صدرت في القاهرة، عن "هيئة قصور الثقافة"، مختارات شعرية للشاعر اللبناني شربل داغر، بعنوان "وليمة قمر"، وقدمت لها أستاذة النقد الحديث في جامعة القاهرة الدكتورة مارى تريز عبد المسيح، في سلسلة "آفاق عربية"، التى يرأس تحريرها الكاتب إبراهيم أصلان. وتشتمل المختارات على قصائد منتخبة من مجموعات الشاعر، ابتداء من القصيدة الأولى التي نشرها في العام 1971، ثم في كتبه الشعرية المختلفة: "فتات البياض"، و"رشم"، و"تخت شرقى"، و"حاطب ليل"، و"غيرى بصفة كونى"، و"إعرابا لشكل"، و"لا تبحث عن معنى لعله يلقاك"، و"تلدنى كلماتى"، من دون الأخير منها: "ترانزيت".
وقدمت الناقدة عبد المسيح للمختارات بدراسة تحت عنوان: "وليمة قمر: قراءة الشعر أم أداؤه؟"، وشددت فيها على أن شعر داغر يمثل تجديداً أكيداً للقصيدة العربية، ويختلف عما كانته هذه القصيدة سواء في جيل الرواد أم في جيل السبعينيات، ما يمثل نقلة حاسمة لقصيدة النثر. فالشاعر هو "من أكثر الشعراء إدراكاً بالمرئي وعلاقته بالكتابي"، وينهل في ذلك من خلفية معرفية واسعة. هكذا يمكن لقارىء شعره أن يتعامل معه "عبر آليات قراءة وسائط جمالية أخرى، كقراءة اللوحة الحروفية والزيتية، أو مشاهدة التلفاز والمسرحية، أو الاطلاع على الصورة الضوئية"، إذ هي "كتابة متعدددة الوسائط". وتتوقف الدارسة لفحص اختلافات الشاعر مع سابقيه أو اقرانه، فترى أنه حوَّل الذات في النص الشعري "إلى فضاء للكتابة"، ما جعل القصيدة تسلك "مساراً مغايراً". كما ترصد الدارسة معالم علاقة جديدة، عبر شعر داغر، بين الشاعر والنص والقارىء، ما يتعين في "الخطاب الحواري"، بعد أن جعل داغر "من القصيدة فضاء مرتاداً مثلما المقهى للمؤانسة، أو المسرح للمشاركة". هذا ما يبني ازدواجية متضمنة في عملية الكتابة والقراءة، وفي التداخل بين القراءة والمشاهدة".
ومما قالته الدكتورة عبد المسيح:
"تأسس الشعر العربي قديما على الفحولة حيث تمركزت القصيدة العربية على الأنا سواء تكلم الشاعر العربي بوصفه فاعلا أم مفعولا به. ربما يكون الاختلاف الرئيسي بين الشاعر العربي في الأزمنة القديمة والحديثة هو تبعية الشاعر لمؤسسة ما في الماضي، بحيث كان دائما مفعولا به على الرغم من خطابه الذكوري الذي أوحى بالتفوق، بينما خرج الشاعر عن المؤسساتية في الأزمنة الحديثة، ليكون فاعلا، رافضا التنازل عن أنيته. ومنذ نهايات القرن التاسع عشر - حتى مع ظهور إرهاصات الحداثة في الشعر العربي - تلاءمت تلك النظرة المركزية للأنا والسياق التاريخي آنذاك، حيث اتسمت قصائد الشعراء المجددين بالتفرد إزاء المؤسسات السلطوية، سياسية كانت أم اجتماعية. كان إنماء الذاتية خير دليل على تفعيل الإرادة، وإن لم يع الشعراء الرواد في هذه المرحلة تآلف الرؤية الفردانية في قصائدهم مع الخطاب السياسي السائد الذي دعم مركزية الحاكم، وعمل على انتشار السلطوية في المعاملات كافة.
وقد أدى تغير الأوضاع التاريخية في السبعينات إلى زعزعة الاعتقاد المطلق في الذات الواعية، وانتعشت قصيدة النثر لتضفي على الشعر عنصر الحكي، الذي يعتمد بالأساس على تعدد الأصوات. وإن تعددت الأصوات تكاثرت الرؤى، مما يدحض مركزية الشاعر، ورؤيته المطلقة. ويتجلى لنا ذلك في قصائد شربل داغر التي بدأ نشرها في الصفحات الأدبية بالمجلات الثقافية في السبعينات، حتى ظهرت أولى مجموعاته "فتات البياض" في 1981، لتتوالى بعدها عدة مجموعات شعرية، من بينها: "رشم" (2000)، و"تخت شرقي" (2000)، و"حاطب ليل" (2001)، و"غيري بصفة كوني" (2003)، و"إعرابا لشكل" (2004)، و"لا تبحث عن معنى لعله يلقاك" (2006)، و"تلدني كلماتي" (2007)، والأخيرة في هذا العام: "ترانزيت".
وتمثل المجموعة التي بين يدينا، "وليمة قمر"، مختارات من القصائد التي نشرت في فترات متفاوتة من اشتغال داغر بالشعر، ومع ذلك فهي تبين التواصل في تجربته التي تتجاوز التأريخ الزمني. فما هو لافت للنظر أن القصائد الأخيرة من المختارات ("لماذا ارتجفت في الليل؟"، و"فتات البياض" و"أينعت أزهارنا")، والتي تعود إلى شعره الأول، قد أفرزت الشتلات التي غزلت نسيجه الشعري فيما بعد، وهو فيما يبدو يدرج القصائد التي تنتمي إلى المرحلة الأولى من إبداعه في نهاية المتن حتى يصير تصفح الكتاب مماثلاً لتفحص الآنية العربية الفنية، فأي اتجاه أدرته أتاح إليك مشاهدة أخرى، تنجم عن تنسيق جديد لمفردات الإطار.
وهذه التقنية ليست غريبة على شاعر مولع باللغة وبجماليات الفنون في آن، حيث يعد داغر من أكثر الشعراء إدراكا بالمرئي وعلاقته بالكتابي، حتى أن له أعمالا مشتركة مع بعض التشكيليين من بلدان عربية مختلفة. وتتمثل بعض التجارب الشعرية الفنية المشتركة في مجموعة "شغف" التي أقامها مع الفنان المصري محمد فتحي أبو النجا، و"تواشجات" (2003)، وهي مجموعة من قصائد شربل داغر وأعمال فنية لمجموعة من الفنانين العرب. هذا، إلى جانب كتاباته في مجال الفنون التشكيلية، حيث أن له مؤلفات في الحركات الفنية على مدار العصور ومن مختلف الثقافات كما يتضح من قائمة مؤلفاته، وقد أطلعت على معظمها ، وأجدها دراسات نقدية فاحصة مؤسسة على منهج معرفي، وترجم بعضها إلى لغات أجنبية لأهميتها.
وتفسر لنا الخلفية المعرفية الواسعة التي يمتلكها الشاعر تنوع قصائد المجموعة في طرحها، وتنوع الرؤى للتجارب الذاتية التي اتخذت سمة الجمعية. فنجد أن قصائد "حصى لصبرها..." و"حاطب ليل"، و"وليمة قمر"، و"الشارع"، و"المقهى جريدة" تستند إلى السيرة الذاتية، ولكنها تختلف عن تجارب رواد الحداثة، حيث تتحول الذات في النص الشعري إلى فضاء للكتابة الشعرية:
"يعيدني والدي إلى المدرسة التي خرج منها
من دون أن يتخرج منها،
ويعيدني المعلم إلى حروف
خلَفها أخوتي لي
أو لغيري" ("حاطب ليل").
ومن هذه الجهة، تمثل تلك القصائد التفاعل بين القصيدة العربية القديمة والحديثة، فيما يختص بموضع الذات في القصيدة. فالقصيدة تتمحور حول الذات وتشكيلاتها، فيتضح من الأبيات السابقة والتالية تناول الشاعر للذات وكأنه يمتلكها، فدوره يماثل دور القارئ حيث يعد مشاهدا لتحولاتها:
"اسمي عنوان
لباب يفضي ولا يفضي
تدخل منه وتخرج منه أيضا" ("إعرابا لشكل").
تنشد القصيدة مسارا مغايرا لقصيدة جيل الخمسينات، فسرعان ما تتخذ الذات المتكلمة دور المخرج لنص يؤدي به بعض الأدوار دون احتكار النص، تاركا مكانا شاغرا للقارئ ليشارك في الأداء الشعري باستجابته:
"خشبتان من دون كراس
لعروض من دون مخرجين، لممثلين من دون مؤلفين،
لكوني أنصب شاشة
تتقافز فوقها صور غيري
ما أن أدير ظهري لها" ("الشارع").
لم يأت هذا الشكل الشعري الجديد من فراغ، بل هو نتيجة وعي الشاعر بتفكك ذاتيته: "أسكن في عيني/ في صالة عرضها" ("الشارع")، وكأن القائم بفعل التلقي يغاير القائم بفعل التدوين. هناك استحالة لاكتمال الذات في القصيدة، أو حبسها في جسد:
بيتي جسدي،
جسدي بيتي:
يتعايشان في المناكفة،
أهذا شبه ذاك أم بدله
...
أسكن في خطواتي، لا فيه
في انتحاء زاوية تعرش حول شعري،
في حفرة تفضي على سرداب أتهجى فيه رسوم الغائبين" ("الشارع").
يتمرد المتكلم على وجوب حبسه في مكان، فهو المتحرك دائما الذي يجوب الزوايا ويخترق الحفر، ويبتعد عن ذاته ليتعلم من "خبرات أصابعي، وإيقاع خطوي، ودفق لساني".
وينحصر وعي الشاعر في تعرفه على حاجته إلى نص شعري يتيح له منافذ إلى قارئ يشكله ويتشكل به:
"هذا القارئ غريب
وحيد وقهوته باردة،
يسبقني إلى حيث لم أجلس بعد،
يتقدمني من دون أن أتبعه،
فله عادات في التنكر، في المناورة، تناسب المتسللين عبر الحدود" ("الشارع").
بل أحيانا يلعب المتكلم دور القارئ: "أقرأ لشربل داغر في تعليقه الأسبوعي" ("الشارع").
وإن كان المتكلم قد ابتعد عن ذات الشاعر، فذلك لأنه لم يعد على يقين بامتلاكه للغة مثلما كان من سبقه من الشعراء. فقد أيقن ان اللغة التي يجيدها ما هي سوى: "حروف سبقوني إليها فوصلتني أحجارا مبنية" ("عَبِّرْ قبل أن تَعبُر"). ولأنه مدرك أنه لا يمتلك اللغة فلا يأنس لولائها، واحترافه اللغة لا يعني تمكنه منها، وإن لعب بالكلمات، فهو يدرك أن الكلام قد يفضحه، قد يكشفه أو يواريه:
"يفتح لي الكلام مصيدة
لا قصيدة،
ويُطبق على في ورطة ملتبسة" ("نميمة إلكترونية").
ففي صياغته للكلمات تصوغه اللغة في عملية تبادلية، أدت بدورها إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المتكلم والقارئ، لتغدو التجربة الشعرية عملية تفاعلية، أو كما يصورها في "عتبات":
"ورق الانتظار
مدعوك
وله ألق الكتاب خارج المطبعة
هكذا
يعلونا أو يسبقنا،
فنصبو إليه
وهو بمتناولنا،
مثل رسالة مفتوحة
يجلوها قارئ قبل كاتبها.
ونثرثر طبعا
لطرد أشباح تحوم فوق مقعدينا،
ولبسط كلام مثل خبز أو مخدة
نتقاسمه في وحشة ما يصبح سقفا لنا" ("عتبات").
بحق هناك علاقة تبادلية متواترة ومتوترة لأنها تقاوم الاستكانة إلى حال: "وما أن أرسو/ أبحر/ وما لي بوصلة، ولا تواقيت".
هذا ما أنجزه معظم الشعراء السبعينيين في العالم العربي، وما يميزهم عن جيل الخمسينات الأسبق، المعروف بالجيل الحداثي. يشاركهم داغر في هذا، إلا أن قصائده تتميز بإمكانية استبطان المرئي - عبر وسائطه المتعددة - في الكتابي:
"أرصف صورا فوق شاشتي،
أكواز رمان لمصور،
فاخلط في تماريني
بين طبيعة صامتة ومشهد انطباعي:
أأكتب لكي أرسم؟" ("الشارع").
تدل الأبيات على أن فعل الكتابة مواز للمعالجات الرقمية، أو تغدو الكلمات بمثابة ضربات فرشاة لتشكيل عناصر تكوين لوحة زيتية.
لذا، تهيئ لنا نصوصه الشعرية احتمالية استقراءها عبر آليات قراءة وسائط جمالية أخرى، كقراءة اللوحة الحروفية والزيتية، أو مشاهدة التلفاز والمسرحية، أو الاطلاع على الصورة الضوئية. كما يمكننا التعامل معها مثلما نتعامل مع شاشة الكومبيوتر، فهي كتابة متعددة الوسائط:
"نقوش تلقائية،
ما أن أرمي نظري عليها
تستفيق،
فوق خشبة طافية على زبد
وتباشر يومها على شاشتي" ("الشارع").
بل أحيانا تتطلب مطالعة القصيدة اللجوء إلى الآليات المستخدمة في قراءة الجريدة اليومية أو فنجان القهوة:
"المقهى جريدة ما يأتي للتو،
...
المقهى نوافذ تفضي على شرفات
وقراء يختصمون في سواد فنجان" ("المقهى جريدة").
نخلص من ذلك إلى أن الخطاب الحواري الذي يفترضه النص، والذي يشترك الشاعر والنص والقارئ في نسجه، قد جعل من القصيدة فضاء مرتادا مثلما المقهى للمؤانسة، أو المسرح للمشاركة.
ولهذا تحول فعل القراءة الشعرية الذي كان القراء فيما قبل قد تعودوا مساره الخطي النابع من صوت الشاعر والموجه إلى مستمع سلبي، تحول إلى أداء يتبادل فيه الشاعر وقراؤه الأدوار. وبناء عليه يتغير مفهوم القصيدة بوصفها نوعا أدبيا له خصوصيته التي تعزله عن النصوص الأخرى. صار النص الشعري يستدعي مشاركة القارئ في أدائه مثلما المسرحية التي تنفرط أحداثها كل يوم بشكل جديد اعتمادا على جمهور المشاهدين، فلا يقع العبء على الممثلين وحدهم.
وقصيدة "جثة شهية" هي نص شعري ممسرح يلعب فيه المتكلمون دور الممثلين، وهم يشاركون في الحدث، والمشاركة عينية وليست مجرد تفسير عقلي. والحدث يتأرجح، فهو يبدو أحيانا كلعبة، وأحيانا أخرى كجريمة، وأحيانا كبث تلفزيوني، ليكتشف المتكلمون في النهاية أنهم مشتبكون في خيوط من نسج الكاتب. مسرحة الشعر وتأديته نتاج متوقع في زمن تداخلت فيه الرواية والفيلم، واندمجت فنون الكتابة بتكنولوجيا الرقمنة. لم تعد القصيدة قادرة على إدعاء العزلة، فالشعر بوصفه نوعا أدبيا لم يتواجد بوصفه أصلا يسبق وجود الشاعر، لكنه نتاج للمتغيرات التاريخية التي تشكل اللغة، ويتشكل بها كاتب النص.
ولقد قال شربل داغر، في "عتبات للرحيل... وللوصول أيضا" (2006)، وهو العمل المشترك بين شعره وشعر التونسي سالم اللبان، والذي تكفل بإخراجه المسرحي اللبان نفسه وفرقة "الجسر الصغير"، في كلمة مرتجلة بعد العرض في مدينة المنستير التونسية: "كنت أعرف تمام المعرفة بأن للقصيدة – أي قصيدة – سياقا مسرحيا أكيدا، ومن دون مخرج يديره غير الشاعر نفسه. وكنت أعرف كذلك أن القصيدة يمسك فيها في الغالب "متكلم" أو عدة متكلمين"، وهو ما تقوم عليه أي مسرحية إذ يتبادل الكلام فيها ممثلون يؤدون أدوارا... و لكل قصيدة ما يؤسسها في علاقتها بغيرها... و مع قارئ يقف أمامها مثل شريك ملازم لها." (جريدة "الصباح"، تونس، 27 أبريل 2006).
وحين يتداخل المرئي والكتابي، حين يصبح فعل القراءة نوعا من المشاهدة التي تسمح باستقبال القارئ في النص، وتتيح له أدوارا متبادلة مع كاتبه بوصفه الفعل والفاعل في آن، تغدو القراءة أداء، وتفضي هذه التفاعلات إلى تغير مفهوم الزمن. تجتمع الأزمنة في لحظة الحضور، لحظة انبثاق القصيدة:
"الآن الحياة، هنا
في لهوها الصفيق، في لحنها الخفيف،
في قيام القصيدة بنفسها،
على طرف لساني:
أمده
وإن في الخمسين" ("الشارع").
ينجم تداخل الأزمنة عن الازدواجية المتضمنة في عملية الكتابة والقراءة، وفي التداخل بين القراءة والمشاهدة، والتي تفضي إلى تعدد الأدوار وتبادليتها بين منتجي النص، مما يستحدث لا زمنية الزمن، وتواجد القائم أو القائمين بالأداء في أمكنة متفرقة. هنا يبرز التناقض بين زمنية المتكلم والمؤدي، مما يقوض أي تتابع خطي مفترض. ففي بعض الفقرات/المَشَاهد يحدث انشطار بين المتكلم والمؤدي، فتتكشف لنا تحولات الذات عبر التورية في النص، والتلاعب بالصورة وتبديلات الأداء، وهو تلاعب يفضي إلى إذابة الفواصل بينها.
وإن كانت هناك تورية، ولعب بالكلمات والمشاهد، فذلك ليس من باب اللهو، بل القصد منه إثارة التساؤلات حول المفاهيم المترسبة في الثقافة العربية عن ثبات الهوية – هوية الشاعر صانع اللغة، ورسوخ اللغة – وكأنها نظام أبدي لا يتأثر بالمتغيرات، ويقع خارج التاريخ:
هو أنا، أنا هو: يبقى في جواري،
غيري هو أنا، أنا هو غيري: يبقى في جواري
...
أكتبه، يكتبني، نكتبها: تبقى القصيدة بيتنا الحواري" ("الشارع")
عدم ثبات الهوية لا يعني الانشطار ومن ثم فقدانها، بل تبديلاتها وتعدديتها تعنى احتواء الأنا في الآخر، وتزامن الحضور والغياب، لاحتواء الذات على الجمع، فلا تتكامل الذات إلا بانشطارها، ولا تتحقق الفردية سوى بجمعيتها. تحقق الذات ليس في ثباتها بل في تبدل مواقعها، وتحولاتها المستمرة نشاط ضروري لتكاملها. وهذا التكامل بالانشطار لا يعد نكوصا كليا بالمشروع الحداثي الذي تبناه الرواد، والذي أنبنى على مركزية الذات، إنما ما زال يحمل في طياته التطلع الرومانسي نحو التكامل، والإيمان بالقدرة على لملمة الذات المنشطرة في التواصل مع الجمع.
وفي أحد حواراته يعلق شربل داغر على تأكيد الأنا وتشعبها على شكل أنوات في مجموعته الشعرية "حاطب ليل" – وهو ما قد يسمه بالمركزية مما يتنافى مع التوجه المعاصر في الشعر قائلا: "وإذ يتحدث الأنا فهو الأنت، فهو لا يخاطب غيره وحسب، وإنما يخاطب أيضا طيفه أو صوته أو وجهه المحتمل والمشتهى... لا أسعى من خلال ذلك التخفيف من غلواء الذاتية المستشرية في النص الحديث – والذي يبدو بهذا الفعل بعيدا عن الحداثة نفسها التي تعيين فردية الكائن و"خفته" حسب كونديرا - ، وإنما تعيين الذات نفسها، حيث أنها مبثوثة في غيرها، في خارجها، قبل تحققها، قبل إقدامها على الكلام والتعبير. فالآخر هو ما يسبقني إلي، وهو ما يتحدثني ويتلفظني قبل إقدامي المخصوص على الكلام" (مجلة "الحياة الثقافية"، تونس، العدد 139، 2002).
تؤكد هذه الكلمات على وعي داغر باحتواء الآخر في الأنا، وبصعوبة الفصل بين الفرد والجمع، أو بين الشاعر والقارئ، فهناك تفاعل دائم بينهما، وأداء مشترك في معالجة النص الشعري.
قدم شربل داغر شكلا شعريا مغايرا ينبع من علاقته بالآخر وبموقفه من العالم، حيث يصعب فصل إنتاج اللغة وأدائها بمعزل عن الحس بالمكان والزمان. وفي عالم اليوم يستحيل على الشاعر التسليم بأنه المتكلم، حيث صار الكلام الشعري يقيم فصلا لا بين الشاعر وذاته وحسب، بل بين الشاعر ولغة الكلام – أي اللغة المتداولة. أصبح الشعر الفضاء الذي تغدو فيه الذات الفاعلة للشاعر في اللامكان، لذا فتتشتت وتبددت مثلما تعددت الأمكنة المعاشة ولغة الكلام، لتنقض المزاعم السالفة عن محورية الشاعر في القصيدة، وأحادية اللغة، وثبات المكان.
لا يعني هذا انتفاء الشاعر، بل تغير آليات استخدامه للغة. لا يتكلم الشاعر الآن كما كان سالفا بوصفه الناطق الرسمي، والمرجع الأصلي للكلمة، بل على العكس من ذلك، فهو يعي محاولته لاقتناص اللحظة الراهنة وتعيينها، ويعي أن نصه بات فضاء تتلاحق عليه، وتتصارع فيه، وتتحاور معارفه وتجاربه. يعي الشاعر أن نصه لن يتحقق سوى بإيجاد اللغة التي تناغم ذلك التزاحم، وهو أداء يستدعي التوفيق بين اللغة والذات بوصفها ذاتا تحتوي الفردية والجمعية قادرة على اقتناص اللحظة، مثلما تفيض اللحظة الآنية بحشد من تجارب الزمن الماضي التي تتواتر بين الأمكنة".