محمد علي شمس الدين : ختم الزنوجة
ربما كانت الزنوجة مدخلاً من مداخل التعرف على شعر أعظم شعراء افريقيا السوداء في القرن الفائت، الشاعر السنغالي بالفرنسية ليوبولد سيدار سنغور ( 1906- 2001م). والزنوجة هي استثارة العرق الاسود (الافريقي في الاصل). لاثبات حيويته الحيوية والفنية، في عالم قاس وعرقي، يظهر فيه التاريخ وكأنه تاريخ افتراسي للضعفاء والملونين والعبيد والنساء، والمجانين، من هوامش المجتمعات ومهملاتها.. وقد نال ذوي العرق الاسود من هذا الافتراس والتهميش، قسط وافر، فالعبد، وهو نقيض السيد، في العربية، بمعزل عن لونه او عرقه، اقترن في اللغة العربية بالسواد. لماذا؟ لان اللغة تعكس الوضع الاجتماعي للمسمى في التسمية. وليس سائر اللغات والشعوب بأكثر رحمة من العربية. لذا فالزنوجة تظهر وكأنها رمز من رموز ثورة العبيد في النصف الاول من القرن العشرين، وربما كان من المفيد تقديم تعريف تاريخي موجز لها من خلال ما سماه شربل داغر ابجد سنغالي، في مقدمته لترجمة مختارات من شعر سنغور، حيث يشير الى ان هذه الكلمة ظهرت للمرة الاولى في 1934في المجلة المسماة "الطالب الأسود"، وعنت، فيما عنت، مشروعا أدبياً ضم بالاضافة لسنغور، الشاعر ايميه سيزار وغيرهما، كما عنت أيضاً انبعاث الروح الافريقية العريقة من خلال صورها الاسطورية التأسيسية. لكن السؤال المشكلة هو كيف ينبغي لدعوة ما، تحررية وثقافية، ان تتكلم بغير لغتها؟ فمن المعروف ان افريقيا السوداء قد تناهشت الدول الأوروبية شعوبها وخيراتها، فالسنغال كانت مستعمرة فرنسية، ولم يسلم الشمال الافريقي المتمثل بالمغرب والجزائر وتونس من هذا الالحاق بثقافة المستعمر ولغته. والمشكلة في عمقها تكمن هنا: يقول مالك حداد الشاعر والروائي الجزائري بالفرنسية، صاحب "الحمامة المطوقة" و"رصيف الأزهار" و"الأسلاف يزدادون ضراوة" عن الفرنسية التي لم يكن يجيد سواها في الكتابة: انها منفاي ويعتبر العربية انتقامه من الفرنسيين، ولكن كيف؟ كانت مأساته بأنه ملزم بالتحرر من خلال لغة غير لغته.. بل باللغة نفسها التي هي لغة مستعمره.. كان هنا لابد من الفصل بين اللغة كأداة (محايدة قدر المستطاع) واللغة (كصورة شعب وتاريخ وهي غير محايدة) والفصل صعب على كل حال.كان ابونؤاس شاعراً مولداً يكتب بالعربية ويستذل العرب بهذه العربية. وبالموزون المقفى الفصيح يقول: "لا در درك قل لي من بنو أسد؟" ويقول: "ليس الأعاريب عند الله من أحد.."، فكان ثمة فصل بين اللغة واهلها. فكأن اللغة، اية لغة، تغدو أداة مشاعا، وهي لمن يمتلكها. من هنا جاء الابداع بالفرنسية، في السنغال والشمال الافريقي، كما في لبنان، وسوريا، ومصر، جزءا من ثقافة تحريرية اكيدة، لشعوب استخدمت لغة المستعمر ذاته للارتداد عليه باداته هو. واثبات الذات على المدى الطويل وصولاً للغة الخاصة (القومية او المحلية او ما اشبه).في هذا الاطار، على الارحج، يكمن وضع الزنوجة كما بعثها وأحياها سنغور من خلال شعره ونثره ومسرحه بالفرنسي. فهي خلاسية لجهة كونها مزيج ثقافتين: الافريقية السنغالية والفرنسية. ودفاع سنغور عن ايميه سيزار هو دفاع عن هذه الخلاسية. وهي بمقدار غوصها في الطقوس والايقاعات وصور الاقنعة الافريقية. واسماء الاماكن والملوك وحيوانات الغابات والطام طام الزنجي وسوى ذلك من مفردات المكان السنغالي الممتزج بالسحر والاساطير والعبادات،، فانها تتجاسد مع ثقافة اخرى ولغة اخرى هي الفرنسية.. ما يشكل هذا الخصب الناجم عن تلاقح ثقافتين، وهو من اشارات الكونية او العالمية المبدعة، في مواجهة ما ليس كذلك في العولمة الاقتصادية والفك المفترس للراعي الامريكي العالمي الراهن.يدافع سنغور عن نفسه في استخدامه الفرنسية في شعره السنغالي في افتراض ان اللغة تصبح اداة حياد، وتغدو ملكا لمالكها (بمعزل عن عرقه وثقافته ولغته الأم) فيقول: "نحن نسمي القطة قطة، أي لا نوارب في التسمية. نحن نكتب في المقام الاول لفرنسيي افريقيا، ولكن ليس لهم وحدهم، واذا كان فرنسيو فرنسا يجدون بهذا الشعر تشبهاً بالاصول، فنحن نأسف لذلك"... لكنه، وكالجزائري مالك حداد، لا يستطيع كبت مأساته، ولا اغماض الطرف عن خصوصياته. فسنغور على الرغم من دفاعه عن "المعنى" بالفرنسية، أو ما يسميه بالتسمية Momination ، الا انه لا يستطيع ان يتبرأ من الخصوصية.. والا فانه سيخرج من جلده.. جلده المحلي السنغالي الاكيد، الذي لولاه، لكان هو واحدا من مجموعة شعراء فرنسيين دافع عنهم من امثال سان جون بيرس (الكسيس ليجيه) واراغون واندريه بريثون وسواهم. فهو بالتأكيد ليس واحدا من هؤلاء، او من شعراء السريالية الفرنسية، وان كانت جزءا جوهريا من ثقافته.. بل لعله يخضعها لبعض خصوصياته الافريقية. من ذلك، وقبل كل شيء، أن شعره هو شعر ايقاعات.. ايقاعات خفية منبثقة من قلب السحر الافريقي والاساطير المتعلقة بالملوك والحيوان المفترسة والاقنعة، وايقاعات صاخبة يعبر عنها قرع الطبول والطام - طام الزنجي، وحركات الرقص الذي تختص به شعوب القارة السوداء.ان مجموعة وافرة بل طاغية من شعر سنغور، تحمل عناوين آلات موسيقية للقرع او النفخ مثل قصائد متعددة بعنوان "مناسبة للخالام" وهي آلة افريقية تشبه الغيتار وتستعمل للمراثي وطقوس الموت، يقول في احداها "قلبي طام - طام مرتخ من دون قمر"، وقصائد اخرى بعنوان "مناسبة للناي والبالافونج" (وهي آلة خشبية يقرع عليها بخشبتين) ويقول فيها: "استمع إلى دمك الذي يقرع طام - طام في صدغيك الايقاعيتين الواخزتين"، وقصيدة للارغن، ومناسبة لنايات الارغن، ومناسبة للريتي (وهي آلة كالربابة تناسب ألحان السخرية..." ومناسبة للكلارنيت... وما اشبه ذلك من قصائد عديدة لآلات قارعة او نافخة افريقية في اصلها وقد اخذتها اوروبا وامريكا عنها. فهذا الشعر الذي يقول خطابه على اسم آلات الموسيقى هو شعر ايقاعات في اصله وجوهره كما في اصواته وبنيته. وهي خاصية افريقية بامتياز، تتجلى خاصة في مجموعتين "أغاني الظل" و"قرابين سوداء".
وحين اخذ نقّاد على ايميه سيزار تعويله في قصائده على رتابة ايقاعات الطام طام، دافع عنه سنغور بقوله: "... كما لو ان للحمار الوحشي المخطط ان يكون من دون خطوط".ان ايقاعات الغابة واصوات حشراتها وحيواناتها، وصورها ايضا واصوات الآلات وصرخات او اناشيد القبائل والسحرة في طقوس العبادة والولادة والموت والابتهال لقوى الأرواح الشريرة لتكف عن الزنوج.. كل ذلك يمكن تجليه في المقطع التالي لسنغور (من قصيدة توكو-والي):"كانت الحقول مليئة بديدان لامعة/ والنجوم تحط على العشب/ على الشجر/ والصمت يحيط بها/ وحدها عطور الادغال كانت تطن/ وخلايا النحل التي يعلو دبيبها على تموجات صرار الليل الخفيفة/ وطام-طام مقنع وتنفس بعيد في الليل/ انت يا توكو - والي تسمع ما لا يُسمع/ وتشرح لي العلامات التي يمليها الاجداد في الهدوء البحري/ على مجموعات النجوم. الثور، العقرب، الفهد، الفيل، الاسماك الاليفة... ليلة من افريقيا. ليلتي السوداء/ سرية وواضحة".وفي القصيدة نداء حب لامرأة يناديها "يالبوتي / روعتي السوداء/ سودائي عاريتي...".
وينتهي بدمج كل ذلك بالزنوجة.شعر ليوبولد سنغور شعر ايقاع، شعر شفاهي انشادي وهي سمته الزنوجية الاساس. لانه من عالم يتحول فيه الكلام تلقائيا الى ايقاع. فعند الافارقة، كما يقول، وعند الزنوج، كل شيء صوت، علامة ورمز لمعنى. وهو امر مرتبط بالطفولة.. طفولته هو في القرية السوداء السنغالية "جوال" على ضفاف المحيط الاطلسي. يقول "عشت في هذه المملكة وشاهدت بأم العين وسمعت بأذني الكائنات العجيبة الواقعة فيما بعد الاشياء: الجنيات في اشجار التمر الهندي والتماسيح وحراس الينابيع/ وخراف البحر التي كانت تغني في الساقية، وموتى القرية والأسلاف الذين كانوا يحادثونني ويعلمونني الحقائق المتبدلة بين الليل والظهيرة.. غير ان قوة الصورة الثماثلية لا تتحرر الا بفعل الايقاع". ان سنغور يعتقد ان الشعر هو نفسه الايقاع، وان الشعراء الكبار "كانوا سمعيين لا رؤيويين"، بل هم منشدون، وان الشعر يفقد قيمة اساسية من قيمه اذا لم يلق على منبر بل اذا لم ينشد انشادا بل اذا لم يغن بمصاحبة آلة موسيقية. فالترداد او الترجيع لبعض الكلمات ينطوي على طقس من طقوس السحر.هنا وفي هذا المفصل بالذات، يلتقي سنغور بالسرياليين الفرنسيين المعروفين، خاصة باندريه بريتون، الذين شددوا على الصفات الحساسية، بل الصفات الشهوانية للكلمات، وجعلوها تتناسل من بعضها بآلية مبدعة كأنها قفير هائج. الايقاع اذن في شعر سنغور هو "ختم الزنوجة" على الطرس الفرنسي.
(جريدة "الرياض"، الرياض، 22 جمادى الأولى 1423 العدد 12459 السنة 38 ).