تكاد أن تكون قصيدة أنسي الحاج بداية تامة، غير مسبوقة، طالما أنها مفاجئة، شديدة الاختلاف، مع ما سبقها. الشاعر الذي بدأ بجملة واحدة على سطر: "أخاف"، لم يكن متهيباً أمامها مثل عبدتها الكثر الذين يخشون حتى من مداعبتها الخفيفة.

فرداني شعرياً منذ ضربته الأولى، فلا يحيل على غيره، بل يقطع معه. قد نجد في قصائده الأولى صلات بشعر نقولا قربان، المجهول والمضيء في الشعر اللبناني الحديث. قد نجد له صلات مخففة بأناقة اللغة عند أمين نخلة، وإن يبتعد عن ريفيتها المتغاوية بنفسها أو بجمالها الساكن. إلا أننا نجد في شعره، بشكل مؤكد، البدء الفرداني، المديني، لما كانت عليه لغة جريدة "النهار"، بوصفها مختبراً وتجلياً للبنانية حديثة متحررة تماماً من لغة الفقهاء والديوانيين. بل هو المُنْقلب العصبي لهذه اللغة.

ما كتب إلا بنزق، أو باكتناز، بعد أن استرسل لوقت في غنائية "رسولية" لم نعتد عليها، لا في بداياته ولا في نبذاته الكثيفة لاحقاً. كتب لنفسه في نوع من العيش في اللغة وبها. إنها تعبيره الوجودي. هذه قوته، وهذا امتناعه عن غيره، أو صعوبة وصوله الى غيره.

لهذا هو مثل كثيرين، قبله وبعده، لم يُعرف عربياً إلا بمقادير محدودة في العقدين الأخيرين، ما يشير الى أن فرادة بعض الشعر اللبناني بقيت سباقة وغريبة، مثل ماضي الأيام الآتية.
وهو إن كتب فلقارئ، لا لجمعٍ أو قضية، ولا لتوجيه إرسال أو رسالة، ما جعله غريباً ونادراً.
أنا أحد هؤلاء القراء ولا يسعني، إذ يغيب، أن أغيِّب فضله العميم على تجربتي، إذ يعود له الفضل في نشر قصيدتي الأولى في "الملحق" في نهاية صيف 1971: كنت أنتظر ورودها في الصفحة الثانية المخصصة للقراء بعد صفحة الغلاف، فإذا بي أجدها في الصفحات الداخلية لـ"الملحق" مع قصائد ومقالات كتاب معروفين.
لهذا أقول إنه «مكتشفي». هذا ما جعلني أتجنب اللقاء الشخصي به، سواء في بيروت أو في باريس، ثم في بيروت. إذ طلبت دوماً الاحتفاظ بلحظة الامتنان الأولى، الحارة، الدافقة، من قارئ الى من كان يمثل في عينيه، ولا يزال: الشاعر.
(جريدة "المستقبل"، بيروت، 19 شباط-فبراير 2014).