وليمة قمر
أُمرِّر يدي على صفحة الباطون
فترتوي،
وأُمسِّدُ تجاعيدها
فتخضل أغصاني بما تعِد؛
بطاقة دعوة إلى درجات،
إلى خشبة مرئية،
ما يجمع المدعوين حول وليمة قمر؛
ورقات سمر في كتاب سهر
لكي تسع الرسوم كما الهواء،
الخارجين من مقاعدهم مثل الواصلين إليها؛
أُمرِّر يدي،
أمدُّها لشريكة في حفل.
أقرع، الليلة، على باب له مفاتيح كثيرة
من دون أن يفضي على الغرف نفسها،
وله ساكنون مؤقتون، ومقاعد معدودة،
في مواكب تنعقد، للتو، لمصافحتي
في حفل ختامي :
لعلهم يتذكرونني،
لعلي أنساهم من دون شفقة،
لعلي أحتفظ بمجد الغبار ونثر الصور،
لعلي لا أحسن غير تعداد العابرين العجولين الذين أفاقوا فوق دروبهم من دون جعبهم فانصرفوا إلى أقرب المساكن،
لعلي أطالب بما غار أو طار،
لعلي أعقد محكمة بمن حضر...
طالما أن القصيدة تتفقد ما يعبر فضاءها، ما يشغل مقاعد هواجسها، على أنه في مُلكها المقيم.
هذه الليلة صامتة كي أطيل النظر إلى
غبار النجوم وإلى وشوشات النهر المسرع إلى
سهرته. هذه ليلة الإصغاء إلى ما أودعه الراكضون وراء
صنادلهم في مخابىء الصخور، إلى
ما قالته له وما قاله لها من دون أن يدركاه، إذ
أنه كان غافلاً عنه، وغافلةً عنه، مشدودين مثل وتر بعد
انطلاق سهمه. هذه ليلة من يَفِدون من دون استدعاء، ومن يصلون فلا يعلمون ما يفعلون، ومن يبكون أو يقهقهون من دون استعداد، بمجرد جلوسهم إلى ما يعرض لهم، تباعاً، من مشاهد الخفة أو الشدة، المروية من دونهم، عنهم، بعد أن خلَّف
الفتى أختام صندله الكبير بين شتلات الذرة؛
والأرملةُ ديكَها، في موقدها، للصبية الضجرين؛
والمسنُ شُباكَه مضاءً حتى الصباح من دون أن تأتي؛
والقناديل المشعلة للقصيدة دروبَها. إنها ليلة القصيدة إذ تتبختر
في هيصتها على ما يخفى عنها وتنيره.
تدلف يدي إلى دفء رسائل يصحو تحت المخدات
وإلى ألق أزهار جفت في شقوق حيطان،
وإلى زمزمة شفتين تصلحان للنحت،
وإلى ما ترويه عيناها لساهرِين يعبرون أمام حَبَقتها،
وإلى أجوبة بقيت في صدور حالميها؛
تسحب يدي ألسنة غائبة،
فلا تعود من حيث أتت،
تبحث عن جالسِين إلى مطالعة،
يَلْقَون في ما يقرأون
بقعَ ضوء
تبعط في مخيلة.
ما أن جلستُ تأهبتُ
خشية أن يفوتني ما يربكني عن بعد،
ما أخافه من دون أن أراه :
إذ أصغي إلى ظلال الشجر أدركُ أن
راقصين يبكون من دون موسيقى،
وأن ساهرين ناموا في حكاياتهم،
وأن صبية شرسين يتلصصون لمباغتة بومة التعاسة،
ويبسطون وليمة لأفاعي الدهشة؛
أدرك ما يصالحني بجنة الخلاء
التي أحاطت بأصابعي قبل السماء،
ما يجمعني بنجمي البعيد
حيث ينعقد خيطُ القصيدة
مهما طال سطرُها :
هذا الدفق يرسم ابتسامتي فتنفرج أسرارها،
ويعبث بشعري إن سهوتُ.
رفاقي، الليلة، معي
هنا، الآن،
يحتفلون بما استقبلتهم به دفتا كتاب :
صبية، إذ يجلسون
يكبرون،
وإن من دون صبايا،
يسكرون من دون شراب،
ويزهون بما يثرثرون.
رفاقي، معي، غيابياً
لا ينفكون عن مناداة الفتى، المختفي فوق أغصان الشجرة، التي نظروا إليها من دون أن يروها، واستمعوا إلى حفيفها من دون أن يلمسوها،
طالما أنهم كانوا لاهين عنها بها؛
هي شجرة ما لا ينقطع في السرد،
ما يزين الرؤوس في طيرانها
ويطيل الأصابع عند التصفيق،
شجرة الرفاق الذين ماتوا من دون أن تموت الشجرة التي تحيق بهم
مثل الظهور الممكن، المتبقي، لنجم بعيد.
لكلٍ شجرته
لا يبارحها :
يقيم فيها،
تقيم فيه،
من دون انقطاع.
إذ تزهر
لا يبالي بقطافها،
إذ يسعى
تخف إلى استقباله :
صداقة لدودة أم عداوة حميمة؟
في آن واحد، من دون أن يكونا معاً،
في أول الطريق، يعدو جسده أمامه، يسابق قطاراً قبل وصوله،
وفي نهاية الطريق، لا يبلغ نهايتها، لا يصل طالما أنه يحمل شجرته.
أَتباعدت النجوم أم قَلّتْ؟
أصغرتْ الأرض وقد كبرتُ؟
ألأنني قلبتُ طبق السماء على طابخيه لم أجد وليمة تشغلني أبعد من مرمى لساني؟
هل أحرث أرضاً لغيري طمعاً برائحة الأرض وحسب؟
هل تستكين البيوت، الليلة، مطوية في قصة أطفال، بناء لرغبة خافية على كاتب؟
هل يتندرون بما آلت إليه خطواتهم فوق الدروب، بعد أن كانوا يخرجون من أهلهم عندما تؤوب الدجاجة إلى قِنِّها؟
أيتنزهون أم ينقبون في ما تتباعد صورُه ويبقى طعمه في الذاكرة؟
هل يتحققون في الليل من شهية الصباح؟
الشجرة التي رسمتُها عن ظهر قلب
استطالت فقط في أصابعي،
أبحث عنها فلا أجدها،
أتوجه إليها فلا أتقدم.
لا يزال الدرج منصوباً بين نهر وبيوت،
ساحة وهمية
بين غبار وانتظار،
نادياً يومياً
لمن يذاكرون نهاراً ما تعلموه ليلاً؛
من أقاموا لوحاً بين البيوت العالية لألسنتهم الطويلة،
من جرَّدوا الإجاصات من شجرتها، قبل نضجها، بمجرد أن لمعت تحت ضوء القمر،
من استظلوا السماء معطفاً رقيقاً لتجوالهم الليلي
وتلصصوا من دون أن يروا،
من سرقوا طلباً للسرقة
وأقاموا للدجاجة رتبة المصلوب؛
من رسموا مصائر مخلوقات
بمجرد أن علوا فوق درجات ورتبوا للبيوت صوراً في دفتر عطلة،
بمجرد أن جعلوها محلاً لمعاينة
كبروا وتعلموا :
تكون الأشياء بمجرد أن أسقطوا نظرهم عليها،
وباتت لها أسماء أكيدة؛
يكفيهم أن يروا لكي تكون،
وأن يسموا لكي تكون.
لنا أن نطوي الليل خفافاً، من دون شفقة
أن نتغاوى في المشاع ملوكاً من دون حرس
ما دامت لنا أعضاء تستطيل لكي نقيس بها فحولتنا،
وشعيرات نحلقها بمجرد أن تنبت،
قبل أن نشتُم القمر الذي يكشف مواقعنا،
ونرخي البارودة على الكتف، يوم الأحد؛
لنا أن نروي القصص التي وقعنا على عناوينها،
وأن نقود غيرنا في مرابع بيروت التي اطلعنا على أسمائها في "الشبكة"،
لنا أن نكح، وحدنا، في الحمام عند تدخين شتلة ذرة،
أن نعيد ترتيب شَعرنا في غير شكل
وأن نجلس إلى صخرة، ساهمين، مثل جبران يحادث عناصر الطبيعة.
يدا أمي تُلوحان من بعيد
ما أن أطلقتني أفادتني بأنني الأبهى بين الذكور.
نظرات أبي ترعاني مهما بعدت،
تسلمت منه أثمن ما في العائلة : وصية جدي له،
وصية الآمال المستحقة.
لا يسعني الوقوف حيث تنتظر أمي استقبالي،
فدرجي لا يصل،
يفضي وحسب على فجوة هي أقرب إلى منفذ نجاة،
لا إلى نجمة ميلاد.
شاشتي مضاءة في هذه الليلة
ينقادون إليها، بالصف،
صاغري الرؤوس، كتومي الألسنة،
على أن في هيئاتهم ما يشيع توبة مبهمة.
ففي كل عودة اعترافٌ مستحق،
وغفران مستحق،
ومسرحية بليدة،
طالما أن الممثل الواحد اندس في كل دور
تحت نظر غيره،
وأن الملقن غفا في مقصورته...
في هذه الليلة يكتفي الجالس في عتمته
بإنارة الخشبة،
بإقفال شباك التذاكر،
بالبكاء صامتاً
بعد أن قرأ الوصية :
ترث مني :
أن تكون.
الدرج يؤدي إلى أي مكان
إلى القصيدة حتماً،
إلى دروب تنبسط بين مروج سوداء،
يسلكها الوارث قبل القارىء؛
يرثُ ما يقع بين الرغبة واللسان،
بين الصندل والفضاء،
بين التجاعيد قبل أن تنكمش على وعودها، والتقطيبة التي بين الحاجبين إذ يتيقنان من أن الدرب أبعد من خطوه، والجعبة منفوخة بزاد قليل.
لهذا المتصاعد صوب سماء الحظ
تقترب الجبال،
تنحني الأشجار
لكي تسمع نداء الطالعين صوب الرشد؛
يلهون فيما يصممون،
يصممون فيما يلهون؛
جديون في لباس مقامرين،
ومقامرون من دون عملة نقدية :
نستقبل ما لا نعرفه،
وما نصبو إليه لا يقع بيننا،
بل أبعد منا؛
نصرف الوقت من دون حساب،
فيما نظن أننا نعمره،
نلعب في بيوت صغيرة من دون كلفة أو جيران،
ونتدافع فيما نظن أننا نصل.
***