بلقاسم بن سعيد : ضوء الكيلاني لعتمة داغر

تمثل تجربة الشاعر اللبنانى شربل داغر الشعرية تجربة فارقة فى مسار الشعر العربى الحديث، لما اختزنته من إضافات نوعية شكلاً ومضموناً، لقدرة صاحبها على الاستفادة من التراكمات الجمالية فى الإبداع العربى والغربي. ويعتبر كتاب الأستاذ الناقد مصطفى الكيلانى: "شربل داغر: الرغبة فى القصيدة" محاولة هامة لتفكيك بنية هذه التجربة، واقتحام مجاهلها، ورصد أهم الإضافات المنجزة، وذلك باستقرائه لإصدارات هذا الشاعر الشعرية الصادرة حتى الآن. وهى على التوالي: "فتات البياض"، "رشم"، "تخت شرقي"، "حاطب الليل"، "إعراباً لشكل"، و"لا تبحث عن معنى لعله يلقاك". فى هذه الإطلالة سنحاول قدر الإمكان رصد إسهامات الناقد واستنتاجاته سعيا منّا إلى إلقاء الضوء لا أكثر على محتويات هذا الكتاب، وإسهامات هذا المنجز النقدى فى إيضاح تجربة شعرية لها مذاقها الخاص.
حَريٌّ بنا القول، فى البداية، إن تجربة شربل داغر الشعرية ليس من السهولة بمكان الخوض فيها لصعوبتها وللمؤثرات والخصائص الفنية التى أنتجها هذا الشاعر، والتى تكاد تكون بعيدة كل البعد عن المتداول. لها خصوصيتها إذ أن الولوج إلى نصه يتطلب مكابدة وجهدا جهيدا لما تزخر به من استثمار لأهم ما جاء فى المنجز الإبداعى الكونى خصوصاً، وأنها تنبثق من ذات متشبعة بتاريخ وإبداعات الفن التشكيلى والإبداع الأدبى قديماً وحديثاً.
ولقد اختار الناقد التوسل بالمنهج التاويلى لمقاربة هذه التجربة دون وثوقية مطلقة. وقد ألمح إلى ذلك فى تصديره لهذا الكتاب حيث قال: "... إلا أن مقاربتنا التاويلية، هنا، حريصة عند الاستفادة بفلسفة التأويل والعمل بقيمة الحوارية، على المؤالفة، قدر الإمكان، بين ذات النص وذات قارئه بمشترك الموضوع الذى هو كتابة تستدعى قراءة، وقراءة تنشئها الكتابة ذاتها، فتستضيء بها وتختلف عنها هذا. وقد ننجز بمقاربتنا بعضاً من وهج القراءة بغية تحقيق التواصل بين الذاتين المتغايرتين القادرتين على التحاور والاختلاف. لذلك ترفض هذه المقاربة إعلان سلطة لها على النص. ولا تدعى أيضاً إنشاء نص على نص، بل هى مجرد اقتراح لفهم ما قد يضيء بعضاً من العتمة، أو يفتح مواطن الضوء المكتشفة على ما هو أبعد فى العتمة، بمساءلة الابتداء والانتهاء الذى هو ابتداء لقراءة/ قراءات قادمة، ومشروع لفهم آخر مختلف" (ص 12).
لقد حاول الناقد إلقاء الضوء على الكتابة الشعرية وخصائصها فى نص الشاعر الصعب المراس، الذى يعتمد على المغايرة ورغبة الانسلاخ على متراكم الشعر فى المدونة العربية، خصوصاً أننا أمام شاعر عميق الثقافة، واسع الآفاق المعرفية، شاسع الرؤية والرؤيا، ما انفك يبحث ويستنبط خصوصيات مبتكرة، إذ يكفى الإشارة هنا إلى أن شربل داغر لا يتفق مع التسميات المتداولة والمعتادة للقصيدة الحديثة المتحررة من الوزن الخليلى كقصيدة النثر، أوالشعر المنثور، بل نحت اسماً آخر لهذا النمط من الكتابة الشعرية، أطلق عليه "القصيدة بالنثر"، والذى يعتبره أدق التسميات والأكثر أمانة فى ترجمة المصطلح الغربى والفرنسى تحديداً.
أبرز الناقد فى سياق رصده لاختراقات الشاعر الفنية فى مجموعته الشعرية "فتات البياض" أسس الكتابة لدى الشاعر حيث أجملها فى قوله: "يتناظم الملفوظ الشعرى فى "فتات البياض" بلغة هى أقرب إلى الإيحاء منه إلى مطابقة الحال، ويستبد الفراغ، العدم، البياض، السلب باستواء المعنى المتداول، وجاهزية الحرف المستعمل ببدء تحويل وجهة الكتابة من التمركز إلى التمدد، ومن التكثيف إلى التبدّد، سعياً إلى كتابة شعر مختلف، مستوحى من الصمت، الوجه الآخر للصوت. إن التفكيك هو سبيل الكتابة إلى تقويض بنية القصيدة التقليدية، كاختراق نواة المعنى المتداول ومنطق اللغة فى توزيع الألفاظ وتجاوزها وفضاء الصفحة الذى يستحيل من تكرار الشكل الواحد عموداً أو سطراً إلى كتابة الاسترسال "التدوير" حيناً، والتشكيل السطرى حيناً، وتغيير وجهة المكتوب حينا آخر، بتنزيل عناوين النصوص فى خواتمها وتجويز القراءة العكسية من أسفل الصفحة إلى أعلاها بتمثل جديد مختلف للتفضية" (ص 18).
إن اشتغال الناقد على تفكيك نص الشاعر لم ينحصر فقط فى الجانب الفنى، بل خاض فى خصوصيات الدلالات التى يكتنزها، مما جعله يتعقب هواجس الشاعر المضمنة فى إنتاجاته الشعرية، باحثاً عن السمات المشتركة التى يستمر حضورها رغم تقدم المراحل العمرية للشاعر وكيفية تجسيدها عبر المتون. لقد اكتشف الناقد القلقَ المستمرَ فى ذات الشاعر المجبولة على الترحال والسفر، والتى تتجلى فى مجاميعه، خصوصاً في مجموعتي: "فتات البياض" و"تخت شرقي". يقول: "إلا أن الفرار من المكان أنشأ فى ذات الكائن رغبة جامحة فى مواصلة الترحال خوفاً من الاستقرار فى موقع بعينه. وكأن الاغتراب فى المكان، لحظة "فتات البياض"، أخلف اغتراباً فى الوجود ضمن "تخت شرقي" استحال به المكان، رغم اتساع أفاقه واختلاف مواطنه، سجناً فظيعاً لا يطمئن إليه الكائن، فيلتجئ إلى السفر كى يفر من المكان، أو يبحث له عن ظعن فى السفر ذاته، عله يدرك بعضاً من النفس التى هى مشروع دائم للحدوث" (ص 21).
هكذا إذن ما فتئ الناقد يتعقب هواجس الشاعر ليكتشف أن رغبة السفر الدائم التى تتوزع بكثافة فى نصوصه تعبر عن بحث مستمر عن الأمان الذى لا يطال مع الأسف الشديد. لذلك يعود الناقد مرّة أخرى، وفى موقع آخر من الكتاب، للتأكيد على الأهمية القصوى التى تحتلها ثيمة السفر، وكأنها مربط الفرس ونقطة الارتكاز فى عالم الشاعر الشعري: "إن الإقامة فى السفر دلالة متكررة فى نصوص شربل داغر الشعرية، تشى بحيرة السبل والأساليب، وقلق الموقع واللحظة معاً. ولأن وعى الزمن أقرب إلى الحال التراجيدية والتكرار واستحالة التمدد والانكشاف، لاتصافه الدائم بالاستدارة نتيجة، والالتفات إلى طفولة الذات والعالم، والالتباس العميق من المشاهد والصور، فإن "السفر" دلالة الفرار الاضطرارى دون التوصل إلى حافة الأمان، كأن تفر الذات المسافرة مجازاً من المكان إلى المكان، لتصطدم بتشابه الأمكنة، عند تمثل سلطة الزمن الدائري، والانحباس المتكرر رغم اختلاف اللحظات والمواقع" (ص 35).
الإمساك بتلابيب المعنى فى نصوص الشاعر يكاد يكون مستحيلاً، إذ تهيمن حالة من الغموض مما يجعل تبين الدلالة عملاً شاقاً حيث إن المعانى عصية على الفهم لكثافة الانزياحات، واشتغال الشاعر الدائب على تكثيف المجازات والاستعارات، مما يحدث ارتباكاً أكيداً لدى المتقبل، لا يجعله يتبيّن المضامين بسهولة وهو أمر طبيعى فى اعتقادنا نظراً لبحث الذات الباثة عن اختراق المتعارف عليه والمستهلك والمعتاد فى مدونة الشعر العربى الحديث، ولهاثها الدائم بحثاً عن التفرد قدر المستطاع. ولقد تفطن الناقد إلى ذلك وأثبت استنتاجاته: "... كذا يمضى الشاعر "حاطب ليل" فى اختراق الكثافة المذهلة بـ"الحفر" و"الحطب" سعياً إلى تبديد البعض من تلك الكثافة، وبهذا المجاز تقارب الكتابة الشعرية الفعل التراجيدي، دون أن تتخذ لها معنى ثابتا بل يتردد امكان المعنى بين فاجعة الاستحالة ونقيض المعنى، ذلك العدم الرافض لأى منطق جاهز وبهذا المنظور تحافظ اللغة الشعرية على منطق بناء الجملة، وتنشد فى الداخل والمتجاور بين مختلف الجمل فى نسق اطراد النص الشعرى أفاقا واسعة للتدليل خارج نظام جاهزية المعنى المتداول.
لذلك يتوغل فعل الكتابة الشعرية فى اللا- منتظر الذى يتأوله البعض على كونه غموضا، وهو فى واقع الكتابة ليس إلا محاولة خروج عن المسطور فى بنية الدال بمزيد الإيغال فى كتابة العدم ومحاولة تأدية الخواء المستفحل لغة وتدليلا ووجودا .فتحرص الذات الشاعرة عند الاستجابة لهذا القصد على توسيع المسافة الفاصلة بين العلامة والدلالة، بغية النفاذ إلى ما وراء "القشرة الظاهرة" حيث اللغة ما وراء والمعنى امكان للمعنى" (ص 48).
ما انفك الناقد يعمل على محاصرة نص الشاعر من كل الجوانب ويستكشف ينابيع الكتابة الشعرية لديه، خصوصا وان هذه النصوص حبلى بتواشج خاصيات فنّ الرسم بالإضافة إلى استفادتها من منجزات التكنولوجيا الحديثة، كالحاسوب مثلاً، وكيفية الاستفادة منها وتوظيفها وصهرها فى بوتقة الإبداع الشعرى لديه. ولا غرابة فى ذلك إذ كما أسلفنا فللشّاعر إطلاع معرفى واسع بفن الرسم بحكم تخصصه فى الجماليات زيادة على إلمامه بآخر المستجدات فى المجال العلمى والتكنولوجى بحكم إحساسه الحاد بافرازات المرحلة الراهنة.
ولقد تفطن الناقد إلى كل هذا فى مقاربته لمجموعة الشاعر "إعراباً لشكل" حيث إن الكتابة هى لعب جاد أو لعب أكيد، كما يصرح الناقد بذلك: "وكما يحد اللعب أى لعب بالحدوث الآنى والاحتمال وبالقانون والصدفة.تبدوكتابة النص الشعرى لدى شربل داغر حركة نفاذ بين علامية الحرف وعلامية اللون،وبما يتعالق بينهما من امكان خاص للتدليل على وجود مفرد.. وإذا الإبداع فى بيان الكتابة، كما يتضح فى النص الافتتاحى للمجموعة."شهوة الغائب عن ملكهِ"ولعب خاص بقوانين تجعله ينظم إلى غيره من الألعاب، ويختلف عنها فى الآن ذاته، بما يجعله لعب ليس كغيره من الألعاب، ففى الرسم كما فى الشعر شمول وانتخاب وانتشار وجدولة، فيض وإنشاء تماما كاللغة واللسان، وكالملفوظ والأداء وكالحجارة والنحت وكبهمة الألوان واللوحة عند التشكل وكالأصوات الطبيعية والمعزوفة الموسيقية" (ص 56).
وإمعاناً من الناقد فى تفكيك تجربة الشاعر من خلال استقرائه لمجموعة "إعراباً لشكل" يواصل البحث فى المؤثرات التى شكلت المناخ الشعرى لدى الشاعر ليتضح له استثمار وانتشاء الذات الشاعرة فى تفاعلها مع حزمة الألوان التى تحدثها شاشة "الماكنتوش"، أو الحاسوب، وعلاقة التنافذ بين الذات المبدعة وهذا الجهاز الاإكترونى العجيب، ليصبح هذا الجهاز "سكنَ" للشاعر، حسب استنتاج الناقد فى زحمة رحلته الوجودية المستمرة فى دياجى العتمة بحثاً عن ضوء ما: "... ولئن اتصف البيت عادة بالدفء ك"الحجر" فى مغالبة البروق والرعود والعواصف وبالضوء الشاحب القادر على وقف العتمة فى الفضاء الخارجي، فان لبيت القصيدة في "إعراباً لشكل" بهرجاً خاصاً، هووليد الألوان المترقرقة فى عالم "الماكنتوش"، تلك الشاشة المزدانة بالأخضر والأصفر والأحمر تحتمى بها الذات الشاعرة من وحشة العالم الخارجي، وتتناسى موتها القادم الذى يتحول بالوعى الكتابى من وشيك إلى مرجأ بدلالة الإمهال الدائم وهما ضروريا للحياة والكتابة، وكما يتلهى الطفل بلعبته كأنّ يداعبها حينا،ويهشمّها حينا آخر برغبة إفناء الغير الذى هوجزء من بقائه المفرد،تخلد الذات الشاعرة إلى "تفاحة" الماكنتوش، تخضع لأسرها الجميل وتذعن لسحر ألوانها المتعددة المتناسلة بسعادة من خبر فنون اللعب ورافق أنواعا شتى من اللعب بطفولة المعاشرة والاستئناس لا الامتلاك السافر أوالفتك العدوانى بها" (ص 60).
بين رغبة الكتابة وكتابة الرغبة، على حد تعبير الناقد، يكشف لنا تأرجح الذات المبدعة ونزوعها المفرط إلى صياغة كينونة فاعلة فى زمن متخشب حيث السعى إلى بلورة إمكانية لوجود الكائن بالتلبس بالكتابة والتعمد بالكلمة لإعطاء معنى للوجود الشخصي، يتبدى لنا ذلك بوضوح فى خلاصة استقراء الناقد لمجموعتي: "إعراباً لشكل" و"لا تبحث عن معنى لعله يلقاك"، حين يقول: "... ولئن اتصفت التجربة فى الدواوين السابقة، برغبة الكتابة فان الحادث كما يظهر فى "اعرابالشكل"و"لا تبحث عن معنى لعله يلقاك" يتسم بكتابة الرغبة.
كأن يستبد بالذات الشاعرة هاجس التموقع الذى يتعاظم بمزيد الحاجة إليه حتى لكأن الظعن فى السفر سالفا يستيقظ فجأة فى اللاحق، وبعد انسيال الزمن بتعاقب الأيام والشهور والأعوام والفصول والليالى والنهارات على وجه آخر جديد للرغبة إذ أدرك بحكمة التجربة المتراكمة أن النص يكتبه الشاعر، والنص يكتب الشاعر بالعفوية حينا، وبالتبعيد المقصود بين الذات الواصفة والذات الموصوفة حينا آخر، وإن بدت الرغبة فى الطور الأول حافزة على الكتابة فهى موضوع للكتابة فى بدء الطور الثانى .هذا الحادث، كأن تبحث الذات الشاعرة لها عن موقع ما يتسع ويعمق فى الداخل بإرادة الرغبة فى التلفظ ومحاولة الكشف عن الظاهر المعلن والمخبإ الدفين معا" (ص 71).
فى كتابة شربل داغر مرتكز أساسى هو الغيرية حيث تفاعل "ألانا" والأخر بغية التواصل وبحثا عن إعطاء معنى فاعل للقول الشعرى. هذا المرتكز الأساسى أنتج بدوره تعدّدا فى الأساليب الفنية التى توخاها الشاعر تجريبا وبحثا عن الأفضل والأجدى فى عمله الإبداعي. وقد تفطن الناقد إلى ذلك بعد إطلاعه الوظيفى على أعمال الشاعر الشعرية منذ مجموعته الشعرية الأولى "فتات البياض" إلى آخر أعماله "لا تبحث عن معنى لعله يلقاك" حيث أثبت أن الغيرية ثابت قائم فى مختلف النصوص أدّى بدوره إلى تعدد أساليب الصياغة لدى الشاعر، "... ونتيجة إقرار الكتابة الداغرية بالـ"غيرية" يتسع مجال النص الشعرى بتعدد الأصوات والنبرات .فلا التزام بصوت واحد على غرار المستعاد التراثى شبه الساكن للقصيدة العربية ولا انحباس فى نموذج أسلوبى وإيقاعى ودلالى جاهز بل هوتجريب الأساليب يحول مجرى النص الشعري، من جاهز الماهية ومطلق القيمة الجمالية إلى المتعدد والمتغير والمختلف إذ بإقرار الصلة بين الذات والغير يكون التعدد الذى هوصفة الذات الجوهرية عند تفكيكها وصفة "الآخر/الآخرين"الكامن فى الذات.
وكلّما غامرنا قراءة بمزيد التفكيك أسفر الجزء عن أجزاء فرعية أخرى كالسائر فى غاب ليليّ تعلمه صدفة الاكتشاف ما يستحيل معرفته بمسبق وهم الدراية، فينتقل من شعاب إلى أخرى دون الوصول إلى موطن بعينه.ولان نواة الذات تقريبية الحد لتعددها البنائى وحضور الغير المتأصل فيها، فان الكلام الذى به تنطق، واللغة، التى عليها تحيل يستدعيان وضعا كتابيا لا يستقر على حال.
ذلك ما يفسر وفرة الأساليب واتساع المجال التناصى بمحصل تراث القصيدة العربية وحداثة "قصيدة النثر" ومدى الانفتاح على مختلف الفنون، وعلى الفن التشكيلى تحديدا والكتابة المسرحية فى تداول كتابى لاحق.وإذا التغير، هنا، صفة وليدة الغيرية أيضا لان الآخر /الآخرين تبنين دائم وإن أحال على بنية واقع تشكل منذ بدء طفولة الاسم، وتراكمت ظلال أحداثه وأطياف تفاصيله فى ذهن الاسم الكاتب.إذ الغيرية هى محصل تجربة بدئية فى تاريخ نشأة الاسم.وهى متراكم التجارب اللاحقة وهى مشروع دائم للتحقق فى بنية الذات وما التغير بهذا المنظور إلا علامة الوجود الذى يتجاوز ذاته باستمرار بدلالة السفر وتدلال العبور من موطن إلى آخر وأداء المتغاير من الأساليب" (ص 93-94).
إن حجر الزاوية فى تجربة الشاعر شربل داغر هو كتابة الرغبة الماثلة فى كل إنتاجاته، أى رغبة الذات فى النفاذ إلى صميم الأشياء تجسيدا لوجود رغبة فى استثمار فضاء القصيدة مسرحا لهواجس الذات فى بحثها الوجودى المضني، رغبة الانفلات من ضيق الزمان والمكان إلى المطلق الرحب. ولذلك نرى خلاصة القول فى هذه التجربة وحصيلة هذه الرحلة الشاقة فى تخوم التجربة الشعرية للشاعر تكمن فى رأى الناقد الجلي: "... كذا الرغبة ماثلة فى كل الأطوار ثابتة حينا متنامية حينا آخر لاعبة ولاعبة جادّة،متشهية حد الأذى مغامرة تتقبل فى السالف وتسعى إلى أحبال الوجود المبهم معنى فى اللاحق، شاهدة على الكارثة،كارثية هى الأخرى،تراجيدية تمارس حقها فى الحركة والفعل بالفيض واستهلاك الطاقة كتابة إبداعية قبل النفاذ. فكيف لنبوءة الشعر أن تؤسس لجديد آخر مختلف للشعر؟ ذلك هوسؤال مستقبل الكتابة فى مسار هذه التجربة التى أنجزت البعض من تاريخها الفردى المختلف وتستعد بأقصى الجهد الكاتب لإنجاز البعض الآخر بالرغبة التى هى محصّل شهوة الكتابة ووعى الكارثة" (ص 97).
فى خاتمة المطاف نقول إن الناقد قد حاول قدر الامكان تقصّى ومتابعة تجربة الشاعر الشعرية وعمل جاهدا على إبراز أهم منجزاته شكلا ومضمونا مما حدا به إلى استغلال كل ما من شانه خدمة رغبته الجامحة فى فض مغاليق شعرية الشاعر وسبر أغوارها إذ أن الهوامش نفسها التى تأتى فى خواتم مقارباته حبلى بالإضافات وتحولت هى نفسها إلى سياقات معرفية تكشف ما خفى من منجزات الشاعر.

عن: Alarab Online 12-5-2008
× كاتب تونسي، الكتاب صدر عن دار "شرقيات للنشر والتوزيع"، مصر عام 2007.