اختار شربل داغر توزيع الديوان، "إعراباً لشكل"، على عناوين كبرى، تنضوي تحتها صغرى هي ما يؤسس تشكل الديوان. افتتحت العناوين الكبرى بعتبات تراثية لكل من: ابن منظور، الجاحظ، الجرجاني وغيرهم. وأما الصغرى فتتكون من جمل تامة وأسماء مفردة. اللافت أن هذه العناوين الصغرى تندرج في عملية القراءة وتلقي النص. إنها جزء من الكتابة، أقول مفتاح البدء والاسترسال في قراءة النص.
من ناحية ثانية يستهل الديوان ببيان كتابي إبداعي موسوم بـ "شهوة الغائب عن ملكه". ويمكن القول بأنه يعمل على توجيه القارئ وفق تحديد مفهوم للكتابة والإبداع. فشربل داغر يذهب لاعتبار الكتابة قاعدة من قواعد اللعب والتسلية الجادة ما دامت مطبوعة بالكد. كل قاعدة كذلك تتسم بالاتساع لارتباطها بالبعد الفني والجمالي.
إن الكتابة الإبداعية تعويض تتحكم فيه فاعلية الشاشة البيضاء، على اعتبار أنها تصريح وتغييب. إنها بديل السياسة رغم وجود تعدد في مظاهرها وليس ممارستها. فهي وليدة السفر حيث كتابة الذات أصلا كتابة للجلبة.
"فالكتابة شاشة حاسوب، ضوء احتمالي قد يرقى إلى الفعل"، "كتابة فيها جلبة وفيها صوتي. أحدهم يسمعها على أنها له وحده، بل قد يتبناها ويتوجه بها إلى غيره على أنها من كلامه المخصوص". فالبيان التوجيهي السابق يفصح عن كون ما سيقرأ "ملفوظ الديوان" يتسم ببعد التجريب، إلى السمة الذاتية في الكتابة والإبداع: "أهو شكل للإعراب عما يلوح أو يلمع النظر من دون شرفة أو حمالة؟".
إن المعنى المنتج في "إعراباً لشكل" - كما سلف - يتحدد في ارتباط الكتابة بالذات. هذه تعمل على الرصد والمتابعة، رصد حالة انكتابها باعتبارها أخرى، وكأن ما ينتج ذاتي ومغاير للذاتي.
كأنه الأنا في مرآة عاكسة ذاتها ("غيري بصفة كوني"). فالتلقي الواهم يعتقد الكتابة تتحقق في / عن آخر، فيما هي تجسد وتجلو الذاتي في النظر إليه كمغاير، كمنفصل عن ذاتيته. إنه الأنا والآخر في الآن نفسه: "أكتب عنه لا بدلاً منه"، "أكتب عني: يؤنبني، لا ينبهني، يقيسني وإن يشاطرني الطاولة عينها يربت على كتفي: "برافو"، إذا أحسن النطق في صف الأنكليزية أكتب عن صيارفة الخبر، عن مرابين ودهاقنة في سوق الصورة، أكتب، لا أرثي "رمبو" لأنه بطل في أي "نهاية" ". على أن الذاتي ينفتح عما يكاد يتممه، يثيره ويفعل فيه إمكانات إنتاج القول الشعري. من ثم تحضر الأسئلة القلقة: أسئلة الكينونة متمثلة في الحياة والموت. فالأخير يستجلى كتفقد وفقدان. وكسيرة لمن كان وانتهى غياباً لا يحيل عليه سوى أثره ورمزه الغائر في امتداد دروب الحياة: "لا يكفي أن تموت، بل أين تموت، وبصحبة من، فالميت هو من يتفقدونه، ويفتقدونه، يتحققون من أن مقعده دافئ بعد رحيله وأن لسيرته شمعة زيت مضاءة: الميت مستقبل عجول في حكم الماضي، لا ينتظر أحداً، ولا يواعد أحد له علامات غائرة في أفاريز أثرية".
من تم فالقصيدة ككتابة كمعنى، كإنتاج ذاتي ليس من وظائفها رثاء النهايات، مادامت كل نهاية بطولة. وإنما القصدية تتحدد في الارتباط بالزمن، حيث تستدعي الذات ماضيها المتجسد في لحظات الطفولة الغائبة التي يعمل على استحضارها لاستكمال واقع الذات. وكي يتحقق ذلك، فالافتراض ينهض بما هو غواية خيالية، على أنقاض واقع قائم: "لا وقت للقصيدة لكي تقتفي آثار من رحلوا، و للدموع أن تجف أيا كانت أيام الحداد"،
"فوق دروب افتراضية تغوي بقدر ما تخيف أكتب لا فوق سطور في صفحة يدي أتقدم إلى غيري المبهم الطفل يتقدم صوبي".
إن شربل داغر في "إعراباً لشكل" يؤسس:
1 : لمفهوم الكتابة الذاتية التي ينظر إليها كمغايرة؛
2 : للكتابة الذهنية في امتدادها الفكري والفلسفي؛
3 : لتجريب إبداعي ذاتي تتحكم فيه ضوابطه؛
4 : تكشف عن مرجعية الشاعر الواسعة.
(الدار البيضاء، 11 نيسان-أبريل 2005).