مختارات شعرية خامسة
صدر عن "ميم للنشر" الجزائرية، مع افتتاح معرض الكتاب في الجزائر، كتاب من المختارات الشعرية للشاعر اللبناني شربل داغر، وهو: "لا يصل الكلام، بل يسير" (142 صفحة). وهي المختارت الخامسة له، بعد: "غيري بصفة كوني" (عن "دار شرقيات للنشر والتوزيع"، القاهرة، 2003)، و"عتمات متربصة" (عن دار لارماتان، بالفرنسية، باريس، 2005)، و"تلدني كلماتي" (عن دار محمد على الحامي، صفاقص، 2007)، و"وليمة قمر" (الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2009). تتألف المختارات من إحدى وأربعين قصيدة، بين طويلة وقصيرة، وهي مختارة من مجموعات مختلفة للشاعر: "فتات البياض"، و"رشم"، و"تخت شرقي"، و"حاطب ليل"، و"إعراباً لشكل"، و"لا تبحث عن معنى لعله يلقاك"، و"ترانزيت"، و"القصيدة لمن يشتهيها"، و"على طرف لساني". تتوزع القصائد بين مجالات وموضوعات مختلفة بين السيرة والحب والسياسة والقصيدة والانشغالات في العالم.
"أعتزُّ بصدور هذه المختارات التي تتيح لي التواصل مع فضاء شعري حيوي في الجزائر، ومع شعرائه الذين تجمعني بهم أكثر من صلة، تعود في بداياتها إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي"، يجيب الشاعر عند سؤالنا له عن المختارات الجديدة. تقول القصيدة التي اختير منها عنوان المختارات، وهي بعنوان: "لا يفيد الكلام، بل يميل":
"أقبلتُ على طريق
باتتْ طريقي
ما أن ترامتْ أصابعي
وصففتُ أوراق الشجر
دفتراً لألفتي الغريبة.
دلالتي بين خطواتي،
لا تحت حجر وادع
في الغفلة؛
لا يصل الكلام، بل يسير
ولا يستقيم سطري
قبل مران حواسي".
لدى سؤالنا الشاعر عما يريد قوله من عنوان المختارات، أجاب:
= تعود العبارة إلى قصيدة في مجموعة "حاطب ليل". وهو معنى يفيد عن موقفي من القصيدة خصوصاً، ومن الكلام عموماً. وهو معنى يشير إلى موقف نقدي اقتنعتُ به، وتابعتُه في أكثر من قصيدة. وهو موقف يخفف من نظرية لطالما راجت في الخطاب، وهي أن الكلام يستهدف القارىء استهدافاً محكماً، فيما أعتقد أن الكلام يتوجه إلى قارىء، من دون أن يقصده أحياناً، ويصل إليه وإلى غيره مختلفاً بالضرورة، ما لا يمكن التأكد منه تماماً، ولا حصره، ولا التدقيق في وصوله.
فالكلام إذ يتقدم لا يتقدم مثل "رسالة" يتم بثها، وتصل وفق إرادة مرسِلها، ولا تنتقل تماماً بأمانة إلى متلقيها، كما أرادها مرسلها. الكلام يسبق قائله ويتعداه، كما يبلغ القارىء مثل عدوى، مثل طاقة تقع أبعد مما تصل وإلى من تصل. ذلك أن القارىء ليس واحداً، وإنما هو مجموعة من القراء، المختلفين. وفي ذلك يكون القول أكثر احتراماً لهوية القارىء، لطريقه تذوقه لما يقرأ.
- ينتبه الناقد المتابع إلى أنك، على الرغم من وفرة مجموعاتك الشعرية، لم تصدر عملاً جامعاً، أو "الأعمال الكاملة" لشعرك. لماذا؟
= لطالما انتقدت، ولا سيما في بحوثي، مثل هذا المنحى عند شعراء عرب كثيرين، فيما لم أجده في تجارب شعرية أخرى، فرنسية وغيرها. في باريس، على سبيل المثال، في سلسلة "لابلياد" الذائعة الصيت، يتم نشر الأعمال "الكاملة" بعد وفاة الكاتب، كما يعمل على إصدارها نقاد ومحققون أدبيون مرموقون، ممن يعملون لا على نشرها من جديد، وإنما على تحقيقها ودرسها.
هذا ما عرفناه بدورنا في تقاليد الشعراء العرب القدامى، إذ كان الشعراء يعتنون بها في آخريات حياتهم، أو يقوم بها النقاد والشراح بعد وفاتهم في الغالب، أو كان الشاعر يجمع رواة شعره ويدقق في مدوناتهم قبل أن ينتهي إلى إقرارها في صيغة ختامية. والظريف في الأمر هو أن هذه العادة المتبعة حالياً لا تعدو كونها نوعاً من الدعاية المسبقة، أو من الدعاية الذاتية التي يقوم بها الشاعر لنفسه، خصوصاً وأن عدداً كبيراً من أعمال الشعراء "الكاملة" تصدر بتمويل منهم، كما هو معروف.
في قصيدة بعنوان: "حتى حين نكون صغاراً"، يقول الشاعر:
"حتى حين نكون صغاراً
يحلو لنا أن نتصفح صور الأمس :
نتذكر، ونروي ما حصل لنا فيها...
أما الشاعر فلا يقوى على ذلك، إذ يطلبون منه الدخول إلى قصائده :
يزورها ربما،
لكنه يفشل حتماً في أن يكون دليلاً فيها،
عما انقضى،
مثل انفعال صاعق،
في كونٍ له من رؤوس حروفه جذور...
حين نكون صغاراً
يحلو لنا أن نكبر،
أن نمثِّل أدوارنا،
وهو ما يفعله الشاعر
في طفولات اللغة".