زياد العناني : عن اليتم والقصيدة
وصف الناقد مصطفى الكيلاني في "شربل داغر: الرغبة في القصيدة" الصادر عن "دار شرقيات للنشر والتوزيع"، مسار الكتابة لدى الشاعر اللبناني شربل داغر بأنه اشبه ما يكون "بحكاية, يتحدد بدؤها الاول بدهشة الطفل, التي سرعان ما تثمر رغبة الحلم الرومنسي في احضان طبيعة بدائية, بمعنى الاكتشاف الاول, وكحادثة بدلالة الوعي المختلف".
ويركز الكيلاني على تراكم الخبرة التي احدثت ولادة الشاعر داغر الثانية, مبينا ان "هذه الولادة هي ولادة موجود (étant ) مختلف, رافدة للوجود الطبيعي البدئي, انشأت عالما جديدا, صيغ بالحروف والذكريات والمشاهد المتخيلة, واطياف صور ضاربة في قدم زمن الاحضان الاولى, وخيالات حياة الرضاع حيث بدائية الاسم, الذات, الأنا, الشخص, الشخصية, الجسد الكاتب والمكتوب, بمختلف طاقاته وقواه وابعاده".
ويشير الكيلاني الى بدء الحكاية في تاريخ شربل داغر "الموجود الذي تزامن وبدء الفرار من ذاكرة البدايات واليتم الكارثي الاول "فطام المشيمة, ثم فطام الرضاع" الى طبيعة المكان, ومنها الى زمن الشعر, اضافة الى رهان الكتابة الشعرية, منذ لحظات الوعي الكتابي الاولى, وفي اللاحق, على نقيض الذاكرة باندفاع الطفل الثائر وجودا, المتردد بين التمرد على الآخر "الأم", وبين الحب العميق الجارف لها, وللغة الكتابة, ان المراهنة الجسور على "ما وراء اللغة" و"ذاكرة النسيان": حيث يقول داغر:
"تلدني كلماتي
بما لا يسعه قماطي".
ويوكد الكيلاني ان الكتابة الشعرية, منذ تشكيلاتها الاولى لدى شربل داغر تعتبر فرارا من اللغة الى اللغة, ومن الشعر الى ما وراء العادة, ومن القصيدة الى الشعر, ومن الشعر الى الشعري, هذا الذي به يكون الشعر شعرا, لان الذي حدث قد حدث باسم اللغة, باسم منطق الاجتماع والتداول, وبحكم الفرع الذي حل محل الاصل, والاستثناء الذي تقادم فأضحى "قاعدة" آيلة, هي الاخرى, كغيرها من القواعد والاستثناءات, الى مقبرة العدم الهائلة.
ويزيد "أليس الفطام الاول, ثم الثاني, بهذا المعنى, إعلانا مشتركا ما قبليا للموت المائل في الوجود ذاته, وللهلاك القادم المؤجل?! فالكتابة الشعرية, بهذا المنظور, إحالة دائمة على زمن شبه مطلق, هو مجمل خبرة الذات الشاعرة في الوجود لذلك يتنازع فعل الكتابة قتام الوضعية القديمة والحادثة المضمرة وارادة الامل والحلم بالشعر عند رفض العادة والتكرار, فكان الالتزام بحداثة الشعر, وتحديدا "القصيدة بالنثر".
ويقول الكيلاني "وان بحثنا في معلن الكتابة بظاهر بناء النص, ومنكشف معناه, بدت اللحظة أساسا ومرجعا, كأن تتصيدها الذات الشاعرة, وتستأصلها من لحم الكيان, كي تعمل على تسكينها بدءا ثم شحنها بروح حياة جديدة متوهجة".
ويضيف "وان خضنا ايضا في العالم الجواني, بدا الانتقال من رقيق اللحظة وشفيفها الى كثافة الزمن, هذا النهر العظيم الهادر حيث تتجمع كل الوجودات السالفة والحادثة, المتحققة والممكنة, لذلك يتصف النص الشعري الداغري, عند قراءة مختلف الاعمال, منذ "فتات البياض" "1981" والى "لا تبحث عن معنى لعله يلقاك" "2006"بممارسة "اللعب الجاد", بلغة هانس جورج غادامير (Hans Georg Gadamer ) في تسمية العمل الفني, اذ يكسب اللا - معقول بعضا من المعنى, ويحول الوجود - الكارثة من وطأة جحيم الوضعية الى امكان للأمل, للحلم بالرغبة وارادة الرغبة".
ويعد الكيلاني ان الوجود, في منظور شربل داغر الشعري, وتبعا لمجمل نصوص الكتابة, ليس "عبثا محضا, بل هو العدم يستلزم من الموجود فعلا, ولان هذا العدم, الفراغ, الخواء خضم هائل من الصدفة واللا - منتظر والمجهول. فان الفعل, كما يتحدد بدءا وفي الاثناء بالكتابة, اشبه ما يكون بتخبط اعمى في ليل معتم يستبد بالحالات والوقائع, اذ تبدو كينونة الموجود الشاعر موسومة في كل المواطن والمواقف "بالعمى", واللغة عجزا آخر يشي بعجز اللغة ذاتها, وعجز الموجود ايضا عن تسمية ذلك المعمى الغامض الطيفي, فلا ابانة ولا اغماض بلغة الشعر, ولا ارواء للرغبة ولا انهاء, بل هو فعل الكتابة والموجود يستدعي فعلا آخر, بل افعالا, الى آخر لحظة في عمر الكائن".
ويبين الكيلاني ان الشعر, بهذا السعي الاشكالي الى الابانة والاغماض, "تدرب خاص على التذكر والنسيان معا, وممارسة الموت الذاتي بفضح كارثة الوجود, ومهزلة الهلاك المؤجل الماثل في مغالبة واقع الفناء, وما الشعر ايضا الا انتهاج واع لسبيل الافناء عند ممارسة حرية التماهي مع اقصى حالات تبدد الذات بالشعر, وفي الشعر, ومن اجل "الغيرية" باعتبارها, في الاصل والاساس والمرجع, عشقا ذاتيا منفتحا على الآخر الجاذب حينا, والنابذ احيانا, الحريص على التموقع والمغامرة ايضا في السفر, وبالسفر, عند الفرار من المكان الى المكان, او نشدان اللا - مكان عبر تغاير الامكنة في الظاهر, وتشابهها, او تماثلها بالتداخل في عميق الحال الشاعرة".
ويتساءل الكيلاني أليست الزمانية, في معرض هذه النصوص, ذلك الوجه الآخر للشعر, بدلالة الشعري, وبالمتعدد الفني الذي يتحدد بالقصيدة, ومختلف اجناس القول الادبي وتغاير الفنون?
ويؤكد ان نتيجة السعي الى مقاربة المفتقد القديم "طفولة الاسم", وتجسيد حال الفقدان لما انقضى, ولما لا يمكن ان يستعاد, تمسي الكتابة استعارة اما تنشأ بدءا, لتتولد عنها كل الاستعارات, بحدوث الكتابة ذاتها وامكان القراءة.
ويجزم الكيلاني بأن كتابة الشعر, في منظور شربل داغر آثار دالة على معنى العبور, لا تعني واحدية القصد والاسلوب والاتجاه, وانما هي التعدد اقتضته حال الموجود ووضع الوجود, فلم يختر مسطور السبل, بل ضرب كالاعمى في ليل العتمة, ليطوف في اقاصي الحرف, ويخوض في تلافيف اللون, ويجرب الوان اللغة الممكنة داخل معتاد اللغة, مرورا من الشعر الى الرسم, وعودا اليه, ويخترق المواطن المشتركة والمختلفة بين الفنون واللغات بمحاولة الترجمة, رغم الاقرار المبدئي باستحالة ترجمة الشعر في الواقع الكينوني.
ويشير الكيلاني ان القصد من كتابه هو محاولة البحث في ادق خصوصيات التجربة الشعرية لشربل داغر, بمتعدد ثوابتها ومتحولاتها, لبيان المتكرر والمختلف, لافتا الى استقراء المتراكم من النصوص, والنظر في ما امكن اعتباره علامات ابدال, بما ينمو ويتعاظم ويتفكك ويتبنين, مرارا ومن دون تكرار, في الداخل.
كما يشير الى سعيه القرائي الى تمعين "من معنى" ما لا يتحدد بمعنى جاهز, وتسكين المتحرك, وتوحيد المتعدد, بدافع الرغبة في تسمية اللا - مسمى وتنسيب المطلق وتحديد المنفلت عن ثابت الماهية ومستقرها, شأن كل القراءات, دون استثناء.
ويقول "هي وقفة لازمة في شعر شاعر له صوته المختلف والمجدد في الشعر العربي الحديث, منذ خمس وثلاثين سنة, فاعتبره الشاعر بول شاوول "خارج الاسراب" وتعامل الشاعر محمد علي شمس الدين مع قصيدته على انها "قصيدة ما بعد - حداثية" وهو اهتمام بشعره تعدى نطاق المتابعات والدراسات النقدية والاكاديمية, هنا وهناك, اذ تحلق حول قصائده, فضلا عن ترجمات عديدة لشعره, فنانون وفنانون, في استلهامات تشكيلية ومسرحية لقصائده, من دون ان اغفل طبعا دور داغر النقدي اللافت في درس الشعر الحديث وغيره".
ويتطرق الكيلاني الى المقاربات التأويلية مشيرا الى انها كانت حريصة, "عند الاستفادة بفلسفة التأويل والعمل بقيمة الحوارية, على المؤالفة, قدر الامكان, بين ذات النص وذات قارئه بمشترك الموضوع الذي هو كتابة تستدعي قراءة, وقراءة تنشئها الكتابة ذاتها, فتستضيء بها وتختلف عنها لحتمية التباعد الزمني والكينوني بينهما" لافتا الى ان المقاربات في كتابه "ترفض اعلان سلطة لها على النص, ولا تدعي ايضا انشاء نص على نص, بل هي مجرد اقتراح لفهم ما قد يضيء بعضا من العتمة, او يفتح مواطن الضوء المكتشفة على ما هو ابعد في العتمة, بمساءلة الابتداء والانتهاء الذي هو ابتداء لقراءة/قراءات قادمة ومشروع لفهم آخر مختلف".
(جريدة "الغد"، عَمان، 4-3-2007).