محمد علي شمس الدين : الترجمة نعمة وتوسط
يعيد إلينا الشاعر والباحث اللبناني شربل داغر، اندريه شديد، بأصلها في العربية، من خلال ترجمة مجموعة منتخبة من دواوينها الشعرية، الى العربية، وإصدارها في ديسمبر 2001 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت بعنوان "شمل تشابه ضائع". واصول اندريه شديد عربية متنوعة، وان كانت تعيش في باريس وتكتب الشعر والمسرحية والرواية بالفرنسية. فهي ذات اصول مصرية لبنانية لجهة بحذور وعاشت فترة من حياتها في دمشق، ثم اختارت الفرنسية اداة تعبير وباريس مكان اقامة... وجذورها العربية المتعددة ظهرت ابداعياً في بعض نتاجها، مثل روايتها "بيت من دون جذور" ورواية "الصبي المتعدد" فهذه المبدعة بالفرنسية التي ولدت في القاهرة، حيث ولدت امها، الأرثوذكيسة ذات الاصول الدمشقية، تنتمي ايضاً لوالد من عائلة صعب من بعبداً في جبل لبنان، إلا ان انتماءها الجوهري هو للغة التي كتبت بها آثارها المتنوعة، وهناك اكثر من مجموعة شعرية تشير الى هذا التنوع او التكثر مثل "كم جسداً وكم روحاً" و"نصوص من أجل وجه" و" نصوص من أجل الحي" و"البلد المزدوج" و"أخوة الكلام". فهي عناوين التكثر والمضاعفة في شخصيتها الابداعية، كما ان التكثر والمضاعفة في اماكنها ومحمولاتها الكتابية، تتركز في القصيدة... القصيدة الممكنة المستحيلة في وقت واحد. والتي تحمل انبثاقات الكلمة، من دون ان تستهلكها او تستوعبها. إنها صاحبة نصوص في اتجاه القصيدة، وقصائد في اتجاه الشعر. وشعر في اتجاه المطلق الغامض المخيف الممتع. فقد صدر لها العام 1950 مجموعة شعرية بعنوان "نصوص من اجل قصيدة"، وصدر لها "الشعر والقصيدة"، وصدر لها العام 1976مجموعة "اخوة الكلام".اما العنوان الذي اختاره شربل داغر لما ترجمه من اشعارها الى العربية، وهو عنوان مربك ويدعو للتنكر "شمل تشابه ضائع"، فهو ترجمة لمقطع من احدى قصائد الشاعرة، والقصيدة بعنوان "شاطئ الزاوية" من مجموعة "غناء مضاد" الصادرة العام 1969، والمقطع هو التالي: "من اجلهم (ونعني اطفالنا/ لنكثر من ملاحات الرجاء/ من اجلهم لنجمع شمل التشابه الضائع". فقد اجتهد المترجم بالترجمة، بعد ان اختزل الجملة بإلغاء كلمة "لنجمع...". ولو أنه ترجم العنوان بعبارة: "شمل قصائد متنافرة"، لكان ذلك اقرب للمعنى، واكثر قرباً من العنوان الآنف. والحال ان شربل داغر كان صاحب اجتهادات كثيرة في ترجمته لقصائد ونصوص اندريه شديد، فهو معرب لهذه النصوص اكثر مما هو "مترجم"، والفرق بين الاثنين جوهري لجهة اللغة والشعر. فترجمة النصوص العلمية اقل ارباكاً وحرجاً من ترجمة الشعر، من حيث الامانة والدقة والتسديد او الاصابة. اما ترجمة الشعر من الفرنسية الى العربية فيقتضي ان يكون تعريباً اي، اختياراً شعرياً بالعربية ذاتها وما تحمله من خصوصيات تركيبية وايقاعية وايحائية معاً، لقصائد بالفرنسية، بما هي بدورها، وعلى طريقتها، لغة شعرية... هنا يغدو تعريب القصائد اقرب للتناص منه للترجمة ويصبح المعرب ملزماً بالابتعاد عن حرفية الاصل في اتجاه ابتكار قصيدة جديدة معربة انطلاقاً من هذا الاصل. لذا تبدو "الخيانة" في الترجمة الشعرية ضرورة من ضروراتها، لا عيباً من عيوبها. والحرج يبدو كبيراً، حين يتعلق بترجمة اشعار ذات غريزة لغوية والتباسات كثيرة وغموض واحالات مكثفة كقصائد اندريه شديد. فاللغة لديها ذات عتمات وايجازها الذي يظهر احياناً كأنه ايجاز صاعق، يستدعي ما يشبهه في العربية، وقد نجح داغر احياناً في نقل المعادلة الحرجة من الفرنسية للعربية، واخفق في احيان او اجتهد اجتهاداً غير مقنع. هو يقول في قصيدة بعنوان "نمضي": في مباريات النفس/ في لحم الزمن/نمضي سنمضي/من دون ان نبلغ العتبة". ثمة عراك مع الذات، في سير يسير ابداً بلا بلوغ بلا وصول او محجة. استعمل المترجم "مباريات النفس"، ولجأ الى فعلين متتاليين للتعبير عن السير الذي لايهدأ، نمضي سنمضي" احدهما في المضارع الحاضر والمتصل بالماضي والآخر للمستقبل. وهو اجتهاد تعريبي موفق.. كما اننا نعتز على مثله في قصيدة "العيش يجدد المسكن" وجوهرها استمرار الحياة واختلاف الاقامة. وعبارة "العيش يجدد المسكن" هي عبارة غير ذات وهج لغوي كما هي في الفرنسية... هذا على ان داغر توصل في القصيدة عينها الى لقيا تعبيرية جميلة بقوله "اكسر مغاليق الزمن/ وافلت من تهجيج الكلام" واللقيا هي استعمال "تهجيج". ولا تخلو الرشاقة وملامسة المعنى بلطف الكلمات، في اماكن كثيرة اندرج فيها داغر برهافة. يقول في قصيدة "هذه اللحظة": "بصحبة دمي ذي العصافير الالف/مشيت في طول الارض" مع ملاحظة امكان استبدال "في طول الارض" الاقرب للترجمة الحرفية منها للتعريب بـ"على امتداد الارض". ومثلها قوله في قصيدة "النار": "يا أوراق/ يجب رفع اللون عالياً/من اجل ان يكون شيء من الخريف/ في قلب الموت/وان يكون هذا اللون اكثر حدة من النار". من هي اندريه شديد؟
يحسن بنا ان نطرح على انفسنا، بعد قراءة "شمل تشابه ضائع" سؤال "من هي اندريه شديد؟". ولابد من ان تضمن الاجابة زاويتين للنظر: الاولى هي اندريه شديد في نصوصها الاصلية بالفرنسية من روايات ودواوين ومسرحيات، والثانية هي اندرية شديد بالعربية. حيث لابد من ان يتدخل معربوها في رسم الصورة. وهنا شربل داغر هو المتدخل. وهو يعتبر الترجمة "تكثيراً" للنص او بدقة عبارته نعمة في تكثير المعنى والقصد النص بكامله وليس المعنى، لان اللغة تتدخل ايضاً. وبالتالي فالمترجم ليس بخادم للنص الاصلي، بل منوع عليه. وهنا فالتطابق خيانة ولابد من الفروق. بهذا يبتعد شربل داغر، (ويبرر ابتعاده) عن الأمانة: في تعريفنا بنصوص اندريه شديد، ويقترب مما يسمى بالتوسط. والتوسط وساطة وتوليد، فتأتي ترجمة اندريه شديد اشبه ما تكون بشخصيتها الابداعية ذاتها، من حيث هي شخصية "توسطية"، ان لم تكن "متوسطية"، باشارة من داغر نفسه، الذي قدم لكتابه بحوار طويل مع الشاعرة، متبوع بدراسة عنها واحوال الترجمة بعنوان "التعدد نعمة". والحوار والدراسة معاً يسعيان لوضعها في دائرة غير قليلة السطوع من الضوء. يرغبان في ان يكونا دليلاً للقارئ. ما يحد من حريته في التماس الحر والعاري مع نصوص الشاعرة. واللأسلم في كل حال، في رأيي، والأجمل، كان التماس الحر والعاري مع اندريه شديد في الفرنسية... مباشرة في النبع.. مع تلافي الحوارات والمقدمات. الا ان ما حصل في الكتاب، جاء بمثابة حصار مثلث: الاول الحوار، الثاني المقدمة، الثالث الترجمة، ومع هذا، وفي كتاب "شمل تشابه ضائع" آثرت ان اسير عكس الدليل، اي قرأت النصوص المعربة اولاً، واثبت عليها ملاحظاتي... ثم عدت بعد ذلك القهقري في قراءة الحوار (للتمتع به) والمقدمة، للاطلاع على وجهة نظرما في الشاعرة والترجمة. وحين أسأل نفسي الآن، من هي أندريه شديد من خلال ما تنصح به نصوصها المترجمة، أجد أنني أمام شاعرة كثيرة الغموض أولاً وأن غموضها آسر ومغر في كثير من الأحوال، ولكنه مربك في أحوال أخرى. والغموض ليس في اللغة وحدها والصيغ بل في الحال أيضاً، ما يجعل الترجمة شديدة الصعوبة وما يجعلني أكثر تطلباً فيها. فهي في قصيدة "معاش اللحظة" تقول: "بكلمات مائلة. نحلق ونغادر/ المكان النشط لموتنا/ بكميات كبيرة من حياة قليلة/ نطمر ما يجعلنا خارج حدودنا/ ونواري حميميتنا العجيبة من أجل معاش اللحظة.". فالعتمات المكتنفة للنص والمتغلغلة فيه عتمات كثيرة، وكوى الضوء الخفيفة لا تكفي لتبديد العتمة. والشعر على العموم لدى أندريه شديد هو شعر محو وعتمة، أكثر مما هو شعر اثبات بل لعله اثبات للمحو من خلال كلمات قليلة قلقة تكاد تنفجر بتناقضاتها، ولا تكاد تثبت شيئاً حتى تمحوه. ولعلها تغلّف كل شيء في النتيجة، كخلاص. (ومن أين؟) بالموت. تقول في قصيدة "من يبقى منتصباً؟" والمقصود من بامكانه أن يبقى واقفاً أو ماثلاً: "بداية امح اسمك/ ألغ عمرك/ بدد أمكنتك/ انزع جذور ما تبدو عليه/ مَنء يبقى منتصباً؟/ الآنك استعدّ اسمك/ ارتد عمرك/ تبنَّ بيتك/ اندمج في مسيرك/ ثم، من دون توقف: ابدأ من جديد". فاللحظات لديها مشغولة بالهدم ما إنّ تولد. بل اللحظات حبلى بموتها في حال ولادتها. ذلك ما يجعل شعر أندريه شديد شعر سيولة نهرية، وشعر نقائض في وقت واحد. فهي ليست مأخوذة بالوقوف، وقوف الحياة والعناصر، وقوف الأيام، الخ، بل بتغيرها السابق للمتأمل نفسه. ولكن بلا هدف محدد.. بلا غاية.. وأحياناً بلا رابط ولا عقل. وهي أيضاً مشغولة بالنقائض. بالشيء وضده. باللاموقف واللاوقوف. تقول في قصيدة "في كل مكان" (وربما عَنَت: في لا مكان): "ها أنا قارب عطوب/ ولكنّ أيضاً: صوان تصطدم به الشتاءات/ ها أنا روح في ضيق شديد/ ولكن أيضاً قلب يمتص العالم/ ها أنا في تحليق حر/ ولكن أيضاً عشّ من لحم/... ها أنا في انعكاسات/ ولكن أيضاً في جذور/.. ها أنا عصفور الطحالب/ ولكن أيضاً قارّة/ ها أنا ها أنت.. آه يا شبيهي/ في كل مكان.". هذه السيولة في الحال الشعرية لدى الشاعرة، تجعل جملها ذات انزلاقات واختناقات كثيرة. كأسماك في مسيل ماء قوي. بل تطرح عليها مشكلة العبارة ذاتها بعد مشكلة "الحال" أو معها في آن. لا أشك في أن الهواجس والأصوات، الكلمات والأفكار، تهاجمها وتفاجئها، هي المهيأة (شعرياً) لاستقبال ذلك. وفوضى الهجوم عليها من كل جانب (من خارج من الكون والوجود، الشارع، والمدينة، ومن داخل من ذاتها القلقة والحبلى.). هذه الفوضى تفرض نفسها عليها لكي تكتبها قصائد (هذا حتى لا نتدخل في رواياتها المميزة. المحتاجة لكثير من التروي والتخطيط وللتنفيذ السردي البطيء، على عكس الشعر المتحدر كانخطافات وبروق..). والمخاض لابد له من ولادة. ولادات قصائدها، على ما وصلت إلينا، تظهر عليها أحياناً آثار الدم الأوّل. لكنها في التأكيد، وعند اندريه شديد بخاصة، تظهر عليها هندسة النظر والتأمل والتركيب. فهي بنت الحرية والمفاجأة والمجهولية. نعم. إنما هي أيضاً بنت التنظيم والتأمّل. وربما اندلجت هذه الملاحظات في جسد القصيدة، الذيي هو جسد الشاعرة. بل هي مندمجة بالضرورة. لكن التحديق فيما خلف النص يشي بهذا المزيج التكويني بين الأبعاد. والشعر ينقضّ عليها، وتنقضّ هي به على الورثة، على صورة بروق وانخطافات. نسور تدق بمناقيرها الصلبة زجاجها.. وتعود مسرعة إلى الفضاء. وما على الشاعرة سوى الانتباه لنقر المناقير والتقاط شظايا البروق، والانتباه للانخطافات. وهي، من أجل ذلك، عاجزة عن أن تتقيد ببداية ونهاية، بغاية، بصورة، بل لعلها في انخطاف دائم. في هذا الانخطاف تختلط الصور، والتأمل يدخل في عكسه. وكل شيء يدخل في دائرة النار، دائرة الخطر، دائرة الكلمات (الشعر). تقول في قصيدة "تحت خطر الكلمات": "بـم تفيد الكلمات في مواجهة من يموت؟..../ بـم تفيد الكلمات في مواجهة مَنء يعيش؟..." ومن دون أجوبة شافية، تنتقل لتقول في قصيدة أخرى "الكلام أسير" حقاً: الشعر لا يشفي لكنه ضروري للحياة كالموت كالقدر كالحب والكارثة. ونرى من أجل ذلك كله، وسواه، صعوبة ترجمة هذه الشاعرة. فإنها في تعارضاتها الكلية واللحظوية تضعنا دائماً على عتبات الغامض والمجهول، بل قد تصل بنا في مراكبها للموت والعدم. ونستطيع أن نورد كلمات بمثابة مفاتيح أو شبه مفاتيح لقصائدها، من مثل: الموت، الحياة، السفر، النهر، الزمن، الدم، الصخرة، التواطؤ... الخ. لكن من بامكانه الامساك بزمام الريح؟ أو العاصفة. أو المخيّلة أو الهلوسات؟... وكأن كتابتها كتابة تنضج في الأدغال أو جوف براكين مفاجئة. والملاحظ هو أنه (وذلك أيضاً من دواعي الصعوبة أصلاً ونقلاً وتوسطاً)، ما ان نمسك بكلمة مفتاح، كالموت مثلاً وهو كثير الورود في القصائد، حتى نفاجأ بنقيضها: الموت يستدعي مباشرة تجدد الحياة، كما الحياة مباشرة تستدعي مفاجآت الزمان والتغير والموت. فمن أين وكيف تمسك بهذا الشعر؟ هي تقول في قصيدة "الانفراج": "نسوّي الموت في جوف حيواتنا" وفي قصيدة بعنوان "حياة" تقول: "تزدحمين بما هو منته وغير منته في آن واحد". والأمثلة على مثل هذه الثنائيات كثيرة، وتكاد لا تخلو منها قصيدة من قصائد الشاعرة. فالشعر عندها مغامرة في الوجود والجسد والكلمات بلا خاتمة، بلا نهاية. لذا فإنها تدور في الشعر من يحث تبحث عنه، وتنفيه من حيث تكتبه، وتعلم من حيث قصائدها والعناوين هذا البحث الدائم بلا أمل، بل العمل الدائم في "ورشة القصيدة". حيث لا يبقى سوى غصص السؤال، ومومأة الكلمات. وفوضى جمال الوجود ومأساته والشعر. أرأينا كم هو محرج وحساس تعريب قصائد أندريه شديد؟ وكم هو مغامرة ملتبسة كشعرها بالذات؟