الشـــــــارع
(مقاطع)
هواء يَعبر
فلا يزور أحداً،
في ممر ضيق من نثر خطوات،
ومن حقائب مفتوحة على خوف:
ألهذا خرجوا إلى الشرفات،
أحصوا أحلامهم على أطراف أصابعهم،
وانتظروا وديعة مؤجلة من ليلة البارحة؟
القصيدة تتفقد مواضعها
وإن تعبثُ فيها،
تنزع رؤوساً من قبعاتها،
تستعطي ألفاظاً عند منعطف المفاجأة،
تموتُ مراراً،
تَعِدُ مراراً
برنين الاستعارة
وزهر الهواء.
أرسمُ فوق الصفحة سطراً
لمارة غافلين،
وأدعُ الحاسوب يتحرى
عن أصابعي فوق الحيطان
(...).
لكلٍّ أندلسه الضائع
يصرف أياماً بعملة بائرة،
ويغيب من دون مناديل.
عين تتأنى في مَشْيها فوق حبال من هموم،
وأخرى تُسقط ستائرها كي ترى:
أهي رزم الرحلة لم يبادر أحد إلى استلامها
أو تنكرَ لها قبل أن يراها؟
لا أكتب ما جرى،
بل عما جرى
عما يتساقط وأُداريه
خافتاً مثل بصيص ضوء؛
صياد كنوز، أَقلعُ صخوراً
من دون جدوى،
وأستريح لشاردةٍ فوق غيمة:
أيها اللفظ لا تقنعْ بما حصل،
ففيكَ ما يبني حياة معطلة،
أو خافيةً مستلقية،
وفيكَ ما يرمم خلوات خربة
استكانت لغبارها
في وحشتها!
تيسيرٌ فصيح لما لا يُروى.
ضفتان من غبار منير، لأحذية تخبط في غبشٍ
بتصميم القائد في خيمته،
لنظرات تتحفز في مشيها
في أروقة من دون مظلات،
من دون مقاعد تقي من مطر داهم،
من دون شرطة حدود
لعابرين، قاطنين، مقيمين على سفر،
رافعين أناشيدهم لأعلام ممزقة،
وبصورٍ مثل لقى
تتناقلها الأيدي
بأناة المنقب عن لفح غائر؛
خشبتان من دون كراس
لعروض من دون مخرجين،
لممثلين من دون مؤلفين،
لكوني أنصب شاشة
تتقافز فوقها صورُ غيري
ما أن أدير ظهري لها
(...).
سطرٌ له جانبان:
ما يقع في الباء،
ما يقع تحت النون،
وله قلمان،
من صبر وهواء؛
صبرٌ للذين وضعوا في براويز قصاصات جرائد بالفرنسية والإنكليزية ورفعوها على حيطان يشخصون إليها كلما شخصوا إلى السماء، من دون أن يُحسنوا قراءتها بالضرورة، فيطالعونها عن ظهر قلب،
براويز لحجج عقارية باتت جغرافية،
ول-"بدروس" بلحيته المنسقة المدهونة،
ولمسيحٍ أقدم من مسيحِ غيرهم،
صبرٌ للذين يتجولون في خواتمهم وعقودهم وسبحاتهم السوداء المرقطة، كما في فنجان صباح، في متحف جوال بين أيديهم، بين عيونهم بأناة الآثاري الذي يستظهر في الكسور ألقَ الخسران،
صبرٌ من قوس قزح لمن يتحادثون بالأرمنية فيما بينهم، ويصرفون العربية بها مع غيرهم، وللمسنات إذ أقمن مدارس من دون أحواش، وثرايا ونجوماً فوق الترانزستور لصباح ولعبد الحليم ول-"نزهة" يوم الأحد،
صبرٌ حجري لمن واعدوا بيوتاً بالعودة إليها، ونوافذَ بفتحِها من جديد، بعد أن تركوا ركوة القهوة على نارها، وأحلامَهم فوق أسِرَّتها، وحسبوا دروب التيه بعد انقضائها ندوباً جافة وودائع راجحة في تاريخ له ميزان،
صبرٌ للصابرين، وصيةٌ مستحقةٌ وإن من دون سداد،
صبرٌ له أوراق تزيد، وبداية معلومة،
صبرٌ لعابري نهر بيروت، بعد أنهر عديدة، ينتقلون فوق أحجار قلقة وإن متتابعة، مثل هذه القصيدة:
استقروا فيها قبل أن أُقيم فيها،
فكانوا المتوطنين وكنتُ الغريب.
بنايات من دون مداخل،
شققٌ فقدتْ مفاتيحها،
ونسوةٌ يقتعدن كراسي واطئة في فسحة بين انتظارين،
بين بابين،
ما يكفي لعبور عجول
بين بقج من قماش وحقائب مثقوية،
لعبارات قليلة فوق رصيف وصول؛
خزامى بين ألبسة مطوية فوق سطوح هاربة،
وأسماك جافة تبعط في ماء من أخبار،
أفرشةٌ قديمة على أسرَّة حديدية جديدة،
ما يعلو بأجساد النازلين من القرى،
أقرب إلى صور فاتنة
عن أحلام يقظة،
النازلين من دون أن ينزلوا،
القاطنين من دون أن يتوطنوا،
الممسكين بمفاتيح ولاداتهم أمام عمارات الغموض،
الخائفين، القابضين على رؤوس أطفالهم مثل بقجة،
الذين حمولني إلى "خليل البدوي"،
إلى حيث لا يعرفون،
الذين شكُّوا صورَ أجدادهم بطول أعمدة "النيون"،
العاقدين بطولاتهم في مرج الخرافة،
الرافعين بيارق فوق قلوب منفوخة،
المتدافعين وراء "ترامواي اسمه رغبة":
ترامواي فوق سكك
مترامية في ظن
مشتعل للساهمين في
حكمة الغبار وذهب العنب
بنزق الفراشات لمن انخطفوا
فوق كراس من قش إلى
سينما مشدودة على غيمتين.
الهواء يَعبر
بين أصابع قابضة على أصابعِ غيرها،
فوق ألق السيارات المبعوج،
تحت دعسة اللاهية بتنورتها المنفوخة،
في شرشفها الخالي،
بين سيقانها فوق بلاط الروزنامة،
لا يبالي الهواء بالهواء،
ولا بجالسات تحت ضوء سيجارة
يتفقدن إبرة في قش حكاية،
فمن أين لهن أن يرتقن مريولاً أسود وياقة بيضاء؟
الهواء يعب بيديه،
يراوغ،
هواءٌ غيرُ الذي عبرَ...
أسكنُ في عيني
في صالة عرضها،
لا في فراش يختفي في النهار
(...).
ملعبي المفتوح أحوشه بيدي، وفق قامتي،
أبسطه غابة أو خريطة،
وأطويه كيفما شئتُ،
من دون أن تُمسك الطيور عن طيرانها،
ولا الينابيع عن جريانها،
في سفري المكتوم؛
أرددُ على أطراف أصابعي جملاً تتلفظني،
وأستوقف صوراً في سريانها،
وأدس في شنطتي شخوصاً أنتزعها من كتبها
ما يكفي لوديعة مشعة، لفيلم
يعبر فيه الممثل شاشتَه ويختلط بالجالسين،
يعبرُ عتبةَ ما يصل وما يقطع
بين جسدي والهواء؛
أخرج من عتمتي إلى ظلال ساكنة
بين شقة وسُباب،
إلى ألفاظ أرمنية على حائط،
إلى أصوات وحركات أتعقبها
بعيداً في مخادعها،
فأعتادها
وتعتادني
في عالمها اليومي المبهم؛
من دون أن أبرح مكاني
أتجول،
بثقة المتنزه في بستانه،
وخفةِ الفراشات في أعمالها،
ولا أبالي بقبعة جابي الكهرباء...
كسورٌ محفوظةٌ من دون جهد،
نقوش تلقائية،
ما أن أرمي نظري عليها
تستفيق،
فوق خشبة طافية على زبد
وتُباشر يومها في شاشتي،
رذاذٌ أسود على بياض معتكر،
قوارب من دون بحارتها تصطاد
سمكَ الصدفة، طُعمَها الأخير،
متروكاتٍ غافلة عن أصحابها ورسالةً في زجاجة
وَصلتْ للتو من سفينة غرقى:
قفا نكتب على بحر،
إثر هبوب النثر،
ما يصيب الغرقى بعد غرقهم،
من أنتشلُهم، هم أو غيرهم،
بأصابعي القلقة؛
أصابع، مجاذيف،
خَدَمٌ لمائدةِ كلام،
لفُتاتٍ يذيعُ تخمة طابخيه؛
كسورُ صورٍ لسينما صامتة،
ترتوي ما أن تدور
في أقداح الساهرين،
في أحداق الساهمين،
تروي بالأبيض والأسود
حكاية الرأس الذي طار
من الإطار، من دون أن يشقى؛
ورّاقٌ إلكتروني
لبدل عن ضائع،
لِشَبَهي إذ انضم إلى جموع،
لما يَسبق الجملةَ إلى تمامها
ولما تسويه إبرة خافية بغرزات الهواء.
أخرج من البيت من دون سبب
بقدمَيْ العارف في دفتر خطاه،
في شبكة خافية من كلمات متقاطعة،
تقرأها عمودياً، أفقياً ومبعثرة:
جِدْها مقلوبة على قفاها،
في تصريف الأفعال على وزن النزوات،
في لفظ فرنسي ساحر على شفاه حمراء،
في غُرَّة إلفيس على زجاج شاحنة معطلة، في فسحة بين ساقَي مارلين لتنزيلات "النوفوتيه"،
جِدْها معكوسة:
في معمل ثلج لحناجر وسخة،
في معمل ورق لأكياس حاجة،
في ميكانيك خفة الحركات،
في تشحيم عضلات الحلم،
في أَكْسِسْوارات ليل عانس،
في نعال في ماء في تنك،
في مسامير بين أسنان مشدودة،
في أحذية ليوم الأحد
وأخرى لأقدام بعيدة؛
جِدْها في اشتقاق الخطوة من جذر المَيْل.
أصصُ زهر لأعياد مؤجلة،
غسيلُ صباح وسخ،
جدلُ باعةٍ لا ينقضي
مع ملائكة المساء
وزمور كاز،
مغارة "الميلاد" زادت شخوصها،
والشنطة التي أَعدها والدي لي
خَلَّفْتُها لأخي،
وعلوتُ صفاً في نومي؛
بقعٌ في منظر، نتفٌ من حوار،
أغانٍ بقيتْ ألحانُها من دون كلماتها،
وطعم "البيبسي" منعش في حَلْق النسيان؛
علامات، أصداء، نجوم هاربة
في سماء غياب،
لا تكفي لشرح الحماسة في العيون
إذ ترتد إلى الخلف،
إذ يمضي الهواء في غِيِّه،
من دون كلل
أو ندم.
دواليب هواء تدور بمقادير،
توزع ما تجمعه
فوق لهوِ دراجات،
وتبذر ما تجنيه
على هوسِ شبابيك؛
دواليبٌ لباحات مواعيد،
براعمٌ تؤجج قفيراً
وترتد على أعقابها إن لم يُمسك راقصٌ بخصرها،
دواليبٌ راجفة، ممزقة،
أنهكَها طولُ الانتظار؛
دولاب على شرفتها،
لا في غرفتها،
من دون أن يبلغ النداء أحداً
غير الهواء...
ألفٌ بنقطة سوداء فوق سطر شجرة
خضراء مثل برتقالة،
لطخةٌ مشرقة لمن دخلوا إليها وما ظهروا فيها،
أليافٌ شرايينُ ورق،
وهذه العبارة لا تكفي لِسِعة هواء،
غصنٌ، جرس من دون رنين،
أمام بابها،
وعصا مايسترو لجوق على قدمين،
دفلى لبركة في حديقتها
ترتوي من أصفر المشاة،
ميموزا خجلى في فسحة من باطون
وحديدٌ مطروق لحلم صدئ:
أَتعتني بوردتها
على شباكها
أم بغبار شباكه؟
دولابٌ مثقوب لأيام تدور
ولمعان سيارات لليل التشهي،
قمرٌ يقع في كوب انتظار
من دون مشقة،
وسطوح لمطار لا تقلع طائراته
إلا ليلاً.
تعلو تنورتُها سور الحديقة كي أرى
تعلو ألوانُها الصارخة أسلاك الخشية كي أندس فيها،
تعلو فأعلو بها،
بما يكفي بهجتي السرية:
أُجامعها في الهواء
وأدعها للهواء؛
فمي على فمها: "باصرة"؛
فحلي أبيض
لماعز ليلها الأسود.
هواءٌ لصباح العجولين، النهمين
إذا وصلوا تعبى،
هواءٌ لليلِ المتراخين خلق ذقونهم النابتة إذا أمسكتْ زوجاتهم عن التطريز
ووصلوا تعبى؛
مَرِنٌ،
مُناورٌ،
نحاتٌ عابرٌ
في فضاء النظر؛
هواءٌ للشاعر:
سيد،
أعزل،
يقيم في ثنايا القصيدة،
أمام مدفأة،
ما أن يرمي قطعَ الخشب فيها
تحترق،
فُتحتُها تفضي على فضاء
فيعاملها بيأس المحارب خلف سهمه
مثل خطاط ياباني أمام نقطة حبر أخيرة.