كانت خطواتي تسبقني من دون مشقة، مع أنني أزور هذه الناحية للمرة الأولى. كان علي أن أنعطف قليلاً، بعد الخروج من القطار المديني، إلى اليمين قبل أن أباشر الشارع العريض، وأنتقل إلى الجهة اليسرى منه. كنت أتقدم تحت مطر خفيف من دون أن أبالي به، خاصة وأن ما يزيد على الأيام العشرة قد مضى، بين فرانكفورت ودرمشتاد وهايدلبرغ قبل برلين، تحت أشعة الربيع المتألق باكراً.
كانت الورقة في يدي تقودني إلى رقم بناية، وتطلب مني الضغط على زر كهربائي عند الوصول. ما أن وصلت وجدت بوابتها الكبيرة مفتوحة، تفضي على ممر معتم، من دون أن أجد من يجيبني على الزر الكهربائي. لم أحسن الدخول إلى البناية إذ بدت حصينة، محكمة الإغلاق، على الرغم من هيئتها المتداعية. عدت أدراجي، وقد وجدت مقعداً خشبياً ينتظرني، خالياً، من دون صاحبة الدعوة. جلست وانتظرت، إلى أن بادرتني سيدة متقدمة في السن (مع أحدهم)، وخاطبتني بلغة المانية تنبهت فيها إلى ورود ما يشبه اسمي.
وصلت إلى المكان قبل أن تصل صاحبة الدعوة نفسها (التي التحقت بنا بعد وقت على دراجتها الهوائية)، بل كان علي أنا أن أرحب بها، لما وصلت مصحوبة بجعبة من المشروبات المتنوعة، فضلاً عن زجاجتي نبيذ فرنسي من السيدة الأولى. كنت غريباً، لكنهم كانوا ينتظرونني، الثلاثة الأوائل ثم من لحق بهم من الأعضاء، بين مصري وسوري وأريتري وألماني وغيرهم، ممن تعرفت على هويات بعضهم من دون أسمائهم في اللقاء.
البناية جرى احتلالها من مجموعة تنخرط في النشاط "البديل"، وفق اسم رائج في ألمانيا كما في فرنسا، ويشير إلى مجموعات معادية للنظام الرأسمالي، وتمارس ضغوطاً عليه باحتلال أبنية مملوكة منه، من دون أن يقدم على تأجيرها، مجمداً لها لبضع سنوات قبل أن يبيعها عند ارتفاع أسعار العقارات، في الوقت الذي يتزايد فيه عدد المهمشين أو من يقتعدون الأرصفة.
لا تقوى محدثتي على إخباري بالمزيد عن هذه الجماعة الهامشية... إلا أن الظاهر هو أنها تعيش حياة منتظمة، ولا يخفف من سيولة الحركة فيها سوى المفاتيح الزائدة، ومنافذ الإغلاق (والفتح طبعاً)، التي تسبق الدخول إلى هذا الطابق أو ذلك القسم منه.
نصعد، نحن الثلاثة، إلى الطابق الأول بعد احترازات شديدة، في المدخل، في الصعود، في فتح الباب الرئيسي، بعد أن قرر "اللقاء الفلسفي" عقد اجتماعه هنا، بدلاً من بيت السيدة الكبيرة التي استقبلتني، نظراً لكبر القاعة التي نحل فيها.
ما أن دخلت من الباب الرئيسي للطابق الأول حتى استقبلني المطبخ، فيما لمحت في الجهة البعيدة من الطابق عينه مجموعة من الجالسين والجالسات تتسامر فيما بينها: قريبة منا، وبمنأى عنا. لمحت في عدة المطبخ على يميني أطباقاً وصحوناً وملاعق وغيرها، ذات ألوان وأحجام وأشكال مختلفة، ما يشير إلى تفرقها واختلافها، وهي مجتمعة. هذا ما أتحقق منه في الكراسي والطاولات التي اجتمعنا حولها، إذ هي بدورها ذات أشكال وألوان وأحجدام مختلفة: خليط عجيب، مواد ذات سِيَر متعددة، سابقة على حلولها في المكان الجديد، أو سابقة على طرق استعمالها، على ما أظن. مواد تجتمع هنا، وتتخذ وجهة جديدة لها. ألا يشبه اجتماع المواد اجتماع البشر أنفسهم، ويمهد له؟ هل يمكن لكلمات أن تستدعي أفراداً مختلفي الهيئات واللغات في حوار مفتوح بعيداً عن صرامة اللقاءات الجامعية؟
هذا اللقاء مستلحق، مؤجل بمعنى ما، يلبي دعوة وجهتها إلي الدكتورة مارتينا بولز ذات يوم قبل ما يزيد على السنة ونيف، لما تلقيتُ منها رسالة إلكترونية تخبرني فيها بأن "اللقاء الفلسفي" (وهي عضوة فيه مع عدد من الأعضاء المتفرقي الهويات والاهتمامات والاختصاصات) نظم حواراً بين أعضائه حول قصيدتي: "وجوه بالتناوب"، ابتداء من ترجمتها الألمانية، وأن اختلافاً حصل بينهم حول تفسير القصيدة... ما لم تكن تعرفه بولز، ولا الأعضاء ممن شاركوا في النقاش سابقاً، وما أخبرتهم به في هذا اللقاء، هو أنني استلمت، بعد رسالتها الإلكترونية الأولى، رسالة من الدكتور الصديق بسام الطيارة، من باريس (وهو اختصاصي في الأدب الياباني)، يخبرني فيها عن قيام أحد الشعراء اليابانيين بمناقشة القصيدة عينها بعد أقل من أسبوعين على لقاء برلين الأول...
توجهت بولز إلي بجملة ملاحظات واستفسارات، في رسالتها الأولى، فأجبتها مقدماً إيضاحات حول ما كتبتُ؛ ثم دعتني إلى الاتصال بها، والاجتماع بأعضاء "اللقاء الفلسفي"، لو أتيح لي المجيء إلى برلين ذات يوم. وهكذا كان، إذ حللت ضيفاً على "اللقاء" مساء الأحد الواقع فيه 15 آذار (2014) في الثامنة مساء.
دار الكلام أكثر من دورة، في أكثر من لغة، بين عربية وفرنسية وألمانية وإنكليزية خصوصاً. وكنتُ قد جلبت معي الترجمة الفرنسية للقصيدة، المنشورة في المختارات الفرنسية "عتمات متربصة" (التي أصدرها الدكتور نعوم أبي راشد في العام 2005). ظهر في النقاش ما بلبل الحوار، إذ تم الانتباه إلى بعض أخطاء الترجمة، ولا سيما في نسختها الألمانية، فيما بدت الترجمة الفرنسية لها أفضل حالاً. هذا ما شارك فيه أكثر من حاضر، حتى بدت القصيدة طبقاًَ أساسياً يحيط بكؤوس الشراب المختلفة التي تقدمت أمام كل واحد منا.
ما في القصيدة استدعى الاجتماع، ولو بعد وقت. نقاش موصول إذاً، وانتقل إلى حيث نجلس ونحتسي، إذ نجلس على كراس متفرقة هي بدورها، بأشكالها وأحجامها. نتحاور من دون شك، لكننا نختلف حول ما يقل أو يزيد عن عشرة سطور. بدت القصيدة مثل القاعة التي نجلس فيها: تجمعنا ونجلس حولها، مختلفين؛ تجمعنا ونتحدث فيها، مختلفين أيضاً. هي تحوينا، فيما يدعي كلٌّ منا أنه امتلك الأثاث والفضاء.
تذكرت أثناء النقاش الحادثة التي أطلقتْ القصيدة، وكانت في البحرين، من دون أن أدخل في تفاصيلها الشخصية. قادني النقاش إلى أبعد من ذلك، أبعد مما كنت أظن، إذ تنبهتُ واسترجعت ما كان عليه السياق السابق للقصيدة، أي ما حصل قبلها عند زيارتي اليتيمة لتهران في حزيران-يونيو 2000: أحدثتْ حينها صورةٌ في هيئة شعار هزةً كبيرة في نفسي، إذ أظهرت الإمام الخميني في جهة علوية من الصورة، وهو يمد يده من وراء الحجب إلى أناس يقعون تحته، فيما ينجذبون إليه بل يتشوقون للإمساك بيديه. كتبت، بعد زيارتي هذه، قصيدة طويلة بعنوان: "غيبة جسد ماثل"، وتقاطعت فيها صور-انطباعات من تهران، وأقوال في الإمام المغيب، إذ تتجلى فيها وتمثل أجساد إلا أنها غائبة ومغيبة عما لها أن تعيشه، أو أن تعيشه أجسادها، فيما تنخطف صوب عالم لامرئي.
هذا ما دفعني النقاشُ إلى استحضاره، إلى جعله حاملاً للقصيدة. كما جعلني أتبين في القصيدة ما يندس فيها في غفلة مني. استوقفني من جديد لفظ: "وجه" فيها، وهو عماد القصيدة، حيث تبينت أنه يشير في العربية إلى أكثر من دلالة: منها ما يصلح للإنسان طبعاً، ومنها ما يصلح للورقة بدورها (وجه الورقة). هذا ما يشير بالتالي إلى ما تقوله القصيدة عن وجهين مختلفين: أحدهما يقرأ في كتاب، والثاني "يسترق" النظر إلى وجه إنساني محبوب، ولكن "بالسر". بل دفعني النقاش إلى استبيان التداخل فيها بين نسقين: نسق صوفي-إسلامي، وآخر مسيحي (في الحديث عن وجود الله في المياه)، فضلاً عن النسق الإنساني الجلي في نهاية القصيدة. بل قادني النقاش إلى استبيان أمر آخر، وهو تسلل الفن الإسلامي إلى ثنايا القصيدة، في مسألة الغياب والحضور، حول غائب منشود من دون أن يكون قابلاً للتصوير ("التنزيه"). هذا ما يكشف عن عالم، بل عن قوة قاهرة تسود وتتحكم، من دون وجه لها واقعاً، فيما لا يحظى المتكلم في القصيدة إلا بحيز سري، فـ"يُقبل" عليه، ويفرح فيه فرحَ المُكرَه على قبول القليل والاكتفاء به.
هذا ما شرحه أحد المصريين المشاركين على أنه عالَم الخوف، العالَم الذي هرب منه منذ أكثر من عشرين سنة، متحدثاً عن موطن آخر له، وهو حيث سيقام قبره ذات يوم... بعيد (على ما تمنيت له بالطبع).
القصيدة، بكلماتها وإيحاءاتها الضمنية خصوصاً، تستدعي أناساً مختلفين، ممن يقيمون في برلين ولا تعود أصولهم إليها بالضرورة. القصيدة تستضيف بدورها، فيما تبدو من النافذة أمامي، وأنا أقرأ القصيدة في نصها العربي، لافتة مضاءة لمطعم: "بابل"، الذي تجاور حروفه أرزة لبنانية.
أهكذا باتت القصيدة أكثر من بطاقة سفر، ولأكثر من مسافر، فيما يمثل الشاعر في هيئة خاطف "بديلي"، يسوق الكلمات والصحون من حيث كانت إلى مأدبة، يجتمع فيها بمن يشاركونه أنفاس الزمن العابر؟
أتكون القصيدة غريبة تمكننا من أن نكون أليفين معها، بل أن نكون مالكين أكيدين لها. حتى مالكها، أو صاحبها، أو كاتبها، تكون له معها وجهة نظر، ليس إلا. هو يزورها بدوره، فلا يتبين تماماً المكان الذي حلَّ فيه، وإن كان يتعرف (وحده؟) أنه كان لهذه الطاولة، أو لهذه الألفاظ، حكايات وسياقات سبقت ما يجمعها بعضها ببعض.
هكذا أزور قصيدتي في هيئة ضيف غريب، على أنه يلتقي بمن يشاركونه متعة الاستقبال والضيافة. ذلك أن للقصيدة أجنحة ترفعنا إليها، فلا نعلم إن كنا نقيم أو نتشدد في أسباب الإقامة أم نسافر في ما يخفف عنا ثقل الزمن وإكراهات الحاضر. وحدها القصيدة ربما، من بين غيرها من أشكال الحوار، تقوى على إحداث هذه الخفة الجسيمة، وعلى جعل اللغات تتعاون، بل تتلاقى مثل نسيم عابر متنقل من ناحية إلى أخرى.
وجوه بالتناوب
وجه
يتعقب
وجهاً
يقرأ
في وجه محتجب؛
وجه لا مرآة له،
ولا يفضي إلى نافذة،
له لون وحسب
وحفيف طري
في خفي المياه؛
وَلِيدي وجه
أخفيه في جيبي
وأُقبلُ عليه بالسر.
(من مجموعة "حاطب ليل"، دار النهار للنشر، بيروت، 2001، ص 79).