الجمع غير متوقّع وغير بديهي بين "الترجمة" و"مستقبل الثقافة العربية". غير متوقّع، لأنّ الجهات العربية المولجة بالثقافة قلّما تولي الاعتبار لشأن الترجمة، الطرف الأول في هذه العلاقة، فلا تنظم الملتقيات حولها ولا تخصها بالدراسات، حتى أنها تبدو أشبه بـ "الجارية" في خدمة الثقافة العربية.
وهو جمع غير بديهي، لا بل يقوم على شيء من الاستفزاز أو التحدي، إذ أنه يقرن بين "الجارية" والحفاظ على النسل الثقافي، بين الأخذ عن الثقافات الأخرى والمستقبل الذي نريده لأنفسنا، بين الانفتاح والتطور، بين الآخر والأفق، في مشهد ثقافي عربي نكوصي، خائف، رغم هجوميته اللفظية الهدارة.
لهذه الأسباب وغيرها تبدو الترجمة، مثل الجارية مرة أخرى، في وضعية معيبة ولو فاعلة، دونية ولو مؤثرة، مكبوتة ولو ناشطة، أي في وضعية "مشبوهة" ولو مقيمة في مشهدنا الثقافي. وإذا كان الجدل النقدي يتجاذب الحديث حول "الأمانة" و "الخيانة" في ترجمة هذا الأثر الأدبي أو ذاك إلى العربية، فإنّه (أي الجدل النقدي) يتحول في الجدل الإيديولوجي إلى ثنائية قطبية أخرى، بين الأمانة للثقافة، لا بل للأمة العربية، وبين خيانتها: المترجم أشبه بالعميل أو الجاسوس! وقد يسارع البعض إلى تبيّن أثر الشرطة العربية في هذا الخطاب، إلاّ أنه يصدر أيضاً عن مركَّب ثقافي، لا بل إثنولوجي، أغور وأعمق في الذات العربية ولا وعيها، كما يصدر عن طبيعة الترجمة نفسها.
لا يكفي القول أنّ تأسّس الحضارة العربية – الإسلامية قام، في جملة ما قامه، بأثر من اتصال المسلمين بغيرهم من الحضارات، الإفريقية والرومانية والفارسية والهندية وغيرها، ولا القول بأنّ "عصر النهضة" انطلق بدوره مع الترجمة، ذلك أنّ الأقوال هذه، على صحتها وصوابها، لا تحدّد كونها أقرب إلى التبشير، ولو المفيد، على أسماع أناس ما تخلصوا بعد من "الرضة الاستعمارية"، وعواقبها.
فأن تترجم يعني أنّك تقرّ بأنّ "الآخر" متقدّم، متطوّر، أو له ما يقوله في هذا المجال أو ذاك، فكيف إذا كان هذا "الآخر" غاصب الأمس والنافذ المسيطر حتى يومنا هذا! وهو وضع ما عرفناه سابقاً: فعهدنا الأول مع الترجمة، أي منذ المأمون و"بيت الحكمة"، ثم في وضعية القوة والاقتدار، وعهدنا الثاني، أي "عصر النهضة"، في الربوع الزاهرة للاستعمار الأجنبي المقيم في أرضنا. فبلادنا ما أتيح لها، منذ حملة بونابرت وقبلها مع الحملات الصليبية، أن تتعرف على الأجنبي، أن تختاره، بل أرغمت عليه غاصباً، وهو ما يفسر ردودها المتشنّجة.
إلى هذا، فإنّ الترجمة، في نصابها المعرفي نفسه، حالة نزاع قدر ما هي حالة اتصال، حالة بلبلة قدر ما حالة وصل. ذلك أنّ المسار بين الأخذ والتحوير والإيصال يعرّض مقومّات اللغة المستقبِلة قدر ما يعين اللغة الوافدة على أنّها الأولى أو الأصل. فالترجمة تقوم على علاقة بين أصل وصيغة عنه، أي علاقة فيها شيء من عسف السيد بالتابع. وهو ما يعطي النص الذي نقوم بترجمته صفتي "الأول" و"الأصيل"، المطلوبة "أمانته"، وهو نفسه ما يعطي النص مترجماً صفتي: "الثاني" (أو غيره، مثل ترجمة الأثر الأدبي غير مرة ومن غير مترجم وفي غير وقت) و"المقترح الصياغي"، أي المعرض للخيانة!
لهذا فإنّ الإقدام على الترجمة يهدّد ما تقوم عليه أيّ ثقافة، لا العربية وحسب، وهو "أناها المضخمة" أو "نرسيسيتها"، كما أنّ "تلقيح" المحلي بالخارجي يجعلها تعتقد – أو تتوهم بالأحرى – أنّها عاقر. ألم يشبه الألماني هردرد اللغة التي لم تعرف الترجمة بالعذراء؟ وهل كان الشاعر الصديق أدوار مونيك يجيب عليه حينما قال، هو الموريسي الأصل الكاتب بالفرنسية، أنّه "ينوي تلقيح الفرنسية ولو في صورة اصطناعية"؟
الترجمة هي الجارية، إذاً، لا الزوجة الشرعية! هذا ما تتعرض له من سوء معاملة واعتبار، وهذا ما يجعلنا أيضاً وضعها مختلفاً لا بل فريداً. فأن تترجم يعني أنّك قابل لهواء الاختلاف، لتجديد حياة الألفاظ، لمدّها بأسباب جديدة للعيش والنماء، لتلقيحها بأفكار ومفاهيم وصور وأشكال وأساليب لا عهد لها بها.
من هنا فإنّ الترجمة، كإحدى صيغ الخلاسية الثقافية، لا تمثل واقعنا الثقافي الراهن، نحن وغيرنا، وحسب بل تبدو بمثابة المحرض الإيجابي لتجديد نظرتنا إلى الأشياء، لتنويع لغتنا، لتمكيننا من مسائل معرفية وعملية مستحدثة: الترجمة بوصفها دالاً على مستقبل الثقافة العربية.
نتحدّث عن الترجمة، عن ضرورتها، فيما هي فاعلة فينا، لا نتبينها في أعداد الآثار المترجمة وحسب، بل في ما آلت إليه لغتنا من تراكيب ومدلولات. ولهذا فإنّ تبيّن طبيعة الثقافة العربية هو تبيّن الترجمة فيها، أو "التناص"، كما نقول اليوم. فللترجمة صلات قربى، صلات معرفية ونقدية، مع نظرية النص الأدبي، وهو ما سأحاوله في مدى هذه الدراسة، التي اختارت مجلة "شعر" ميداناً لاشتغالها، والشعراء أدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبو شقرا عينات لها، طامعين من ذلك إلى تبيان فعل ترجمة هؤلاء لشعراء فرنسيين على لغتهم الشعرية نفسها، أي تبيان أو استخراج الجارية من الغرف المظلمة إلى رحبة الدار، حيث لها أن تكون، في دار الشعر العربي الحديث.
---

قراءة مجلة "شعر" ممكنة في صورة مزدوجة: عربية وأجنبية، قراءة لشعرها الموضوع بالعربية (وأحياناً بالمحكية اللبنانية، أو الإنكليزية مع صيغتها العربية كما عند جبرا إبراهيم جبرا)، وأخرى للشعر المترجم، الفرنسي والانكلو–سكسوني بخاصة. لا بل نزعم القول – وهو مراد هذه العجالة – إنّ هذه القراءة واحدة للمتنين، وعند بعض الشعراء دون غيرهم، وهم: أدونيس، أنسي الحاج وشوقي أبو شقراء؛ أيّ أنّ قراءة ترجماتهم تقودنا إلى تبيّن سبل "التناص" أو التداخل النصي في أشعارهم. سنكتفي بقراءة تناصية للمتن الشعري المتصل بالفرنسية، ومن دون المتن الشعري المتصل بالثقافة الانكلو–سكسونية (وهي قراءة ممكنة هي الأخرى في أشعار بدر شاكر السياب ويوسف الخال والدكتور هنري القيم في اتصالها بشعر ت. س. اليوت وايديث ستويل، وكان الباحث علي البطل قد تطرق إلى جانب منها في أطروحة جامعية، أو محمد شاهين في كتابه: "اليوت وأثره على عبد الصبور والسياب").
فقبل "شعر" قلما خصت مجلة أدبية أو شعرية عربية مثل هذا العدد من صفحاتها لترجمة الشعر، فلا يصدر عدد منها، منذ أعدادها الأولى، إلا ويأتي حافلاً بالترجمة، ولشعراء غير مشهورين بالضرورة. لا بل تنفرد المجلة في العدد 16 بنشر قصائد جديدة لشعراء فرنسيين وانكليز: ايف بونفوا، لوي مكنيس، فيليب لاركن، اليزابيت جننفز ومن. مرون. وفي غير عدد من أعدادها يكتب يوسف الخال، رئيس التحرير، عن ضرورة الترجمة: "من أهداف هذه المجلة نقل ما أمكن من التجارب الشعرية الحديثة أو التي بدأ بها خط الشعر الحديث، وهو هدف نؤمن بضرورته، على رغم صعوبة الترجمة، بل استحالتها أو فشلها أحياناً (...). فليس كالترجمة من الآداب الأخرى حافز على التجديد والإبداع" (من افتتاحية العدد العاشر). اعتبار إبداعي، إذاً، للترجمة حتى أنّ المجلة تأخرت عن إصدار عددها الرابع بسبب "الوقت الذي طال على أدونيس في ترجمة قصيدة "ضيقة هي المراكب". فقد كان عملاً أشقّ ممّا كان يتحسب" (من "أخبار" المجلة).
لن نتوقف في هذه العجالة عند "فنية" هذه الترجمات، سيما وقد سبقنا إلى ذلك غير نافذ فيما يتعلّق بترجمة أدونيس لسان–جون برس، بل سنتناول حصراً طبيعة الترجمات و"حوارها" مع الشعراء– المترجِمين. أيّ أنّ مطلوبنا مزدوج، ويهدف إلى تبيّن ما نسميه بـ"النص الضمني" في النص الصريح"، أيّ ما تتضمّنه القصائد المنشورة من نصوص أخرى (فرنسية، هنا) في حوار معها، سواء اتّخذ هذا الحوار شكل الانجذاب والقبول أو شكل النبذ والنقض.
لنبدأ بأدونيس: رغم درايته الأولية والبسيطة بالفرنسية، سواء في سوريا أو بعد انتقاله إلى لبنان، على ما قال في غير حديث ومقالة، أقبل أدونيس على ترجمة الشعر الفرنسي، فترجم لسان–جون برس وإيف بونغوا وبول كلوديل، مصاحبا ذلك بعدة دراسات تعريفية ونقدية. أقبل على الترجمة بعدة بسيطة، ولكن بنهم فائق، حتى أنّ الترجمة عنده تبدو مثل المكابدة أو المواجهة، ولو كانت جميلة وتقوده إلى غمار أساليب ودلالات جديدة. ومهما قيل عن "ضعف" ترجماته هذه (وهو ضعف ناتج، على ما بدا لنا، من قلة معرفته بتاريخ اللغة الفرنسية، أي تاريخ حمولاتها ومدلولاتها)، فإنّها تشعّ بشاعرية عالية قلّما بلغتها الترجمات الأخرى "الأمينة" و "الدقيقة". باطلاع أدونيس على شعر تمكن من ولوج فضاءات جديدة، لا بل مكنته هذه القراءة، وفعل نقلها إلى العربية، من إنتاج لغة "جديدة" في العربية، وفي لغة أدونيس نفسها. قراءته، لا بل ترجمته لسان–جون برس، كانت بمثابة "الكاشف" لشعرية جديدة عند أدونيس، وهي اللازمة له رغم تنويعاتها وتحولاتها وإضافتها اللاحقة.
إنّ قراءة أعداد مجلة "شعر" هي التي تمكّننا وتفيدنا في تبين هذا المسار "التناصي"، أكثر من الأعمال الشعرية "الكاملة" في بعض الأحيان. ففي أعماله الكاملة (دار العودة) يبدل أدونيس تسلسل القصائد الزمني والطباعي، فيضع قصيدة "البعث والرماد" قبل "مرثية الأيام الحاضرة" (وكان نشرها في "شعر" بعنوان آخر: "سمعته وفمه حجارة")، فيما تفيدنا المجلة العكس. إلاّ أنّ لجوء أدونيس إلى هذا التبديل له معناه، وهو أنّ القصيدة الثانية تمثّل في تجربته شكلاً "أرقى" ممّا هي في "البعث والرماد"؛ أيّ أنّه أعاد ترتيب القصائد بحيث تفيد سجلا بيانياً تطورياً. غير أنّ العودة إلى قصائد هذه الفترة، وفي "شعر" نفسها، تمكننا من مقاربة "استراتيجية الكتابة" عند أدونيس، وهي، على ما بدت لنا، استراتيجية تعايش وتقاطع مع سابق تجربته، وتمكننا من تعيين دور ترجمته لسان–جون برس في طلب القطيعة هذه.
لتمكين القارئ من متابعة تفسيرنا نورد تاريخ صدور عدد من قصائد وكتابات أدونيس منذ العدد الثاني حتى العدد الرابع عشر، وهي: "سمعته وفمه حجارة" (عدد 2)، و"البعث والرماد" (عدد 3)، و"ضيقة هي المراكب" (ترجمة سان-جون برس) (عدد 4)، و"نوح الجديد" (عدد6)، و"أرواد..." (عدد 10)، و"محاولة في تعريف الشعر الحديث" (عدد 11)، و"مرثية القرن الأول" (عدد 14). لا نجد كبير صعوبة في تبيّن قطيعة أولى بين ما كتبه أدونيس قبل حلوله في بيروت ونشر نتاجه في "شعر" وبين سابق تجربته في سوريا، وهي قطيعة جلية إذا ما عدنا إلى مجموع ديوانه "أوراق في الريح"، الذي يشكّل سجل الاستمرار والانقطاع في آنٍ.
هي القطيعة الأولى، لا بل "الهجرة" الأولى. إلاّ أنّ هناك قطيعة أقوى وهجرة أشدّ في قصائد "شعر" المذكورة أعلاه، بين "البعث والرماد" و"نوح الجديد" من ناحية، والقصائد الأخرى من ناحية ثانية. ولتبيان هذه القطيعة نسوق ما كتبه بدر شاكر السياب في إحدى رسائله: "كانت قصيدتك ("مرثية القرن الأول") رائعة بما احتوته من صور، لا أكثر. ولكن هل غاية الشاعر أن يُري قراءه أنّه قادر على الإتيان بمئات الصور؟ أين هذه القصيدة من "البعث والرماد"، تلك القصيدة العظيمة التي ترى فيها الفكرة وهي تنمو وتتطوّر، والتي لا تستطيع أن تحذف منها مقطعاً دون أن تفقد القصيدة معناها، أمّا قصيدتك الأخيرة، فلو لم تبقّ منها سوى مقطع واحد، لما أحسست بنقص فيها. ليس هناك من نموّ للمعنى وتطوّر له. ما زلت، أيها الصديق، متأثراً بالشعر الفرنسي الحديث أكثر من تأثرك بالشعر الإنكليزي الحديث، هذا الشعر العظيم – شعر ايليوت وستويل وتوماس وأودن وسواهم".
السياب يشير إلى هذه القطيعة، إذاً، حتى أنّه يفسرها تقنياً (الإيغال في التصوير على حساب الفكرة) وتناصياً أيضاً (إذ ينسبها إلى اتصال أدونيس بالشعر الفرنسي الحديث دون الإنكليزي). ما نريد قوله هو أنّ أدونيس تردد بين طريقتي "التأثر" فكتب وفقهما، ثم ما لبث أن انقطع عن الطريق "التموزية" لصالح الطريقة الأخرى. وهو انقطاع أدّت فيه ترجمة أدونيس لسان-جون برس (واطلاعه عموماً على الحداثة الفرنسية وكتاب سوزان برنار) دور المحرض الإيجابي. وهذه هي القطيعة الثانية، أو الهجرة الثانية، في مدى سنتين ونصف السنة.
يعين أدونيس قصيدة "أرواد يا أميرة الوهم" على أنّها "بداية" ما في تجربته الشعرية، أيّ قطيعة، إلاّ أنّنا نختلف معه في هذا الأمر (وقد جعل من الانتقال من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر مؤشر البداية والقطيعة)، واجدين في قصيدة "سمعته وفمه حجارة" إشارة البداية، ثم في "وحده اليأس" البداية الأكيدة والحاسمة.
يورد أدونيس في أعماله الكاملة، بعد قصيدة "مرثية الأيام الحاضرة" (وهي قصيدة "وحده اليأس" بعد حذف شديد وتعديل عليها ولكن بعنوان مختلف كما أشرنا أعلاه)، جملة لا نعثر عليها عند نشره القصيدة في "شعر"، وهي جملة فائقة القيمة: "الجمل الواردة في هذه القصيدة بين هلالين، مقتبسة من سان-جون برس". إلا أن الأمر لا يقتصر على إيراد جمل وحسب، بل يتعداه ليشمل العملية الشعرية نفسها. لنقرأ بعضا ممّا قاله أدونيس عن سان-جون برس في تقديمه له في العدد الرابع. تستوقفنا في هذه القراءة علامات وأمور تفيدنا في فهم أدونيس للشاعر الفرنسي، أي في كيفية تلقّيه له، إلاّ أنّها علامات دالّة أيضاً على ما ستصبح عليه أشعار أدونيس بعد هذه القراءة. فنرى أدونيس يتبيّن "استخدامات" معينة في أسلوب برس، منها: "تغيير الشخص في الحوار الواحد نفسه"، "حروف العطف والوصل في مطلع قصيدة أو مطلع مقاطعها" وغيرها أيضاً. إنّ قراءة متأنية لقصيدة "أرواد..." و"مرثية القرن الأول" تكشف لنا استخدام أدونيس لها ولأول مرة.
ليس بمقدورنا في هذه العجالة إجراء مقاربة تناصية تفصيلية، ولهذا سنكتفي بإيراد بعض الأمثلة وحسب. لنقرأ المقطع الأول من "أرواد..." (كما ورد في "شعر"، لا في الأعمال "الكاملة"): "الشعر يحرق أوراقه القديمة، يجلد نسله المنهزم، والقصيدة الآتية بلاد من الرفض – آه يا بكارة الكلمة؛ وتلبس القصيدة الآتية أهداب الطفولة، وتبكي، وتخشع لألوهة الثدي". نجد في هذا المقطع كما في غيره في هذه القصيدة الانتقال من صوت إلى آخر، ومن السرد إلى النداء، ضمن الجملة الواحدة، "ممّا يحيي القصيدة (حسبما قال أدونيس عن برس)، ويغير الصوت والبعد، وأحياناً الإيقاع والسرعة". لا نجد الانتقال هذا يتحكم بالقصيدة وحسب، بل يبدو مفتعلاً وتعسفياً في بعض المواضع. كما نجد الانتقال هذا يتحقق ضمن الصوت الواحد، إذ يبدل ضمن الجملة الواحدة الشخص أو القضية المعنية بخطاب الذات المتكلمة. ويعمد أدونيس في القصائد المذكورة إلى اعتماد ما وجده من استخدام برس لحروف العطف والوصل في مطلع القصيدة أو مطلع مقاطعها، فنجده في "أرواد..."، يبدأ المقطع الثاني على هذه الصورة: "... وتأثين يا طفولة..."، والمقطع الرابع على هذه الصورة: "وأنتم، أيها السيول الناطقة ..."، وذلك في مقاطع عديدة، حتى أن القصيدة، كما كان أدونيس وصف شعر برس، "لا تبدأ، بل تستمر". إلا أننا نقول أيضاً مع أدونيس، وفي الدراسة نفسها، أنّ شعر بيرس "ليس تكنيكاً أو هندسة فقط، إنّه أيضاً لغة". وفي تحقّقه الاستنتاجي هذا لم يعين أدونيس بدقّة تميّز تجربة بيرس، بل أشار أيضاً إلى ما نعتبره تأثر أدونيس الأساسي به، وهو اعتبار اشلعر لغة بالأساس، وهو ما قاله عن برس في هذه العبارة: "من هنا كانت اللغة عند سان-جون برس لغة خلق، أكثر ممّا هي لغة تعبير". هذا ما تبيّنه أدونيس، وهذا ما سيعمل له منذ هذا الكشف، وهو ما انتهى إلى صياغته لاحقاً في تمييزه بين "لغة الإشارة" و"لغة الإيضاح".
إلاّ أنّ أدونيس في هذه القصائد، كما في لاحقاتها، لم ينقطع عن "التعبير"، ويتجلّى في غنائيته، إلاّ أنّه أسلم نفسه للغةٍ، إذا جاز القول، جاعلاً منها فيما ترميه أمامها من غامض العبارة وغريب الصور غرض الشعر. هكذا أصبحت اللغة محلاً لاحتفال ومجالاً لاجتراح القول الشعري، أيّ أنّ أدونيس استقبلها وحوّرها على هذه الصورة، عاقداً العلاقة، من جديد، في العربية بين اللغة والدين: فهي عنده "لغة خلق" (كما سيقول ذلك في وضوح أشدّ في "محاولة في تعريف الشعر الحديث") بعد أن استعاد وتملّك ووظّف لصالحه ما قال به برس وقام به قبله مالارميه: على أنّ القول الشعري هو "فعل"، وهو ما انتقل وتبلور مع السوريالية على أنّه "كتابة آلية"، وما انتهى عند "جماعة تل كل" في الستينيات على أنه "ممارسة"، أيّ النص بوصفه ممارسة (وهو ما أخذ به أدونيس بعد هذه "الجماعة" في السبعينيات، وما سمّاه في "مواقف" على أنّه "الكتابة" – الكتابة الجديدة).
ما نريد قوله هو أنّ أدونيس باتصاله ببرس تكشفت له طاقات في القول، في التنصيص، فأخذ بها فاصماً الاستهداف التعبيري المحكم للمعنى أو الغرض، معرّضاً لعبة المعنى لاحتمالات التعدّد الدلالي مثل لزوم الغموض نفسه، ولكن من دون أن يعرّض الذات المتكلمة في نصوصه للنزوعات المتضاربة. في هذا ينفصل أدونيس عن مسار مالارميه وأقرانه اللاحقين. فأدونيس "يخلق" اللغة، أي يرفض الانصياع لجبروتها النصي لا بل الديني، مستعيداً تملكها من جديد. يستعيدها ليحكم الصلة، وفق طريقته هذه المرة، بين اللغة والنبؤة، مرة ثانية في تاريخ العربية. من هنا يمكننا القول أنّ اتصال أدونيس ببرس خاصةً وبأقرانه الفرنسيين كان بمثابة "الكاشف" الذي أوضح له أنّه، كشاعر، قادر لا على "استعمال" اللغة كما هي عليه في النظرة العربية، بل على "ابتداعها". وفي هذا حوّر أدونيس خطاب الذات المنشطرة أو المصابة بالفصام، كما هو عليه في خطاب الحداثة الفرنسي وجعله خطاب "مفرد" ولكن "بصيغة الجمع". وماذا عن أنسي الحاج؟
---

نقرأ في "أخبار" العدد الرابع من مجلة "شعر": "لأنسي الحاج نتاج شعري من نوع جديد، نشر نموذجاً منه في عدد "الأديب" الأخير وفي صفحة "النهار"، وهو ينوي محاولة هذا اللون الأدبي الذي يجد راحة في التعبير به عن خلجات نفسه وفكره". فما هذا "النوع الجديد" أو هذا "اللون الأدبي"؟
لن تتأخّر الإجابة عن هذا السؤال لقرّاء "شعر"، ففي العدد الخامس نقرأ له ثلاث قصائد، هي أولى محاولاته الشعرية في "شعر"، بعد أن نشر فيها عدداً من المتابعات النقدية، ثم ثلاث قصائد أخرى، وترجمات عديدة من نتاج أنطونان أرتو. هل يمكننا إيجاد العلاقة ذاتها، التي تبيناها بين أدونيس وبرس، عند الحاج وأرتو؟
توصّلنا إلى تبيّن مسار التقطّعات بوصفه مسار تأثرات عند أدونيس، بعد أن تبيّنا مقدار الهوة أو المسافة الفاصلة بين سابق نتاجه في سوريا، وبين نتاجه في بيروت، ثم أثر اتصاله ببرس وأقرانه وتحويله لهذا الأثر. إلاّ أنّا لا نقوى على العملية نفسها مع أنسي الحاج. فهو منذ "ضربته الأولى" يبدو متبلوراً في نوعه (من دون أن يعني هذا حكماً معيارياً)، أي توصّل إلى صوته الخاص سريعاً، بخلاف أدونيس في بداياته. فهو واحد منذ "رائحة الحليب"، أولى قصائده في "شعر"، وحتى شعره اللاحق رغم التنوّع والتبدّل في مقاماته. وإذا كان أنسي الحاج كتب اللغة "بالمقلوب" في بدايته، أي في صورة نزقة، مثل من يصوّب على اللغة بمسدس عجول، فإنّه لم يبدّل لغته لاحقاً، كما قيل عنه، بل أعاد لنا نسقها السوي، المنبسط، القانع بدل المتمرّد، ولكن في الحقل نفسه دائماً.
فهو منذ شعره الأول يقول: "الأحرف تتلاحق. عوض ذلك يجب أن تتداخل". شعر لا يستعرض المعاني أو يجدّدها، بل يبحث عن "تداخل" الحروف، أي عمّا تقوله بغياب نسق منتظم ومتلاحق لها. فأنسي الحاج يأتي إلى الشعر من جهة أخرى، على شيء من التحرّر الاجتماعي واللغوي الذي لم يعرفه أدونيس في سابق تجربته؛ وهو ما لاحظه أدونيس بنفسه في ذلك الوقت حين كتب ليوسف الخال معلّقاً على قصائد الحاج: "أنسي، هو بيننا الأنقى". فأيّ نقاءٍ هذا، والحاج يكتب في "رائحة الحليب": "نامي على زندي. أو دعيني ألقي بنفسي على بحر كتفك. وسأشتمّ من نهدك رائحة حليبٍ مبكّر مخزون في شروش ثديك وخلف حلمة مثل أنفي"!
إذا كنّا قد تحدّثنا عن نص "ضمني" وآخر "صريح"، فإنّ هذا التحدّث لا ينجلي تماماً إلاّ عند تبيّن الوظيفتين المرجعية والاستحواذية في الكتابة. فكلّ نصّ يقرّ ويؤكّد أو ينفي ويعترض على وظيفة مرجعية يحيل عليها صراحةً أو تضميناً، محوّلاً هذه الوظيفة، في عملية التنصيص، إلى وظيفة استحواذية أو تكرارية، وهو ما تبيّناه عند أدونيس، إذ وجدناه يتعرّض لإرث الكتابة بأسلحة "برسية" (نسبةً إلى برس) ليستحوذها من جديد. فماذا عند أنسي الحاج؟
نص الحاج يبدو أكثر خفاءاً من نص أدونيس، وأشدّ صعوبة في تبيّن "الضمني" فيه. وهذه الصعوبة لا تعود إلى اعتبارات صياغية وحسب، بل لأنّه اختار في القول سبلاً أكثر استبطاناً ممّا هي عليه عند أدونيس. فإذا كان أدونيس حرر الكلام ليقيم الشاعر محل الفقيه، أي الشاعر–العراف أو الشاعر–الداعية الثوري، فان أنسي الحاج جنح بالشعر من جادة الإيديولوجيا إلى الغرف الداخلية، إلى الحوارات الحميمية التي تُخفي أكثر مما تفصح.
إذا كان نص الحاج أكثر خفاءً واستبطاناً، فهذا لا يعني أبداً أنه أبكم، فهو يرسل إشاراته ولو خفيفة، ويسمعنا أصواته الداخلية ولو خافتة. فما يقوله النص في صريحه يبني خطاب الجسد، لا بل خطاب الشهوة، مشيراً في نصه الضمني إلى علامات وإشارات دينية، مسيحية حصراً. لا نجد أي صعوبة في تبين خطاب الجسد، حيث إن الشاعر يؤكد عليه جهاراً، مستسيغاً قول الكلام الحرام في الشعر بعد أبي نواس. فهو لا يتحدث عن العينين أو الوجنتين، أي عن صريح الجسد وظاهره، بل عن الثدي والحلمة، أي عن مستوره وممنوعه، متنقلاً من الخطاب العاطفي أو الوجداني إلى الخطاب الشهواني. إلا أن نص الحاج يشير، ولو في لمحات والتفاتات سريعة، إلى خطاب ديني، وهو الخطاب الضمني الذي ينفيه وينقضه. فما أثر قراءة الحاج وترجمانه لأرتو على شعره؟ كيف لا يكون هناك أثر، والحاج يكتب في دراسته عن هذا الشاعر: "لن أستطيع أن أعطي عنه دراسة منسجمة. إنه يربض علي ولا أستطيع!".
قراءة هذه الدراسة مهمة على غير صعيد، إذ تكشف، أولاً، عن معرفة الحاج النبيهة والفطنة بشعر أرتو ومجايليه، ولا سيما السورياليين، بل عن قدرته في التمييز بين نوعين من الشعر في الحداثة الفرنسية: "قال السورياليون بكشف العالم الداخلي في الفرد، غير أنهم لم يتوغلوا إلا إلى حد: هذا الحد هو الصورة. كانوا يظلون في الداخل حتى بروز الصورة، وشروطهم على الصورة لكي يرضوا بها أن تكون مدهشة، أن تكون "غير المألوف"، أي أنهم بحثوا عن البهجة والرعشة واكتفوا بهما على حساب ما وراءهما، لم يفتح السورياليون الصورة ليطلوا على المهلك، خلفها". ما يعنينا من هذه الأقوال هو تبينها لأمرين: غرضُ الشعر كشفُ العالم الداخلي في الفرد، ومن خلال الصورة (وهو ما اكتفى به السورياليون مثل لقيا جالبة للبهجة)، والأمر الثاني هو أنهم لم "يطلوا" على ما يقع "خلف" الصورة، أي "المهلك"، (وهو ما عرفه أرتو في شعره). تبين الحاج، إذاً، ضرورة أن يكشف الشعر عن "العالم الداخلي" للفرد، لا بل أكثر: أن تنفتح قنوات الشعر على قنوات الحياة نفسها بما فيها من "مُهلك". ولكن كيف يتحقق هذا إذا كان على الشاعر أن لا يكتفي وحسب بـ"الإخلال المتمادي لجميع الحواس" (رامبو)، أو بابتداع الصورة غير المألوفة؟ يتحقق هذا عبر "الهدم": "ليس هناك شيء إلا الهدم المهدم نفسه بنفسه إلى ما لا نهاية، ودائماً من الداخل، ودائماً أكثر فأكثر من الداخل". ذلك أن غرض الشعر، وحسب ارتو هذه المرة، "جواني": "المعرفة الشعرية جوانية، الخاصية الشعرية جوانية".
الجوانية، إذاً، أو استبطان العالم بغرض قوله ولو مفككاً: هذا ما قال به أرتو، وهذا ما نتبينه في شعر الحاج منذ بداياته. وإذا كان أرتو قال عذاباته في شعره، وهو المريض، فإن الحاج قال بهجته الشهوانية فيه، وهو في مقتبل العمر.
ولكن، إذا شكا أدونيس في بداياته من صعوبة اتصاله بالفرنسية فإن الحاج كان متمرساً بها، شديد الاتصال بمصادر الحداثة الفرنسية، حتى أنه، حسبما أفادت "شعر" في غير عدد من أعدادها، كان يهيء كتاباً عن الشعر الفرنسي المعاصر. فإذا اتصل أدونيس ببرس ورامبو وبونفوا في صورة جدية وانجذابية في بيروت، وفي أجواء مجلة "شعر"، بعد أن كان أصدر غير ديوان ("دليلة"، "إذا قلت يا سوريا"، "قالت الأرض")، فإن اتصال الحاج بهذا المصدر الفرنسي كان بمثابة "الواعز"، من دون أن يجد في سابق تجربته ما يعيق هذه الانطلاقة، أو ما يدعوها إلى التحوير. فإذا كان هذا الشعر هو "الواعز" فإن ما قامت عليه تجربته، مثل تجربة أدونيس أيضاً، عربي المبنى.
خاض الحاج كتابة الشعر على أنها "شأن جواني"، إلا أن شعره اتصل بغرض الاستحواذ والتحويل على لغة مرجعية، هي لغة التوراة ("نشيد الأناشيد" خاصة) كما الأناجيل. لا نجد هذا في تضميناته الدينية وحسب: الجلجلة، اليعازر، المعمودية، بل في قلبه وتحويله لعدد من العبارات والجمل الدينية: يقول في قصيدة "حالة حصار" (في شعره): "فعلى القبر السلام وفي القهر المسرة (وهي استعادة محورة: "فعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة" من تراتيل عيد الميلاد)، كما في استعمالاته المتكررة وتحويلاته للجمل البادئة بـ"طوبى" وغيرها الكثير.
يستعيد هذه اللغة، التي تشكل المرجعية القضائية، لكي يحورها، خارجاً على قانون "الخطيئة الأصلية"، ناسفاً الصراع الخلقي الذي قام عليه شعر الياس أبو شبكة بين "الرغبة" و "الخطيئة": فما كان يبدو بمثابة "ثمرة محرمة" ولو مطلوبة عند أبي شبكة يتحول إلى ثمرة مباحة، يستسيغها الحاج ويتذوقها بنهم وتلذذ.
إنّ ما بدا في شعر أدونيس مثل "دفاعات" في وجه اللغة الجديدة، أي طول باعه وتمرّسه بإرث اللغة العربية، وبإرثها الديني خصوصاً، فإنّ أنسي الحاج لم يعرفه، لا بل وجد الطريق معبّدة أمامه إذا جاز القول. فالمسيحية عنده كانت إرثاً أو تقاليد خلقية، لا كتابية بالدرجة الأولى، فيما العكس صحيح في حالة أدونيس.
أدونيس "بادئ" في اللغة التي شرع بها منذ نهاية الخمسينيات، أمّا أنسي الحاج فقد استثمر وانطلق بما مدّته به جريدة "النهار" (وكان عاملاً فيها) من لغة عربية مجدّدة، ومفرغة من ثقل البلاغة، وبما وقع عليه من كتابة ناجزة في لبنان في إطار التجديد، من جبران خليل جبران حتى فؤاد سليمان والياس خليل زخريا. ففي مدى هذه التجربة اللبنانية تمّ تخفيف التحوّلات الدينية للغة العربية، والتعامل معها من دون تهيب قدسي: إذا كان أدونيس خرج من "جامع" اللغة، فإنّ أنسي الحاج كان "أزعر" (وقد وردت في كتابته). وماذا عن شوقي أبو شقرا؟
---

نقرأ في "أخبار" العدد السادس من مجلة "شعر": "شوقي أبو شقرا ظهرت له قصائد عديدة في المجلات اللبنانية (...)، يشتغل بالتدريس في المعاهد الخاصة ببيروت". وهو التعريف الذي صاحب في العدد نفسه نشره لأولى قصائده في المجلة: "إلى أصدقائي"، ثم تتابع النشر: "قرصان" في العدد المزدوج، السابع والثامن، و"أربع قصائد" في العدد الحادي عشر، كما نشر في أعدادها الأولى ترجمات كثيرة لرامبو (الذي خصّه بدراسة أيضاً) ولوتريامون (فيما كتب الدراسة عنه هاني أبي صالح).
إنّ قراءة قصائد أبي شقرا الأولى (مجموعة "أكياس الفقراء"، مثل اللاحقة عليها) تكشف لنا مساراً متقطّعاً، يتّضح منه أنّ شعريته الخصوصيّة ما تجلّت وما تأكّدت إلاّ بعد وقتٍ طويل على ممارسته الشعر. هذا يصحّ في اتّصاله بقصيدة التفعيلة في بداياته، ثم انقطاعه عنها إلى قصيدة النثر، كما يصحّ في شؤونٍ عديدةٍ أخرى. فهذا الشاعر يبدأ "عادياً" بالمقارنة مع ما انتهى إليه من تميّز، حتى أنّّنا نستطيع القول إنّ توصّله إلى صوته، ولا سيما في مجموعته "حيرتي جالسةٌ تفاحةً على الطاولة"، وقبلها أيضاً، دلالة اكتساب ونضج، ما انتهى إليها إلاَ مع الوقت والخبرة. كما نقع على "الاعتيادية" ذاتها عند قراءتنا لدراسته عن رامبو، التي لا تعدو كونها تعريفاً مبسّطاً، من دون تغوير أو تحليق، بتجربة الشاعر "الملعون"، عدا أنّنا لا نتمكّن في قراءتها من تبيّن نقاط استدلال تقودنا إلى شعر أبي شقرا. هل يعني هذا أنّه اتّصل بهذا الشعر اتّصالاً "تقنياً"، أو "تعريفياً" وحسب، أم أنّ هذه الصلة لم تكن محكمة في ذلك الوقت، بل بعده؟ قراءة ترجمات أبي شقرا لا تقودنا إلى شعره، إلاّ أنّ قراءة شعره في بداياته تصرّح بعددٍ من العلاقات، ولو الخفيفة، الناتجة عن اتّصاله بالحداثة الفرنسية.
أبو شقرا، مثل أنسي الحاج، يتّصل بإرث "العربية اللبنانية" الوليد (أي الممارسة اللبنانية في كتابة العربية، المؤدّية إلى "عصرنتها" ونزع القدسيّة عنها وتمكينها من تجريب جديد لإمكانات النثر من أمين نخلة إلى سعيد عقل)، إلاّ أنّه "يستعمله" وحسب من دون أن يعرّضه لأهواء متضاربة وتجارب مخلخلة له. نجده في بداياته مترف العبارة، منتقيها، ملتفتاً إلى طلاوتها، إلى أجراسها الموسيقية، كما عند سعيد عقل. لنقرأ هذا المقطع من قصيدته "عودة محنّقة" ("شعر"، العدد الحادي عشر):
"... ومحنّقا
أعود خصري قذر
وبين أثوابي يئزّ السفر
أعود، لا معي سنونو لا معي
وكلني حجار
وكلني أدخنة كالحوت:
حو، حو
آت من القفار".
إنّ هذه "الموسقة" للقصيدة ليست غريبة عمّا سبقه إليه سعيد عقل في غزلياته.
إذا كان أنسي الحاج جنح بالشعر إلى استقصاء العالم الداخلي بل الباطني، ولا سيما باطن الشهوة، فإنّ أبي شقرا جنح به إلى موضوعات جديدة، ملتفتاً إلى أشخاص وقضايا غير مطروقة في الشعر العربي: أشبه بابن الرومي ولكن في زمن آخر! إلاّ أنّ الجديد فعلاً هو تبنّيه لـ"طرافة" الأشياء في علاقاتها الأليفة، بل اليومية، من خلال عين لا تتوانى عن الدهشة الطفولية، عن الانبهار بكلّ ما يجري أمامها: نقل العادي إلى مراتب الدهشة والغرابة (وهو ما يصله بطرافة السورياليين و"مجانيتهم")، رغم أنّ آثار اتّصاله لم تتّضح في حينها، بل بعد وقت، مثل ماء غارٍ في التجاويف قبل أن يتفجّر.
(جامعة المعتمد بن عباد الفصلية، الدورة الثامنة، أصيلة (المغرب)، 6-9 آب-أغسطس 1992).