماماً عن الفعل، عن الحركة. طاقة وقد استنفدت، وإن لم تبلغ مرامها. طاقة بلغت أقصى ما تستطيعه. طاقة تحملني وتسلمني إلى أول قارىء - غيري - تصله كلماتي. إذ أنني لا أتمادى عن الدهشة إذ أنظر إلى هذه الحروف التي تراكمت، وارتسمت في هيئة لفظية، وباتت لها كينونة سميكة وشفافة في آن: سميكة إذ تقوى بما يقيمها أكثر من بنيان صلب، وشفافة طالما أنها تعلنني، حتى لا أقول تفضحني.
وذلك بخلاف القارىء الذي يقبل على القراءة، الذي يقوى أكثر مني على النظر إليها من دون أن تحرقه فيها إشعاعات لم تنطفىء، بل محفوظة في مكامنها. هو يفوز أو لا يفوز بما سعى إليه أو ما وقع عليه في النص، أما أنا فما أطلبه لا أعرفه تماماً، وإن ترتسم أحياناً على شفاهي ابتسامات رضية، حين تسري بيني وبين كلماتي لحظات تعارف وتعرف، وقد وقعتُ على وجه طال انتظاره.
فيما خلا هذا يبدو النص غريباً في ناظري، مكتوباً من غيري، وموجهاً لي ولغيري في آن. واجداً في هذا الاندفاع على إملاء الحروف بعضها خلف بعض، في تسارع الحروف إلى بناء سوية لغوية، ما يريحني على الأقل، ما يخفف عني ضغوطات هذه الإلحاحات المستبدة، ما يجلب لي هماً أو شاغلاً أنصرف إليه فلا أحيد، طالما أنني لا أتوانى عن الضجر وقلب الصفحات وتبديل أقنية التلفزيون والانصراف عن أحاديث هذا وذاك. إذ أجد في ما يشغلني، في ما يلهيني عن أي عمل أو سلوى غيره، ما يبرر تعلقي به، وهلعي إليه، مثل وعد مجدد، وهدية مفاجئة دوماً.
إذ أن في الانصراف إلى الكتابة، في التركيز عليها، في كونها تستحوذ مني على طاقة لا تعادلها طاقة في شواغلي الأخرى، ما يدلني عليها، ويجعلها لي سلوى، جدواها فيها، في القيام بها، في كونها تبرر نفسها بنفسها، في أنها عمل تحويلي وإن بدا عليه التكرار، لأشياء تبدو خافية عني وهي مني، ألصق مني بي. فإن وجدت الكتابة ما يبررها في خارجها، عند القارىء، فهذا يدلني مرة أخرى على أن طاقتنا تتعدانا في سهامها الطائرة، فنحيا في فضاء التشارك والتجدد.
ينتزع رشيد من جيب سترته الداخلي دفتراً صغيراً ويدون عليه كلاماً، بل رسوماً وأشكال هيئات تبادره في المشهد، في الجلسة، في زاوية النظر. يفعل في إقامته، في سيدي بو سعيد، ما أفعله عادة في السفر، حين أجري تدوينات فوق دفتر صغير أدسه في جيبي، ولا ألبث أن أعود إليه، إثر عودتي إلى مكان إقامتي، مثل جريدة ذات آثار قليلة متفرقة أحدثها وقعُ الهواء أو احتفظ بها...
في مرة ثانية، بعد سنوات على الأولى، نسي رشيد دفتره في تاكسي في القاهرة. إلا أننا في مساء اليوم عينه، وقعنا على سائق أخبرنا أن زميله عثر على دفتر صغير فيه مخلوقات غريبة. صعقنا الخبر، نحن المحشورين مع رشيد في التاكسي: نعمة أحاطت بنا من دون أن نراها، أو مقلب مدبر. لم أعلم بعدها ما انتهت إليه هذه الحكاية: لعل رشيداً وجد دفتره الضائع أو لم يجده، لكنه وجد لاحقاً أشكاله، الضائعة أو غيرها، وهو منكب على حوامل التصوير...
وهو ما عرفته بدوري فوق أوراق الكتابة، سواء أضعت دفاتري أم احتفظت بها. فأنا أدخل إلى القصيدة مثل دخولي إلى المكتبة: أشتري في الغالب كتباً غير التي قصدت شراءها. واستعادتي لدفاتري ليست بالاستعادة في الغالب. ذلك أني أكتب غير ما دونت، وقد تبقى صفحات في الغالب ميتة، باردة في الدفتر الصغير: دورب مفتوحة، مطروقة، لا تستدعيني إلى مكاشفة أو انبناء، طالما أنها مبنية، ومعروضة. غير أنني قد أقع في دفتري على لفظ، مغلق كرسالة، ملتم على بعضه مثل هدية مؤجلة الاستلام، وإن كان لي أن أكتبها، لا أن أسجلها، حين أفتضها...
وهي شبيهة بالحركة التي تحققت منها بعد وقت على مزاولتي النقر على ضربات الحاسوب. وأنا، إن لجأت إليه، فلم يكن ذلك بهدف كتابة الشعر أبداً، مسحوراً بصورة قديمة، مثالية، عن ألفة الورقة والقلم، أستعيد بها صورة الطفولة منبسطاً على البلاطات الباردة في صالون الأهل، من دون أن أعرف تماماً ما إذا كان طلبُ برودة البلاط يعود إلى حر بيروت أم إلى جيشان الشعر.
انقدت إلى تجريب الكتابة شعراً على الحاسوب في وقت أجهله اليوم، ولا أقوى على استعادته أبداً، بدليل أنه حدث عفواً، من دون قصد أو تصميم: وجدتني أتخفف من عوالق كثيرة تشدني إلى خارج القصيدة فلا أقوى على الخلود إليها، إلى الانصراف إليها، مثل حضن دافىء. فأنا إذ أكتب الشعر على ورقة أتحقق غالباً منها، من وجودها، من إقبالي اللازم على محو وشطب وتعديل، فأتهيب الكتابة وأتبرم منها قبل حدوثها. هذا ما جعلني عند الكتابة على الورق يقظاً إلى كون القصيدة تنتهي إلى صيغة نهائية، طالما تجنح إليها عند المباشرة بها. فيما يقوى الحاسوب، إن وجدتَ طريقة فيه، في تدبر الكتابة عليه - مثلما توصلتُ إلى ذلك -، على تخفيف الشعور بالعمل المتمادي على شاشته. فأنت لا تعبأ بما لن تحتفظ به، أو بما تنزله في أسفل الصفحة الإلكترونية: هكذا صفحات الحاسوب تحتفظ بقديمها، إن شاءت، وبجديدها الذي يكتمل أو ترضى به. قصيدة ثابتة ومتحولة في آن. هذا ما يجعلني أتخفف من عوالق عديدة أسقطها من حسابي، فلا تعيقني عند الكتابة، إذ أنني بذلك أنطلق خلف القصيدة، أو أندس فيها اندساساً لا يخشى من أي حادث مفاجىء، ولا يعبأ بتغييرات لاحقة، ولا باستدراكات أو تصويبات، طالما أنني أحتفظ بما هو عليه النص في حقيقته، أي مجموعة من الاحتمالات النصية.
قلما أقرأ شعري، قلما أتلوه بالأحرى في لقاء، في حشد، لأن في تلاوته ما يربكني: هي قصائدي، لكنني بدل أن أقدمها لغيري أزورها بدوري على شيء من الغرابة والدهشة. وأعمد في بعض الأحيان إلى إرسال قصيدة أو أكثر إلى صديق، وأسعى أحياناً إلى استردادها، كما لو أنها من الحميمية الشفافة.
قلما أتذكر قصيدة كتبتها، وأتعثر دوماً في استذكارها عند الاحتياج إليها، كما لو أن أحداً غيري كتبها، أو كنت في حالة، بل في عملٍ، لم يقع فيه أو عليه شغل تعبيد وتسوية للطريق. كما لو أن القصيدة وقوع مفاجىء، من غير خريطة، في غير مجال وطريق، من دون علامات دالة في الطريق تقي من السقوط ومن الخروج عن الجادة (كما تقول العبارة العربية)؛ من دون علامات واقية قبل مباشرة القصيدة، أو بعد مباشرتها بقليل، مثلما يتاح للشاعر العمودي، مع الوزن أو الموضوع وغيره؛ ومن دون علامات واقية بعد الخروج من القصيدة، بدليل أن مستمعي القصيدة العمودية يستكملون في أحيان عديدة أبيات الشاعر وهو يقولها للمرة الأولى عليهم: كما لو أن أسرار صنع القصيدة خافية، خفية، وهي فيها، في انغلاقها، فما أتيح للشاعر أن يتملاها طويلاً قبل ذلك، إذ كان مشغولاً بها، بل هي التي تشغله فلا يتبينها، وهو لا يتوانى بل يسارع إلى تبنيها.
قلما أكتب الشعر، بل امتنعت عنه سنيناً طوالاً، وقد وجدت فيه ما يحرق أكثر مما يسعد، طالما أنني، حين أضطر لكتابة قصيدة، أو للسعي إليها بالأحرى - وهو ما يحصل في غفلة عني، عن قصدي، أحياناً - أجدني أشبه بسيزيف، الذي يرفع صخرته، حمله الثقيل، متسائلاً في كل مرة: من أين لي أن أرفع الصخرة؟ ومن كلفني بهذه المهمة؟ ولا يخفف من سؤالاتي هذه وغيرها سوى تذكري أنني كتبت في صدر مجموعتي الشعرية الأولى، «فتات البياض»، «إلى شربل: لئلا يصير شاعرا»ً.
هذا يعود إلى كوني رغبت في الشعر، بل حلمت به، من دون أن أدرك سبيلاً إلى إشباع مثل هذه الرغبة، خاصة وأنني فطنت إلى أن الشعر لا يؤتى - بخلاف ما يفعله البعض - مثلما نرتقي في سلك وظيفي. وهذا يعود إلى كوني أتحقق من إمساكي بالقصيدة، من حصولها، بعد كتابتها. فأي ضلال، وأي ضياع أشد من هذا؟
لهذا أنسى القصيدة، أو تنساني، ولا نلتقي إلا لماماً، وغالباً من دون موعد مضروب. كيف أضع النقاط على حروفها، وهي تسبقني إلى مرميات القول الشعري، مثل مطر في سحابة؟ كيف تقولني القصيدة، وأنا أتملى النظر فيها، بحثاً عما يكون وجهي، فيما يتعامل معها القارىء، الأول واقعاً، أي قبلي، على أنها صورة مستقرة وهوية راسخة عني؟ وهي قد تأتي - في غيابي - من دون أن تخلف إشارة عن زيارتها: أهي ورود زياراتها السابقة التي أتلقاها في القصيدة، في مباغتاتها الجميلة لي؟
فالقصيدة خفيفة وعصية، أبدو أمام بواباتها مستعطياً ذليلاً، وعند الخروج منها محارباً مستنفداً، على أنني لا أقوى، بعد ذلك، على هز أي حرف، على التشكيك بأي مبنى. فهي أقوى من أن أمسك بها، أو أن أدل غيري عليها.
مثل هذه الهشاشة عند مباشرة القصيدة، وفي تدافعاتها كذلك، توفر شعراً لا يقوم على الإحاطة بل على التلمس، ولا على إملاء النوايا بل على التعثر والتردد والتخبط في الدنو من إعلان الكلام.
أخشى الشعر كفاية فلا أصبه في دعوة، في ادعاء معنى أكيد، بل تراني أتسرى بحثاً عن الهارب مما يغوي عيوننا ويفلت منا: لحظة مشرقة من الأبدية. ما يسري، ويتلوى، ويختفي، ويتبدد كذلك. وهو العابر الحامل بعض طاقتنا، بعض سيرتنا. وهو طلب التراسل، طلب الشراكة في ما يخصني، في ما يسبقني وأعرضه على أنه مني ولغيري في آن.
تساءلت غير مرة، وهذه المرة أكتب في شكل علني: ما الشكل المناسب لتلاوة القصيدة الحديثة، في مكان عمومي؟ وهل تصلح له أساساً؟ تساءلت بعد أن تنبهت إلى أن القصيدة العمودية تناسب الأمكنة العمومية: تناسبها في وقفة الشاعر، على مرتبة، وفي جلوس الجمهور في مكان أدنى، على أن العلاقة الجغرافية، الطوبوغرافية، ترسم علاقة تحكم، وتبني القصيدة العمودية في مبناها ومعناها وفي شكل الإبلاغ الذي تطلبه مع المتلقي. ذلك أن للقصيدة القديمة شكل نسب مع الخطابة في الأداء، ومع التكلم باسم جماعي في القول نفسه، ومع النزاع الخفي - قديماً - حول الأحقية في التسمية، في تعيين القيم، بين الشاعر، من جهة، وبين الناطق العلوي والحاكم الأرضي، من جهة ثانية.
وقفة قديمة تنعقد أطرافها في »دورة الفصحاء المتأدبين«: دورة تعين ما يستسيغه المتأدبون، ويمسك بميزانها الحاكم، سواء أكان خليفة أو أميراً أو وزيراً؛ دورة تجتمع فيها المبادرات، أو تطمح إلى وسطها العالي، مثل مجلس الخليفة، أو مجلس العلماء، أو المربد وغيرها من دورات انعقاد التنافس والتكريس. هذا يصح في الإنتاج كما في الحكم عليه، أي في عمل النقد...
لم تفارق هذه الدورة الحياة العربية حتى القرن التاسع عشر، إذ نجد أشكالها الأخيرة في مجالس وصالونات، وربما في ديوانيات. هذا ما شد التجربة الإبداعية إلى خارجها، وجعلها معيارية بالتالي، مثل علاقتنا باللغة أساساً، إذ أننا خدمة اللغة، حراسها، لا مجددوها أو مستعملوها. وهي بالتالي لغة مفتونة بإعجازها المتجدد، بفتنتها التي يعجز العاديون، وغير الفصحاء، وغير المتأدبين، عن الإتيان بها.
هذه الوقفة القديمة تغيرت، لأن العلاقة التي تطلبها القصيدة الجديدة، بنفسها وقبل متلقيها، تغيرت هي الأخرى، على الرغم من انتباهي إلى أن بعض الشعر الحديث لا يزال يحتفظ في مبناه ووظائفه ببعض معالم العلاقة القديمة. وهذا يعود إلى أن بعض الشعراء الحديثين يطلبون علاقة مع الكلام، ومع الشعر بالتالي، تقوم على توكيد وإبلاغ في آن، ينزع فيها الشاعر إلى فك النزاع القديم لصالحه: يريد ويعمل على أن يكون هو الأحق في التسمية والتعيين، فيكون الشاعر هو من يملي، والمتلقي هو من ينصاع بمعنى ما إلى تقبل ما يقال.
ومع ذلك أقول إن الشعر الحديث يميل أو يطلب علاقة أخرى، ويؤسس لجمالية مغايرة، تقوم على أن دورة الشعر تتحقق، خارج الدورات الاجتماعية التقليدية، في مسالك وقنوات تقوم على العلاقة الفردية في المقام الأول: هي إقبال القارىء على شراء المجموعة الشعرية، وهي إقباله أيضاً على القراءة الانفرادية - هذه القراءة التي لا تحقق سماعاً للقصيدة، بل تتبعاً لها، وتوقفاً واستعادة، في أي وقت، ما يجعل التلقي عملية »تملكية« بمعنى ما. وهي العملية عينها، التي طلبها الشاعر وبناها، إذ طلب من القصيدة أن لا تسلك سبلاً رصفية، تتابعية، بل أن تكون ملتمة على ما يؤلفها التماماً يتيح بل يتطلب أكثر من قراءة، زمنية من جهة (أي قراءة القصيدة غير مرة، وفي غير وقت)، وقراءة تأويلية متعددة (أي السعي بدلالاتها في غير اتجاه)، من جهة ثانية.
أقبل على القصيدة وإذا بأيدٍ تسبقني إليها، هي البعيدة عني في عاليها: مشتهاة، فيما هي ضجرة على عرشها. ذلك أن بعضهم يكتبون القصيدة على أنها تعلوهم، تسبقهم إلى الجمال؛ فلا تكون سعياً إلى قول، ولا تلمساً في مجهول الحروف. عدا أن غيرهم يظنون أن القصيدة »حصلت« بمجرد أن سبقتها تجربة أو مهدت لها حالة، فيما القصيدة تخويض ليس بَعدُه ما ينبىء عن سابقه.
والشاعر الحديث قد يتقدم خفية، فلا يتصدر الحفل، ولا يركب الكلام ركوب القادر المتحكم، ذلك أنه في ذلك »يسوس« الشعر من باب التحكم، ويسوق الشعر سوقاً مطلوباً وموجهاً، أي زمنياً ومصلحياً بالضرورة.
والشاعر الحديث قد يسعى إلى الشعر مما يسري في دبيب أصابعه، في حسه، وفق علاقة تقيم الشفافية أساساً لصدور الشعر (عن النفس)، أو تسعى إلى استجلاء الكامن، لا إلى إعلان نوايا وطلب تسمية.
أخشى، إذن، من هذا التحكم العالي، المبرم، بالكلمات، إذ أنه يصدر عن أنا متكلمة، لا تضع نفسها، قولها، محل نقد، محل تتبع، ومراجعة وتساؤل، وإنما تعلنه على الملأ، على جمع: أسأل الشعر عن فردانيته، عن كونه يتوجه إلى قارىء، لا إلى جمع، ولا إلى تظاهرة، ولا يعمد إلى تجميع في حشد، وإنما إلى تبالغ في فرديات منعزلة ومتحاورة: تبالغٌ يتحسس الدقيق، واللطيف، والخافي، فلا يتقدم مسبوقاً بجيش من إدعاء وبسلطان تسمية.
من يكتب من؟ أو من يكتب لمن؟ ولماذا أكتب؟
هناك من يجزم بالإجابة عن هذه الأسئلة، طالما أنه هو الذي يدفع الحروف دفعاً مقصوداً فوق سواد الأوراق، وهو الذي ينتهي إلى وضع اسمه مالكاً ثابتاً لها، فيما أجدني أكثر تردداً من هذا، طالما أنني أتبرم أحياناً مما أكتب، وأتساءل ما إذا كنت أعمل »مرتزقاً« عند شخص، أو اسم بالأحرى، هو: شربل داغر.
أتساءل: أيهما أنا؟ وأنا لا أنا. طالما أنني لا أحسن فعل شيء غير هذا، وهو ما خبرته غير مرة، حتى أن إحداهن ضحكت من مرأى أصابعي التي لا تصلح حتى للنقر على الحاسوب.
أتساءل، ذلك أنني لا أجد مبرراً للكتابة، لو طلبت منها ما تعلمته فوق مقاعد الدراسة، وهو أنها شكل من أشكال الاتصال، وهي في ظني - وقد انتهيت إلى مثل هذه القناعة - تعويل على حوار مرجأ، ومع الغائبين غالباً. كيف لا والكتابة تمثل أمامي وفق مقتضى العيارة الفرنسية، التي تسمي بعض الأعمال المرجأة التحقيق مثل رسالة في قنينة مرمية في البحر: قد يلقاها من تتوجه إليه هذه الرسالة فعلاً، وغيره غالباً، وقد لا يعثر عليها أحد، أشبه برذاذ الماء فوق الصخر.
هذا ما أقوله عن الحروف في لحظات قليلة لا تلبث أن تبددها أحوال النشاط والحيوية، بل الهوس، التي تمتلكني فلا أقوى حراكاً، ولا ابتعاداً عنها. ممسوس، أم مملوك، أم منقاد إلى حركية تنقاد إلى ألفاظ وتراكيب فتعبث بها فيما تظن أنها تقلب العوالم المستقرة وتسوس النفوس.
طبعاً أنعمنا على الهوس المرضي هذا أجمل الصفات: كيف لا ونحن الكاتبون من ينعم على الأعمال والحركات هذه ألقابها ونياشينها. هكذا أوجدنا لها جميل الكلمات لكي نهنأ لهذه الأفعال التي لا نحسن تفسيرها عند من يسألنا عنها.
أتساءل طالما أن اليد التي تدفع هذه الحروف إلى الكتاب هي عينها، وربما بحماس أشد، التي ستقبل من جديد على ممارسة هذه الحركات التي أجد نفعاً أكيداً وثابتاً لها، وهو أنها تدفعني في معترك هو المجهول المتبقي في حياة، وأنها تعرضني لما يهددني، مثل من يتقدم صوب خوفه.
القصيدة العربية الحديثة، في عدد كبير من نماذجها، لا تزال مشدودة إلى ماضيها، ولا تبني ما نسميه اليوم بـ«النص»، أي هذا التوليد المبتكر الذي يتعين مرة واحدة كما هو عليه فوق الورقة البيضاء، فلا يحيل أو يذكر بشيء خارجه. هذا ما يتوصل إليه الفنان الحديث في عدد كبير من نماذجه، أي أن تكون اللوحة قوامة على نفسها، على طبيعتها، في ما يؤسسها فيها، وهو «ضرورتها الداخلية»، كما يسميها كاندينسكي. فلقد وجدت في اللوحة واقعاً مادياً، حاصلاً ينبىء عن واقع، ولكن بعد وقت. فاللوحة، ولا سيما التجريدية، تتيح هذا الإقبال المبهم علي مجهول لا يلبث أن يكون مرآتنا، التي لا تعكس وجوهنا في صورة ثابتة بل متحولة، في لحظات تغير ملامحنا في الزمن.
هذا ما يجعلني أقترب أكثر من عالم اللوحة، من عالم البصر. فالشعر عندنا في بعضه امتحان لغوي، بل مدح للغة وإنشاء لها يكاد يكون خفيف الصلة بالحواس. قليلون من شعرائنا يجدون صلات بابن الرومي أو أبي نواس، على سبيل المثال. والحواس، من البصر إلى اللمس وسواها، تكاد لا تكون عتبة الشعر أو باب تناوله، وتبقى في ذلك تابعة للأساس القديم، وهو ما يمثله التأليف من تحد لغوي - الإعجاز بوصفه محل تركيب وزخرفة وتأنق -، ويخفف بالتالي من علاقاته بالمعيش واليومي والتاريخي.
وهو ما يجعلني أنظر إلى اللغة نظرة حسية تبعدني عن سبيلين في ضم الكلام بعضه إلى بعض: سبيل مستقى أو مستمر في تحسين الفصاحة ولكن بلفظ جديد، حيث تبدو اللغة هدفاً في حد ذاتها، مجالاً لتحسين المادة ورونقها، وإبرازاً لمقدرة في الرصف والبناء؛ وسبيل معاد للأول إلا أنه يذهب باللغة ذهاباً متطرفاً، هو الآخر، يجعلها تستقي مفرداتها من التالف واليومي أو السريع الاستهلاك، وفي ذلك تجويف للغة قد يذهب بغالبها، وهو أنها »عالي اللغة« واستعمالها المجدد لها.
ذلك أن الشعر هو الميدان الذي يمتحن فيه الشاعر اللغة: يمتحن فيما يجدد ويغير إمكاناتها في القول والتعبير، طالما أن غيره يستعمل اللغة وحسب ويوظفها في عدة تعبيره ليس إلا. وهذا يعني أن حياة اللغة مستوفاة أو متحققة طالما أن الشاعر يجدد الإقبال عليها بطراوة المبدع، الذي لا يكتفي باستعمال اللغة مثل زينة أو حلية كما في عهود الانحطاط، بل بنحتها وتكثير دلالاتها وتقوية تعبيرها.
تتحدث قصة فرنسية عن «بوسيه الصغير»، الذي يحتفظ بأحجاره في جيبه، ينثرها خلف خطواته لكي يحسن العودة من جديد إلى بيته. الشاعر هو غير بوسيه الصغير، إذ أن قامته هي في الترحال، وزمنه في الشرود، ووصوله في المتاهة. والشاعر هو من يتقدم صوب خوفه، ففي مثل هذه المخاوف يمتحن قدرته على تشكيل إنسانيته من جديد: حيطة بوسيه الصغير ليست حيطة الشاعر، ولا حيطة القارىء كذلك.
ذلك أن القراءة هي حدوث الفتنة، حدوث المتعة، كأن تسافر فلا تتحقق من الحروف ولا من الجمل والمقاطع، بل تبدو سابحاً في أثير من رغبات وانفعالات، فتحيد برأسك إن وقع النص في غابة مكتظة، وتسترد أنفاسك ما أن تستعيد الجملة إيقاعها الهادىء بعد ضرباتها العنيفة.
وهو ما عرفته منذ سن مبكرة حين قادتني خطواتي، بعد شراء أول كتاب من مصروفي الأسبوعي، إلى غرفة في البيت أقفلتها على نفسي، ما أن تتالت دعوات أمي وأختي للحاق بهن على طاولة الأكل. أمسكت يومها بدفتي الكتاب إمساكاً قلما ارتخت قبضتاي عنه حتى أيامي هذه...
إمساكٌ فيه بعض إصراري على الترحال في المعنى، على متعة التخويض في كتابة تنقلني إلى حيث أخشى أو أرغب، فتتكاثر الحياة في ناظري، أو تعرض لي على شاشة مكبرة، أستطيع إيقافها كفيلم بطيء، فأستعيد ما فاتني وأردد الصور التي بهرتني من دون كلل.
إمساكٌ فيه بعض إصراري على أن الحياة قابلة للاستعادة، للتعديل، فلا تكون ضرباً من اللزوم، والضرورة، التي لا قدرة لنا على الفعل فيها، وعلى التأثير، فيما تبدو الحياة في الكتابة سبلاً مفتوحة، محملة بأسفار واحتمالات، قابلة للإرجاء أو التعجيل، للزيادة أو الإيقاف.
إمساكٌ فيه بعض إصراري على أن الحياة قابلة لأن تكون ذات معنى، نصوغها وندبرها، مثل أثر إنساني فريد.
والقراءة في ذلك أشبه بدخول في عالم من دون دخول، أستطيع في أية لحظة الخروج منه، والتزود منه إن رغبت، مثل حياة احتمالية، بل عدة حيوات في آن، لساكن لا يقوى على الحركة في مقعد القراءة.
هذا الساكن المتحرك بين الظنون والحروف، بين الرغبات المؤجلة والمستحقة، الذي يعلق الحياة لساعات طمعاً بتنشيط حياة أخرى، يبدو فيها متعدداً في هيئات جميلة، بشراً في أبهى الحلل وأسمى المواقف وأنبل السلوكات.
(مقدمة «حاطب ليل»).
___
شهوة الغائب عن ملكه
أُقبل عليها في هيئة الخارج منها.
ذلك أنهم ينسبون الإبداع غالباً إلى أفعال جليلة، سامية، فيبدو بعيداً، على منصة عالية، أقرب لأن يقع علينا من أن يصدر عنا. كما يجعلونه لا يتوجه إلينا، بل إلى الخلود في أبعد تقدير؛ أو يتوجه فيه المبدع إلى قرينه في أدنى تقدير. هكذا نغيب من المشهد، باقين في عتمة مقيمة. وفي ذلك يعرِّفون الإبداع انطلاقاً من وجه من وجوهه، أو يعاملون ما يصبو إليه على أنه واقعه الأكيد؛ ويبعدون الإبداع في ذلك عما ينطلق منه، ويقوم عليه، وهو أنه نوع من اللعب، وإن بمواد جليلة أو سامية. فما اللعب هذا؟
ما يخفى علينا، أو لا ننتبه إليه، هو أن المبدع يتسلى فيما يعمل، يلهو فيما يكد. يعبث بالموجودات فيما يفكر فيها. ينأى بالواقع إلى خلافه، إلى تخيل غيره، إلى طرحه في صورة مغايرة. بل يبدو الإبداع لعباً أكيداً في فعله نفسه، في عملياته الإنتاجية، إذ يتلهى التشكيلي بألوانه، والشاعر بمواد اللغة، ويريد هذا وذاك من التلهي فعلاً يتحقق في الممارسة نفسها، قبل التوجه إلى متلق أو قارئ.
هذا ما أقع عليه في صورة أكيدة ومباشرة في ألعاب التمثيل نفسها، على اختلافها، حيث يقدم هذا على أداء دور ليس له في الواقع، بل يضع نفسه في أوضاع مشينة أو مضحكة، لا لشيء غير المتعة والتسلية، وقبل إسداء النصح أو الوعظ أو التوجيه. وهو ما يتبين في أفعال الغناء، على تنوعها، إذ أنها تستدعي وتثير "الطرب"، كما تقول العربية، والذي يعني، حسب أقدم القواميس العربية، "ذهاب الحزن".
وهو ما تفعله ممارسات إبداعية أخرى، أكثر "جدية" من غيرها، مثل الشعر الذي يقوم في فعله الإنتاجي على تناول للكلمات والأوضاع والتراكيب. وهو اختلاف لا بيتعد في اساسه عن تبديل ما هو معمول به، أي عن التلهي به، ووضع الكلمات بما يحمل المباغتة ويثير الدهشة.
هذا ما يمكن التماسه في أفعال أخرى غير الإبداع نفسه، في العاب التسلية الاجتماعية نفسها، التي يقدم عليها هذا وذاك في السهرات والحفلات، حيث يرسم الكلام، سواء أكان في النكات أو في لعبة الأسئلة والأجوبة، حواراً وعلاقات يلتهون بها، لأنها تضعهم في أوضاع مفاجئة، ومسلية ولاهية، وغير مكلفة كذلك.
فالإبداع نوع من اللعب الأكيد، إذ يضعنا أمام احتمالات مغايرة ومفاجئة، عدا انه يولد مفارقات يمكن أن ترينا ما يمكن أن يتبدل، كأن يصبح الغني فقيراً، والحاكم العابس أضحوكة في نظر كثيرين. وهو في ذلك يرينا إمكان عالم آخر، مختلف، من دون كلفة أو جهد أو معاناة. بل يوفر لنا أكثر من ذلك، وهو إمكان التلهي بكل ما أُلزمنا به فوق الأرض من معطيات ومحددات.
لهذا فإن الإبداع الذي يدوم ويبقى في وجداننا، ويستثير فينا ملكة الانفعال الجمالي في كل مرة، هو الإبداع الذي يرتهن إلى مقادير واسعة من اللعب، والذي يعيدنا إلى أوضاع الطفولة اللاهية التي نرى فيها أنفسنا على أهبة بناء الحياة من جديد، في ألعاب نتسلى بها بقدر ما نظهر فيها جديين.
حاسوبي بيتي
أُقبل عليها في صحبة حاسوبي، فيما يتحدث أحدهم عن الأدب بوصفه " وطنه الآخر"، وأقرأ لآخر أن الشعر "حديقته السرية"، وتفيد عبارة ثالثة أن الكاتب ينصرف في الكتابة إلى "برجه العاجي"، ورابع يصرح بأن اللغة "منفاه الذي يستعيد فيه وظنه المفقود"، وغيرهم كثيرون ممن وجدوا في الكتابة عالماً بديلاً عن العالم على أنه منه وفيه.
وهو ما أميل إليه بدوري، على أن حاسوبي هو بيتي الآخر، بعد أن وجدت نفسي، في غير مرة، أنقاد إلى إضاءة شاشته الإلكترونية مثل من يهرب من إعصار مفاجئ، ومن إحباط مقيم. وتكون الكتابة في ذلك تعويضاً عما لا أفوز به في الخارج، في الواقع؛ بل أكون في ذلك أطلب إقامة في عالم متخيل، مخترع، أشبه بتخدير لا يلبث أن يتبدد مفعوله السحري.
إلا أن هذا الشعور ظاهري، لا يفيد عن حقيقته، عن واقعه، عن دوافعه، بعد أن تحققت من أن فعل الكتابة فوق الشاشة المضيئة يتعدى اللجوء، أو التخفي، أو التلطي، بل ينبىء عن عكسه واقعاً. فما تُقْدم عليه الكتابة فوق بياض الرغبة، المفتوح والمتجدد بمجرد الطلب عليه، لا يقوم على الاحتماء في "علبة" الحاسوب وإنما على تفجير احتمالات مخبوءة، وتركيب حالات مستعادة، وتجريب الكتابة بما ينافي جاريها الذي اعتادته وانساقت إليه. أي أن الكتابة تنصب فوق خشبة مرتجلة، وقابلة للتبدل السريع، مسرحية لشخوص قد يتبادلون أدوارهم، فلا يقف هذا أو ذاك فوق الخشبة عينها وقفة الخطيب في حفل، وإنما يتوزعون حواراً هو قيد الجدل والتخاصم والتجدد.
فاللجوء إلى الشاشة البيضاء يعوض طبعاً عن صراخ لا أقوى على فعله في الشارع أحياناً، وعن كلام لا أستطيع قوله في منتدى أو مع سائق إجرة. إلا أنه غير ذلك عند بعضهم الآخر ممن طلبوا منها شيئاً يتعدى أن يكون بدلاٍ عن ضائع. فالاحتماء بين جدران الشاشة الوهمية قد لا يعني تلطياً لقول الممنوع، بل القيام بلعبة أخرى تتعدى المسموح والممنوع. فأي لعبة هذه؟
جرى التعامل مع الكتابة، خاصة في مجتمعات مقموعة ومنساقة إلى السكوت والطاعة، على أنها قول الممنوع، فيما هي غير ذلك إبضاً. فالكتابة تصرح طبعاً وتغيب كذلك. وهي تسمح ولا تسمح. تصادر القول أو تسكت عما يمكن قوله، وعما يجب قوله. وفي ذلك تستجيب الكتابة لبعض دورها، وهي أنها ليست عمياء عما يجري حولها وفيها، إلا أنها لا تكتفي بذلك، إذ أنها في ذلك تكون بدلاً وحسب عن السياسة. وفي ذلك تعمل أحزاب وإيديولوجيات ومعارضات، وتريد من ذلك التعويض عما لا تقوى على فعله فوق ارض الوقائع.
الكتابة هي غير ذلك، إذ أنها تكون في ذلك تبخس دورها. والدليل على ذلك هو أن الكثير من الكتابة هذه يفقد فعاليته بمجرد قوله، بمجرد التلفظ به. وهو ما يمكن الانتباه إليه في عدد كبير من الكتابات التي تقيدت كثيراً بمناسبات، بظروف، بصراعات، من دون أن تتكلم عن الإنسان في إجماله، وهو ما تتطلع إليه الكتابة في تطلعها الأسمى والأبعد.
فالكتابة تنشئ لكلامها بيتاً، بل وجوداً يتعدى الوجود الماثل لهذا وذاك. وهي في ذلك تضطلع بالإنسان، لا ببعضه، ولا بظرفه الضيق. وهي تتكفل به كذلك على أنه احتمال للإنسانية، لا الانقلاب من حال إلى أخرى: تعنى في ذلك بالإنسان، لا بسياسته وحسب، وتنصرف إلى ضيقه الكياني، وترسم ما يمكن أن يكون عليه. فالكتابة شاشة حاسوب، ضوء احتمالي قد يرقى إلى الفعل.
عوليس يعود مختلفاً
أجدني أقرب إلى عوليس مني إلى بينيلوب، في إقبالي على الكتابة، في وفائي لها، وإن إئر غربات متعددة ومتجددة: عوليس يعود إلى زوجته الصابرة، ولكن بعد هجرات وأسفار ومغامرات لن يسلم من تأثراتها وتغيراتها؛ أما بينيلوب فتبقى جالسة أمام نولها، تعمل عليه من دون أن تنتهي من الحياكة. تكرها وتبدأ من جديد... إلى أن يعود عوليس أخيراً، فتضع اللمسة الأخيرة على نولها، وتنهي حوك النسيج بعد سنوات وسنوات. هو يأتي بين الوفاء والتجدد، فيما تأسر، هي، الزمن، وتوقفه عند واقعة بعينها تريدها أن تكون المعنى الوحيد والأكيد لعملها، ولحياتها.
أُقبل على الكتابة إقبال الحبيب على حبيبة واحدة، لا على اثنتين في الوقت عينه. هذا أقل الوفاء، وهذا أعلى الحب من دون شك. ذلك لأنني لا أحسن الانصراف إلى الترجمة وأنا منهمك في كتابة بحث، ولا إلى كتابة في التاريخ الفني وأنا منغمس في تخويض الشعر وتقليبه على معانيه. مثل هذا التعدد يقلق البعض، لا يقلقني، أو ما عاد يقلقني بالأحرى، بعد أن وجدت سبيلاً إلى القبول، إلى الاعتياد عليه، إلى الاعتقاد بأنه نعمة، لا نقمة. إلا أن الأمر لم يخل من مصاعب، ولا يزال، طالما أنني لا أستطيع توجيه كتابتي، ولا سوقها بقدرة ساحرة. عدا أن الكتابة سباحة في ماء، لا تقوم فيها حدود بينة أو أكيدة، فضلاً عن أن وسائل التعبير تلتقي حيث لا نتوقعها. فكيف أوزع نفسي في نفوس كثيرة، وهذه الأنا تسبقني إلى حيث تريد أو تميل بالأحرى!
هذا يعني التعدد في اجتماع الكتابة، في حاصلها، لكنه لا يعنيه في ممارسة الكتابة، في ممارسة نوع منها. إذ أن الانصراف التام هو ما يفعله الكاتب، وهو ما يطلبه، وإن كان لا يحصله في أحيان كثيرة. طالما أن الترجمة، وإن عنت الأمانة في نقلها، تستدعي في عملياتها الكتابية شيئاً من التأليف. وهذا ما يمكن قوله في الشعر نفسه، إذ أن كتابته، حين تنفتح على مصادر وأساليب متنوعة، تجد في هذا التلفت ما يربكها، ما يجعلها تقتصد، باحثة عما يجعلها تسير فوق خيط دقيق، بين النثر والشعر، من دون أن تسلم من ميل إلى هذا على حساب ذاك، وبالعكس.
وأنا في ذلك أقرب إلى عوليس، كما قلت، إذ أنني أعود مثله من هجرات ومغامرات إلى بيتي، إلى كتابتي، على أن لي بيوتاً كثيرة في البيت الواحد، وأنتقل واقعاً من غرفة إلى أخرى. أعود في كل مرة مختلفاً، وإن أبدو بشهوة الغائب عن ملكه. الغائب يعود مختلفاُ، وإن تحركه شهوة الاستعادة، استعادة كما كان عليه، وما سبق له أن توقف عنده، كما لو أنه يستعيده أو يباشره للمرة الأولى.
أعرف، بل أقر بأن في ذلك مقادير كبيرة من الهجرات، من الخيانات، من العودات التائبة أو الفاجرة. وأدرك كذلك أن الرغبات في الكتابة مختلفة، متفاوتة، وإن تؤدي في نهاية المطاف إلى إبقاء الجذوة مشتعلة. فالشعر يبقى بين غيره من هذه الرغبات الشهوة الأبقى، والتي تثير في الجسد وتستنهض قواه الأبعد والأعمق، حيث يتقدم الشاعر فوق خيط دقيق، أقرب إلى "المروبص"، مثلما كتبت ذات يوم، بين الظن والحقيقة.
أجدني أقرب إلى عوليس، وإن كنت أمدح بينيلوب في الظاهر. أقرب إلى نفسي التي أستقصيها في السفر، في الابتعاد، لا في القربى الأليفة التي تخفي أكثر مما تظهر، والتي تراكم أكثر مما تجلو. استقصيها في الشعر الذي يقربني من نفسي، وإذ يواقعني ويخادعني، فأبدو مخاتلاً أكثر مني مصمماً، ومراهناً أكثر مني صادحاً بالأقوال ألأكيدة. هذه المخاتلة يوفرها الشعر وحده، فيبدو في خفته شديد الجدية، وفي لعبه جسيماً، وفي سفره أكثر إقامة في جسد الكائن، في جسد الكون، بوصفه بيت الرغبة.
يدي مبلولة
أُقبل مقتنعاً بما قاله لي صانع تقليدي في فاس، وهو أنه يحتاج دوماً إلى أن تكون يده "مبلولة بالماء"؛ أي أن لا ينفك عن العمل يوماً بعد يوم، مثل طفل مع طينته، أو خباز مع عجينه.
أُقبل من دون دعوة على طاولة الكتابة، على أن لي دعوة "مفتوحة" معها، تسمح لي بالمجيء ساعة أشاء، ولا تني تجدد وليمتها بمجرد أن أنصرف إلى أحد مقاعدها، بل إلى مقعدي الذي يبقى "دافئاً" في انتظاري.
هذا ما أكتبه عن الكتابة. هذا ما أتمناه لي معها. وهو أن تكون في متناولي، في عهدتي، بتصرفي، تصرفِ القادر والواثق والذي يحسن "العفو عند المقدرة". هذا ما أحلم به معها، وهو أن تكون لي أمينة وعلى أهبة، مثل عداء قبل الصفارة الأخيرة. وأن تكون لي معها الخفة التي لبهلوان فوق خيطه الدقيق بين بنايتين شاهقتين وبعيدتين.
هذا ما أكتبه، لا ما أشعر به. ولا شيء يخفف من حدة الفارق هذا، إذ أن ما يربكني يقع في بداية الفعل، لا في وسطه، ولا في نهاية الحبل الواصل بين ريبتي ووصولي. ذلك أن فعل الإقدام نفسه يربكني، فعلَ الإقبال نفسه على هذه المهمة التي لم يكلفني أحد بها، ولم يتعهد لي أحد بأنه سيكون في عداد مستقبليها. وهو فعل تسبقني إليه عوامل التردد والتساؤل والخشية، من دون أن أنعم بما للممثل من عوامل مشجعة، ومقوية بالأحرى: الممثل يروح ويجيء في غرفة الانتظار، إلا أن بين يديه أو على شفاهه ما له أن يقوله، وإن يقوله بتردد وخشية وتلعثم، فضلاً عن أنه ينعم (في المسرح الكلاسيكي) بـ"ملقن"، على مقربة منه، ويسبقه إلى تلفظ حوارات المسرحية.
طبعاً، ذلك أن خروجي إلى الكتابة فعل فردي بامتياز، لا تخفف من مفاعيله "لعبة" مسرحية تسمح بالتلطي والتخفي والازدواج، بل بالتهرب منها عند الضرورة. فعل علني، شفاف، تتنازعني فيه رغبات ورغبات، لي أن أجملها في أنني ارغب في قول أخص ما عندي: فكيف أكون نفسي فيما أنا أتوجه إلى غيري؟ أو بإمكاني صياغة السؤال في صيغة أخرى: كيف أتوجه إلى غيري فيما أطمع في أن أكون لنفسي بالكتابة وفيها؟
أعرف أن عديدين سبقوني إلى ألإجابة عن هذا السؤال بأقوال تفيد عن علاقة الخاص بالعام، والفردي بالاجتماعي، وغير ذلك من ألأجوبة المتحذلقة والفارغة في آن. وهي أجوبة أشيح النظر عنها، ولا أصيخ السمع إليها، طالما أنها لا تتبين حقيقة الاعتمالات التي تصيب الكاتب في الكتابة. اعتمالات تصيبه كما تصيبها، على أن العلاقة بينه وبينها تشبه علاقة الكواليس بخشبة المسرح: الأبواب مفتوحة بينهما، تتبادل الحوار وتناقل الأدوار، فلا تخدم هذه تلك، أو تهيئ لها الخشبة، بل يحدث العكس أيضاً، في لعبة خافية حتى على الكاتب نفسه. ذلك أنه، في هذا كله، ناطق فردي وناقل حوار، متكلم وخشبة، ذات وميدان، صوت ورجع أصداء. لهذا يحلو لي الحديث عن الكتابة بوصفها "لعبة"، بمعنييها اللاهي والجسيم، وفي آن. لعبة يكون فيها الكاتب لاعباً وساحة لعب...
هذا ما أقوله وقد لا يجد فيه كاتبون عديدون صورتهم، أو ما يناسبهم عن الكتابة وعن أنفسهم. هذا كلام يلزمني على الأقل، وأجد فيه مبتغى الكتابة، وسلواي فيها: أن تكون لي ويقرأها غيري. أن أطرحها على نفسي عبر الصفحات لأتبينها، فيما يتنبه غيري إليها على أنها تومئ إليه، وتتوجه إليه وإن بخفر أو بإمالات للكلام وحسب.
كتابة فيها جلبة، وفيها صوتي. أحدهم يسمعها على أنها له وحده، بل قد يتبناها ويتوجه بها إلى غيره على أنها من كلامه المخصوص.
(مقدمة "إعراباً لشكل").
___
إذ أن الهواء يعبث فيه وبؤثثه
ماذا لو أنتقل؟ هل أنتقل حقاً؟
ربما يكون الكلام عن التمشي، عن التجول، عن التفقد، أفضل من الكلام عن الانتقال الذي يعني قطيعة بين مكان وآخر، بين ضفتين.
لا أتحين الفرص في ذلك، وإنما أتنبه، في هذا السبيل الكتابي أو ذاك، إلى جدل الكلام، إلى التباسات وتداخلات وتشابكات تتخللني وتعبرني وتتجول فيَّ بدورها، فلا أغض النظر عنها، وقد أبقيها، في أسوأ الأحوال، في »ملف« آخر.
أتجول أو أتمشى، على أن النظر مختلف بين هذه وتلك. كأن أجلس بدل أن أقف. كأن أتنزه بدل أن أغطس. كأن أقفز أو أطير بدل أن أتفقد مثل نملة مشاهدَ الشكل.
ذلك أن الحدود وهمية، اصطلاحية. وهي كذلك في اعتمالات الكتابة وتبليغاتها. هكذا أروح وأجيء في فضاء، في مدى، أحرص على حدوده مثلما أنتهكها من دون وجل. هذا ما يستعذبه الشعر أكثر من غيره، إذ أن الهواء يعبث فيه ويؤثثه، وتتجاوب فيه أصوات وأصداء، من أنحاء بعيدة، وقريبة، ومختلفة.
المقصود، إذن، شيء مما أقع عليه في التمشي، مما يخرج منه، من المراودة. وليس المقصود قلبَ الألفاظ عن جاريها، ولا المعاني عن معتادها، للناظر إليها قبل قارئها، بل التنقيب: عما يعرض لي فأسقطه أو أتبناه، عما يستقبلني في ما يعود لي ولكن في هيئة مستأجر مؤقت.
هذا العبور، الذي لي فوق دروب، لا ألبث أن أنساه بمجرد حصوله، طالما أنه تمرين غير مسبوق. نبضٌ، أو مَيلٌ، يسري أكثر مما يتمدد، ويجتاز من دون إذن مرور. اختبار تغدو الفسحة بعده معبدة، ربما من دون تصميم أو خريطة، وخصوصاً من دون طريقة استعمال. هناك ضوء يشع، ينير من دون أن يكشف أو يبهر، بعد أن يبارح ألفة ظله.
انهمام، إذن، بما يجري، أي بحيوية. حيث ألتقي بعديدين، خصوصاً بمعارفي، ممن ألفت جلوسهم وركونهم إلى حيث اعتادوا أن يكونوا، وعلى هذه الشاكلة لا تلك. هكذا ألتقيهم في وضع محرج، فأحيد بنظري عنهم.
لا أتوانى، لذلك، عن الطَّرق على البوابة عينها، أي السعي صوب القصيدة نفسها، في نوع من التفقد، ومن الاستراحات أيضاً. هي لا تكون، عند ذلك، سوى التقرب منها. سوى التمتع بها، في لقاءات فجائية وعابرة. سوى هذا اللغز المنشط. سوى هذا التحرش الذي يلتذ، أو يتلاذَذ، بمجرد حصوله. جلسة حميمة على أنها قد تكون لغيرها.
هناك لقصائد تصاميم، خطة ربما، على أن جريانها، أو حصولها، لا يلزمان كاتبها بالضرورة، عدا أن الفعل نفسه يتدبر حلولاً تتهيأ له في المحاولة، في احتمالات التركيب. وهناك لقصائد مساع مسبوقة، لا تتعدى الرغبة فيها، في قيامها، في مراودة الكلام عن نفسه، عما قد أودع فيه وإن لا أتعرف عليه بعد العثور عليه، عما أكتشفه فيه وأخالني صاحب "وديعة مشعة" (كما كتبت). وهي مساع لا تتعدى مساعي التشكيلي إذ يدخل إلى محترفه، فيرمي فوق الحامل التصويري لطخة أو علامة أو شكلاً، ينقاد إليها أو يديرها في هذه الوجهة أو تلك: أشكال تتدبر هيئاتها فوق الحامل، الموضوع في المحترف، والمفضي على حديقة خارجية.
هذا ما انتهيت إليه... ذلك أنني أحتفظ بصور عما كان عليه الشعر في تمارينه الأولى، إذ كنت أخرج من بيت الأهل، في بيروت، حيث لا أقوى على أية خلوة، ولا على التلفظ بما كان يعتمل بي. فيما كان الأمر أيسر في الصيف، في وطى حوب، حيث كنت أقوى على الابتعاد، في الخلاء، تحت الأشجار، على مقربة من النهر... كنت أستحسن المشي في الشارع، فوق بلاطه، لأنني كنت أقوى على توقيع خطوي، كلماتي، في ما يشبه تماريني في فرقتي الكشفية.
أحتفظ من هذه الصور بما كان ملحاً فيها، وهو الإقبال بل الرغبة في التلفظ. فما استبقيت من ذلك الدفقِ إلا عادة قد تكون لها صلة بتلفظ المراهق، وهي أنني لا زلت أنتبه إلى يدي اليمنى تخط في الهواء عبارات عربية، تأتيني أو تسبقني إلى يدي، بعد أن كانت تسبقني إلى صوتي.
ذلك أنني أصبحت أكتب بيدين، بكلتا اليدين، فوق الحاسوب ومعه. في غير مرة انتبهت إلى يديَّ وهما تحيطان به مثل شريكة في رقص. هذا في وقت الخفة... إذ أنني في وقت الشدة، أُقبل عليه مثل رباع قبل رفعِ حمله، متسائلاً: هل أقوى، اليوم، على رفع وزنة جديدة؟
غار صوتي لأسباب متعددة، منها أني لم أوجه الكلام لمن يقف على مقربة مني، وإلا لكنت اكتفيت بالإشارة أو بالكلام المقتضب، والكافي معه. خاصة بعد أن انتبهت، عند قراءة قصائد مختلفة، إلى أنها تخاطب، عبر القارئ، شخصاً بعينه، أو تتوجه إلى حفل، على أنها تُجمع، بعد توافر عدد كاف منها، لإصدار كتاب.
أكتب، فيما يخصني، لقارئ لا وجه له: جالسٌ عمومي في مسرحية، على أن أتوجه إليه من دون أن أعرفه، أو أن أتعرف عليه. وهو ما يفعله ممثل مسرحي، إذ يرتجل في لقطة ما، فيُلقي على أحد المتفرجين بكلامه من دون أن يخاطبه، وربما يخاطبه من دون أن يقصده. وهو ما نقلته إلى تصور آخر، وهو أني أكتب وحسب، على أن من أتوجه إليه - طالما أن القصيدة فعل اجتماعي يصدر عن التداول ويقع فيه - لا يقف أمامي، وإنما أمام أفق للمعنى. ذلك أن أية كتابة، مهما صعبت أو غمضت معانيها ومراميها، تنبني بالمقدار الذي يقف فيه القارئ أمامها، شريكاً لازماً لها، وعلى الرغم من ممانعتها.
لهذا أستحسن الحديث عن "كتابية" القصيدة، بالخلاف مع شفويتها، أو خطابيتها، مثلما كانت عليه. القصيدة الحديثة، على ما أرى، قصيدة للقراءة، لا للسماع، حتى وإن جرى إلقاؤها على جمهور: تفتقد هذه القصيدة، إن أُلقيت، شيئاً كثيراً مما يؤلفها، مما قامت عليه في مبناها، في شكلها الكتابي. عدا أنها تُبطل، بطريقة تركيبها، خيط الزمن، التعاقبي، وهو خيط السماع، بما يقوى عليه السامع من تتبع وتركيز وإدراك. وتُبطله إذ يتمكن القارئ من إيقاف الخيط الزمني، فيستعيد السطر والقصيدة، ويستعيدها ثانية وثالثة غير مبال بالزمن. هذا ما أخذته القصيدة من تقاليد الكتابة، وهذا ما التزمت به منها.
إلا أن أصواتاً تستطيب الغناء سلفاً، وقبل أن تتلفظ بشيء، وفق النوتة، وفق مقامات مُقر بها، أو هي قيد الإقرار بفعل إقبال أعداد عليها. والشاعر في ذلك منشد، مؤد، أكثر منه معبراً عن إيقاعات وإلحاحات تحض النزوعات في جسد المتكلم مثلما تُصعِّدها. هكذا استطاب بعضُ الشعر الإقامةَ في الشكوى، في اللوعة، في الصراخ، خصوصاً في الإنشاد، فغض النظر عن مساع أخرى، ممكنة، للكلام. حتى أن صوت ابن الرومي البعيد، في السخرية، في الوصف اللاهي، وفي غيرها مما يؤلف المتعة الجمالية (لكاتبها قبل أي شخص آخر)، قلما أقع عليه في الشعر، بعده، وحتى اليوم.
ذلك أن للكلام فنوناً وأغراضاً ومقاصد متباينة، مثلما له موازين مختلفة، قد يصح فيها رفعُ الصوت أو إبلاغُه الخفيف في همس ووشوشة. بل يمكن أن أذهب أبعد من ذلك، وهو الحديث عن وجهات متباينة لأي معنى: حيث هي أحياناً مقصودة ومسددة مثل رصاصة إلى هدفها؛ وهي أحياناً أخرى ملتبسة، تتلوى في مشيتها، وقد تختلس النظر إلى معنى وتفكر في غيره، في آن. هكذا أتبين أن المعاني قد تكون متداخلة، حتى أن المعنى الواحد قد يحتمل الشيء وعكسه، بين الجدية والسخرية، بين الوصف والتهكم. حتى أن استعارة واحدة قد تبني قصيدة، وتأخذ المعنى في غير جهة، ومعاً.
أسوق كلاماً عن الوصف تحديداً، إذ أجده قابلاً لأن يعاشر الشعر معاشرة محيية قلما تحققت من أثر كبير لها في الشعر العربي بعد ابن الرومي. وهذا ما أقوله في السرد أيضاً، حيث غاب عن الشعر القديم، فيما خلا التفاتات قليلة أجدها، على الرغم من وحدة البيت البنائية، عند ابن الرومي أيضاً، أو عند خليل مطران في الشعر المتأخر.
ذلك أنني أسعى إلى الانطلاق من العالم دوماً، من محسوسه، من معايناتي فيه، لا من أي مكان آخر. لا تعنيني الفكرة نفسها إن لم تتعين في "مشهدية" (كما قال أحد النقاد عن شعري). أغرف دوماً من هذا العالم اليومي، المحسوس، من مشاهده وصوره وحكاياته وشخوصه... أنا، بهذا المعنى، لست شاعراً تجريدياً أبداً. ولتقريب الفكرة أذكِّر بما كانت تقوله العربية، قبل مئة عام على الأقل، وهو الحديث عن أسلوب "الطبيعة الجامدة" في التصوير، فيما يتم الكلام، في أيامنا هذه، وعن النوع التصويري عينه، عن "الطبيعة الصامتة": أستحسن، بدوري، التعبير الثاني، إذ أن الأول يفيد عن جمود، فيما يفيد الثاني عن سكوت، أي عن حياة جارية، وإن لا يبلغنا صوتها. بل يفيد، على ما أقترح، عن حبس أنفاس، مثلما يُطلب ممن يتم تصويرهم فوتوغرافياً عند التقاط صورة لهم.
ما يعنيني من هذا الشبه (الذي أجريه وأقيمه بين سبيلين مختلفين في ضم الصورة وبنائها) هو التركيز على ما تفعله وتعرضه القصيدة، إذ تحيق بلقطة مادية أو إنسانية من دون أن تُعنى بتجميدها، وإنما ببلوغ حيوية فيها، أو باستثارتها: حيوية ما يعتمل فيها، ما يخفى في حركتها، "الداخلية" إذا جاز القول. حيوية ما يتفاعل ابتداء منها، في الظن، أو التخمين، أو التشهي: ألا تذهب القصيدة حيث لم تذهب الحياة، أو التجربة فيها؟ هذا ما تقوله أبسط دروس علم النفس، فكيف لا تُقْدم القصيدة عليه، بحدسها، ولَعِبِها واجتراحها للشكل الوجودي؟
لا أسعى، إذن، إلى المطابقة في ما أصوره أبداً. فلا الوصف وصفٌ، ولا التمثل محاكاة. هناك في لعبة الشعر ما يفترق دوماً عما يرويه أو يتأمل فيه. الشعر يتصاعد من هذا العالم، إلى متخيله، إلى مساراته الاحتمالية، سواء في سرده، أو في قصصه المحتملة، أو في غيرها. ولو أتأمل جيداً المشهد أو اللقطة في القصيدة فسأجد أن ما يبنيها يتم في صورة مخالفة، لا مطابقة، لما هي عليه خارجها. بل سأجد أن الشعر هو هذا الافتراق، هذا الاحتمال الآخر للوجود، أكاد أقول. لماذا أقول: أكاد أقول؟
لأن الشعر يقع دوماً، وإن افترق، في الوجود، في اللغة، في ملكة القبول الاجتماعية والتاريخية للمعنى، لا خارجها أبدآً.
ها أنا سألت. ها أنا أجبت.
طبعاً، إذ أن للسؤال هيئات مختلفة، قد تتعين في طلبِ استيضاح، أو في استكمال جواب، في التحريض عليه، في استثارته، وفي "بناء" الجواب. لهذا فإن لعبة الأسئلة والأجوبة لعبة حقاً، إذ أنها وهمية في بعضها: لا يكون فيها السؤال سؤالاً بالضرورة، ولا الجواب جواباً. وقد تكون اللعبة هذه - وهو ما أستحسنه - تحريكاً وحسب للكلام، استقصاءً له، يستعين فيها بأساليبه نفسها، بما يستوفي أو يستنفد احتمالات التبصر والتأمل والتحديد.
طبعاً هناك من يتربص في الكلام، من دون أن أتبين فعلاً من أنا منه، ومن هو مني، بخلاف المتنبي الذي كان، من فرط إحساسه بأنويته، يتخيل نفسه واحداً أكيداً، بل منيعاً، تنهال عليه الشرور والمصائب والنوازل من خارجه، ويقوى عليها. وله، اليوم، أحفاد كثيرون، وإن كانت لأنوية بعضهم الجديدة صور وخطابات الهامشي والمتمرد والصعلوك وغيرها. وهي كلها صور مستلة من سجل رومانسي معروف، لا يعدو فيه الشاعر أن يكون - بعيداً عما يقول - ربَّ الكلام، للتسمية كما للتعيين.
لهذا أتحدث عن "متكلم"، عن "متكلمين"، عن أصوات مختلفة على شفتين. أقترب في ذلك من المخرج الذي يتكفل بمسرحية كتبها غيره لغيره، أو من "الكاتب العدل" الذي يُوقِّع ما يُعهد به إليه (كما كتبت). هذا ما يجعل الفضاء محلاً لهبوب، لانتظام، لانعقاد تكالمٍ متعدد ومتباين، بوصفه خشبة مسرحية، على أن الكلام قيد الإتيان، قيد التمرين والتشكيل، قيد الجريان. فلا تكون له وُجهة، بل وجهات؛ وله إمالات، بحيث يتعدد النبر، ويختلف التشديد والتعيين والتلميح بين موضع وآخر؛ وقد يلتقي التغني بالتهكم، والمعاينة بالتأمل، والتفقد بالتشهي، واللهو بالجد، في أصوات الكلام.
(مقدمة "لا تبحث عن معنى لعله يلقاك").
___
مناوراتي حية
كتبت في قصيدة:
"أرمي لفظاً فوق شاشتي المشدودة
على أنني عثرت عليه فوق شاطئ".
وهذا ما فعلتُه، واقعاً لا تخييلاً، إذ رميت – عند إعداد هذه الكلمة - في أعلى الصفحة الإلكترونية عنواناً لما لم أكتبه بعد، وهو بخلاف ما اعتدنا عليه، إذ أن العنوان بأتي في ختام ما نكتب وإن كان مثل العتبة له.
وما لم أشرحه في هذه القصيدة أكتبه هنا، أقوله أمامكم، وهو أنني تعلمت من مصورين عديدين، ولا سيما من المصور اللبناني الراحل شفيق عبود في محترفه الباريسي، كيف أنه كان يقدم، عند مباشرة لوحة جديدة، على رمي لون أو أكثر على الحامل التصويري، ثم لا يلبث أن يتدبر معه ما يجعل الأبيض "عامراً" بالألوان والأشكال والهيئات. وهو ما كنت قد قرأته عن النحات رودان، إذ كان يعمل على الكتلة الصخرية بطريقة تجعل الشكل النحتي ينبثق من الجماد، من داخل جهامته؛ فلا ينحته "من خارج"، إذا جاز القول، بل يعمل بكيفية تستطلع الشكل من غيابه.
هذا ما أفعله، اليوم، وأنا في ذلك أتجنب الحديث صراحة، أو مباشرة عن نفسي، لا للتهرب من الإفصاح، وإنما لأنني أعتقد بأن محادثتي مع مجهول في شارع يخبر عني بالضرورة ويعرضني فوق شاشة مرئية، أكثر من أي إعلان أو دعاية ضاجة. فلما لا أقول، ابتداءً، بأن الكتابة مناورة حية؟
أقولها بنوع من القبول الضمني الذي ينبئ عن الكتابة، عن صلتي بها؛ وبنوع من التحدي، من الإلزام المسلح بأننا نقول أنفسنا بمجرد أن نمسك بالكلام، وإن تحدثنا فيه عن غائب. ذلك أن الكتابة توزيع واصطفاف واستثمار لمجموعة "الضمائر" (كما تسميها العربية)، لا يمكن أن تتعداها ولا أن تنقص عنها. وهو توزيع واصطفاف، كما كتبت للتو، كما في انتظام الجنود قبل مباشرة المعركة، أو المناورات الحية نفسها. وهو توزيع قد يؤدي بالكاتب إلى أن يتكفل بالضمائر كلها، في نوع من الاستثمار، الواعي أو التلقائي، لممكنات الكتابة ومؤدياتها. فبمجرد ما أن أمسك لفظاً، أو أن أرميه فوق شاشة، أرميه مثل فعل، مثل حركة، لها أن تحمل معها مقاصدها، ولها أن تنزل في سياقات، فيكون لها مفاعيل من حيث لا تقصد ربما.
ذلك أنني لو طلبت من الكتابة شيئاً غير التخييل، غير الاستيهام (أي التشهي عبر الكتابة)، لما كنت أقدمت عليها ربما. ولو كان لي أن أقف في جمهور ممسكاً بقصيدتي مثل شاعر عمودي، أو أن أتوجه إليه مثل خطيب، لما كنت انسقت إلى الكتابة بمثل هذه الرغبة التي تتجدد وإن أعمل دوماً على تبديدها وإنفاقها.
ذلك أن الكتابة تحفظ لي شيئاً من لهوي الطفولي القديم، كما حين كنا نمثل ما يمكن أن نكون عليه كباراً. تحفظ لي الكتابة أو توفر لي ما طمعت به صغيراً، وهو أن أسابق الحياة نفسها يإيقاعها الذي كنت أراه بطيئاً. هي التمارين التي للممثل إذ يتنقل من دور الجندي إلى دور القائد أو الشحاذ، وهي المناورة التي للجندي، من دون أن يسقط بعد أول رصاصة. هي تكثير الحياة بمعنى ما، وتجنيد جنود مزيدين لا ينفكون عن الوصول والاصطفاف ببزاتهم الورقية الأنيقة.
هي شهوة الحياة التي لي، في ما يتعدى الحياة نفسها، على أنني مثل عوليس، البطل الإغريقي، أعود مختلفاً وإن لم أنقل سوى أصابعي فوق بياض الورق.
ما أريد قوله هو أن القصيدة، منذ عهدي الأول بالكتابة، انبنت في هيئة خشبة، مثل انتشار قولي، مثل مبان تخيليية للذات المتكلمة، على أنها تتنقل ويتنقل معها القول، فلا يكون واحداً، بل متعدداً. هكذا تتعين القصيدة في وضعيات، أقرب إلى أحوال، ولا تكون بالتالي قصيدة المتكلم الصرف (...).
هذا التعدد، هذا الانتشار في أكثر من موقع، وفي الوقت عينه، قد يفسره دارسُ الشعر على أنه تخلص من إمساك "الأنوية المتضخمة" التي للشعراء بالقصيدة (...). ولهذا الناقد أو ذاك حرية أن يقيم تفسيره وفق القناعات التي يرى ويتحقق منها، إلا أنني – لو سمحت لنفسي بقدر من الاعتراف الذي لا يلزم أحداً سواي، بوصفي قائل القول الذي يرى إلى شربل داغر الكاتب – أجد هذه التعددية المتنقلة في خشبتي الافتراضية التي أقمتها، في صمتي، في طفولتي، في تهويمي بين أخيلة الكلمات والهيئات... هي طريقتي في الهرب، في التملص، في انتهاج سبل سفر متخيلة، من دون أن تكون "مأذونة". هي "مناوراتي الحية" الخافية على قسوة والدي، والتي لا تحميها صلوات والدتي.
هي رغبتي في أن أخرج، في أن أقيم مديداً حيث لم أصل، ولن أصل. هي سفينتي وحصاني ومنطادي، أنا الذي لا يحسن تثبيت مسمار في حائط. أضعت وقتاً طويلاً في الشرود، في الضياع، في البقاء الصامت من دون كلام، هنا وهناك، في تصوير أو تمثيل أنني موجود وأنا لست موجوداً حقاً. مناوراتي بدأت منذ ذلك اليوم الذي وجدت فيه أن "الخيال" في العربية يعني توقع حصول المطر بمجرد رؤية السحاب. كانت للخيال حمولاته الأكيدة، وإن لم تمطر في الصحراء إلا في النادر. إلا أنها أمطرت طويلاً، فكان لها "ماء" الشعر، كما تقول العربية القديمة.
***
طمعت دوماً بأن أكون في أكثر من مكان، وفي الوقت عينه. هذه رغبتي التي نقلتني إلى هنا وهناك، أنا الذي قلت في قصيدة:
"لا يزال الصحن القديم أمامي
أوسع من فمي".
بهذا الجوع القديم أقبلت على أبعد من حاضري بكثير، أبعد بمئات السنوات واللغات والثقافات (...).
هكذا انتهيت إلى القول: هذا بيتي، وله غرف كثيرة فعلاً. هكذا أقيم في ما أؤثث له، عدا أنني أستقبل غيري فيه. هكذا وجدت في الكتابة ما يلبي نهمي وفضولي، سواء في الشعر أو في المعرفة. وأنا لا يكفيني الحديث عن غرف وإنما الحديث خصوصاً عن الممرات الواقعة بينها، وعن النوافذ التي فيها. فهذه الممرات تقيم علاقات وصل وفصل، هي التي بين صنوف الكتابة المختلفة التي أتدبرها. فترجماتي لا تعدو كونها، في بعضها، غرفة خلفية لشعري نفسه، حيث أنني ترجمت لشعراء عرفتهم وأحببتهم، ولشعراء طلبت تملكهم عبر الترجمة. هذا ما يجعل التلصص نوعاً من السكنى الأليفة، إذا جاز القول (...).
ولبيتي كذلك نوافذ عديدة، تفضي إلى خارجه، كما تفضي نافذة فيه إلى غرفتين وفي آن معاً. فأنا حين أقول في قصيدة: "أكتب إذ أرى"، أتلصص كذلك إلى ما أجريه من درس في الغرفة المجاورة.
إلا أنني أستعيد الجملة عينها، وأقولها في صيغة أخرى: أعيش إذ أرى. فعيني لا تزال تسوح، وإن بنظارتين سميكتين؛ فتطارد، وتتعقب، وتتفقد بشيء من اليقظة والافتتان ملامساتي للمحسوسات والكائنات. هي عيني التائقة، المسافرة التي تعلمتْ بهجة الألوان في سيدي بوسعيد، ومهابة الصمت في القيروان، وترى إلى الجبل في قريتي مثل أفق.
هكذا استوقفتني الحدود: حدود وحدود، بين بلدان وأشكال وأنواع وهيئات، بما أثار متعة الخروج لدي، متعة "النطنطة" بين الخطوط والسطور، معولاً على ما لا أتوانى عن قوله: "حيث تُقام الحدود ليس المكان الذي يفصل بيننا، بل المكان الذي يتيح لنا أن نتلامس".
***
أحرجتني هذه الدعوة لأنها تأتي من معارف وأصدقاء استوقفوني، ذات يوم صيفي، في صفاقص للحديث عنها. أحرجتني لأنها تأتي من بلد ربطتني به، بالعديد من أدبائه وفنانيه ودارسيه، غير صلة وصلة. أحرجتني لأنني أتهرب عادة مما دعوني إليه، ومن الحديث عن نفسي، وذلك لغير سبب وسبب. وأنا أدفع دائماً أمامي ما أقوله، أدفع أمامي نصي وكتابي، لا هيئتي ولا اسمي الأدبي. وما أكتبه هو بطاقة تعريفي، وبما يتعدى حكاية الاسم نفسها.
وهناك سبب آخر في هذا كله، أكثر صعوبة في الإبلاغ، في الإيصال، وهو صعوبة الحديث عن النفس. كيف لي أن أتحدث عنها، وهي تتعين في أكثر من مجال كتابي. ألي أنا أن أجد تفسيراً لهذا التنقل الدائم؟ ألي أن أطوع نفسي بما يجعلها قابلة لتفسير "منطقي"، وعلى قدر من الانسجام؟ وماذا إن كنت متعدداً بما لا يتيح اكتمالاً ولا تماماً لصورة عني؟ ألي أن أتغاضى عن بعض ما يؤلفني كتابياً لكي أقدم صورة متآلفة عما أنا عليه؟ أعلي أن أقطع بعض يدي أو كتفي، كما في لقطة هزلية شهيرة، لكي يدخل جسمي في الزي، في بدلتي؟ وماذا عما يجمعني: أهو أكثر مما يوزعني؟ وماذا عما يفرقني: أهو أكثر مما يوحدني؟
هذه الصعوبة مزيدة، إن شئتُ الذهاب أبعد في هذا التحري، في هذا الاستقصاء في مجاهل النفس: أين أنا؟ ومن أنا؟ أأنا في ما أكتبه؟ في ما أقوله؟ في ما أفعله؟ أتساءل، ويمكنني أن أضيف إليها أسئلة أخرى تفيد عن حذري من تحديدات الهوية: أتتعين هذه في ما أقوله عنها؟ في وعيي لها؟ أم تتعين في ما أفعله، في أعمالي وحركاتي وفي ما أكتبه؟ أليست هي في الجريان، في الحصول، أي قيد الحصول؟ ألها صورة وتحديدات ثابتة؟ أهي ما أصرح به أو أكتب عنها؟ أم هي أصح في ما يقوله الغير عنها؟
هذا الحرج هو دفاعي الأخير عن ولع الطفولة؛ لعله التمسك الشديد بأهدابها وهي لا تتوانى عن الذهاب، مع حسرة أيامها هي وغيرها مما عشت من دون أن أذوقه كفاية، ومما لم أعش، مما رأيته يعبر أمامي من دون أن أقوى على اللحاق به، على مرافقته، في بلاد ووضعيات تبقى فيها الرغبة أحياناً إعلاناً مؤجلاً عن الحياة.
لهذا قد يكون كلامي الأول عن أن "الكتابة مناورة حية" تشديد مزيد على ولعي بالحياة، على مناوراتي التي لا تنتهي، على أنني أخرج منها حياً، ولكن بعد أن تركت فوق مسرح المعارك أشلاء أحلامي قبل أوهامي، طالما أن الكتابة خلاص مؤجل وورطة مستعادة.
الكتابة مناوراتي الحية، على أنني ذلك الفارس العربي القديم الذي كانت له مع حصانه "كلمة سر" يخاطبه بها، ولا يعرفها غيره؛ ذلك الفارس الذي افتقد حصانه ذات صباح، فلم يجده، فكان أن استعان بعدد من المعارف للبحث عنه، للحاق به إن أمكن؛ ذلك الفارس الذي كان في إمكانه، لما وصل هو ومعارفه على مسافة بينة من الحصان، أن يناديه بكلمة السر، لكنه لم يقلها له، بل عاد أدراجه، تاركاً حصانه يخب في خلاء المجهول والغامض.
ذلك الحصان هو أنا، على أن الفارس، في حالتي، نسي كلمة السر في قصيدة، وباتت للحصان حرية التجول الحر والحي.
(مفدمة "تلدني كلماتي"، دار محمد علي الحامي، صفاقس، تونس، 2007).