(هذه تحقيقات مختلفة في سياق رحلات بين أميركا وفرنسا واستانبول، نُشرت في جريدة "الحياة" في مطالع العقد الأخير من القرن الماضي).
شيكاغو: بحثاً عن "الهويو"
لم يساورها شك في أنني أتكلم العربية، غير مبالية بالجريدة الفرنسية التي تتقدمني في الصف الطويل لـ"الزائرين" في مطار أوهارا. لعلها كانت جزعة، لا تحسن فعلاً أمام ما ينتظرها، سوى أن تبادل غيرها همها، فكيف إذا كان يقوى على مساعدتها.
* لو تحادثهم بدلاً عني...
ثم أتبعتها بجملة أخرى:
... وتتصل بابنتي في ميشيغان.
عيناها زرقاوان، من الزرقة الحادة، ما جعلهما نافرتين أكثر مع المنديل المحيط بوجهها. هيئة محتشمة، على الرغم من القبقاب الخشبي في قدميها. وكان لها أن تدفع بكيس بلاستيكي بقدمها اليمنى، بعد أن أثقلت اليدين بكيسين عامرين. عادت إلى صفها المجاور بعد جملتيها، من دون أن تنتظر جوابي. ثم ما لبثت أن اقتربت مني، وحدقت فيّ متفحصة:
* هل أنت لبناني؟
- نعم
* من أين؟
- من الشمال.
بلعت ريقها بانتظار إيضاح اضافي: لعلها كانت تفضل أن أجيب: من الجنوب، ذلك أن الشمال غامض، ملتبس، متعدد الاحتمالات والانتماءات.
* هل كنت معنا على طائرة "أليطاليا"؟
- لا، أنا قادم من باريس.
ما كان لي أن أسعفها بعد أن دفعت بورقة مكتوبة إلى الشرطي بمجرد أن شرع في أسئلته. كانت تنظر إليه بحنو من دون أن ينتبه إليها، بل إلى أوراقها بين يديه، مثل بريق عيني الفتى الأرمني في المشهد الأخير من فيلم "أميركا، أميركا" لايليا قازان، وهو يودع خلفه صور الاقتتال في السلطنة العثمانية، ويتلهف للعبور إلى "العالم الجديد". كانت متلهفة هي الأخرى لعبور ذلك الخط الوهمي، على الرغم من ماديته الفجة والمتينة، ما يجعل للأراضي حدوداً، وللحدود علامات وأختاماً. ما كان لي أن أسعفها لأن شرطياً آخر أتى واصطحبها إلى مكان يقع خارج نظري في "دولتهم": اكتفت بأن نظرت إلي نظرة كسيرة، من دون أن أتبين ما إذا كانت صاغرة لما يحدث لها في الترحال، ولما يواجهها من شكوك وارتيابات، حتى لو كانت لا تحسن سوى الابتسامة الهائنة، واهتزازة الرأس المشفقة لأم تتحرج من هذه الأوضاع الصعبة.
ومع ذلك تبدو حركة الشرطي خلف زجاجه آمرة، أكيدة من فعلها، مثل حركة شرطية المرور التي تشير بيدها إلى ما لا تشك في أنه شارع، لا الأرض التي كانت قبل نيف وقرن. لا يرقاها الشك مثلما لا يرتاب "الأسود" الناعس فوق كأسه البلاستيكي في كونه سليل هذا المكان!
---
متسكعة أمام باب "كنيسة بطرس الكاثوليكية للأخوة الفرنسيسكان" هانئة في قعدتها: تدير ظهرها إلى الباب من دون أن تخشى خروج أو دخول أحد في هذه الساعة الصباحية، تدخن بيد سيجارتها، وتحمل بالأخرى كيساً صغيراً تذر فيه الرماد. أمام الباب الآخر زنجي طويل اللحية يسند عكازه بيد ويهز باليد الأخرى في حركة آلية علبة النقود: ما قلَّ ودلَّ من الحركات.
كان عليّ أن أجتاز غير ناطحة سحاب وغير مقهى ومحل مجوهرات قبل أن أرى متسكعة ثالثة رفعت ورقة تشرح فيها حالها من دون أن أعرف ما إذا كانت سمنتها أو سكرها هو الذي حال دون وقوفها.
ثلاثة فقط في "ماديسون ستريت". وقد تباهى فيه المصرف، "فيرست شيكاغو بنك"، كونه "المصرف الوطني الأول في شيكاغو": بنايته أشبه برافعة فَخَار، إذ تبدأ عريضة في قاعدتها ثم لا تلبث أن تدق في طوابقها العليا مثل شعلة مفتونة بنارها المتوقدة. الشارع مترف، نظيف، حتى أنني وقعت في يوم لاحق على عامل تنظيفات لا يتوانى عن إزاحة بعض الأوراق والنفايات في زاوية من الشارع بخرقة صغيرة في يده، كما لو أنه يكنس مصطبة بيته.
لن أجد فيه، إذاً، ما يدلني على "الهوبو". لن أبحث عنهم بعد أن شاهدت في الليلة الثانية لوصولي إليها، على شاشة التلفزيون، إعلاناً عن فيلم جديد: "وحده القوي يبقى على قيد الحياة"، على الرغم من أن سيارات الشرطة تؤكد (كما كتب عليها): "نحن هنا لنحمي ونستبق (المخاطر)".
تبدلت الأيام واختفت صور أيام زمان. لا أثر لها في لمعان الزجاج وبريق المعدن، وهما يتطاولان في العمارات، ولا في ملامح الغادين والرائحين المربوطين إلى حقائب "السمسونايت". انسحب "الهوبو" من "ماديسون ستريت" إلى الضواحي القصية، أو انقرضوا مثل غيرهم في هذه الأراضي التي بدت في غير مرة مثل ساحة مكشوفة لعراك بقاء بين الجماعات، على الرغم من كونها واسعة وخيّرة. فمن هم "الهوبو"؟
حين سألت موظّف الاستقبال عنهم لم يحسن جواباً، لا بل حار في أمره حين كتبت أمامه: Boy-Hoe، ما معناه في الاستعمال اللغوي الأميركي في منتصف القرن التاسع عشر: العامل الزراعي الموسمي، أي الذي يستعمل المجارف في الحقول. وإذا عرفنا عن أميركا، ,لا سيما في السينما، صورة راعي البقر والباحث عن الذهب والكاشف–الباني للأراضي، فإنّ علينا أن نعود إلى الأدب خصوصاً وإلى دراسات علم الاجتماع للتعرّف إلى صورة "الهوبو".
يكتب الشاعر الأميركي وولت وايتمان في العام 1956 في "نشيد الطريق الفسيحة": "حافي القدمين، خفيف القلب، أنتهج الطريق الفسيحة. في هيئة جيّدة، كاشف الصدر تماماً، العالم أمامي. أمامي طوال الطريق السمراء المؤدّية إلى حيث أشاء". الحركة رشيقة والدرب عريض، ما يكفي لأن يتوجّه حيثما حلا له التوقّف والتنزّه والنوم. صورة قريبة من صورة "المشاء" التي صاغها بودلير في السنوات نفسها عن "المصوّر الحديث". إلاّ أنّها عند وايتمان رعوية، تحكي هناءة العيش ومتعة النزهة. مَنْ غير الشاعر يحلم بطرقات من دون علامات، ببلاد من دون أختام شرطة الحدود؟
حين انصرف عالم الاجتماع الأميركي أندرسون في العام 1923 لوضع دراسته عن "الهوبو" عاد إلى سيرة أبيه، وإلى سير كثيرين من أمثاله، ممّن بنوا أميركا وجنوا الخيرات لأسيادها الجدد بين إغفاءة وأخرى على الدروب، وبين زنزانة وأخرى. وحين عاد أندرسون في العام 1961 لنشر كتابه من جديد، وقد بات "المعلّم الأول" لما سمي "مدرسة شيكاغو" المميّزة في علم الاجتماع، تذكر أنّ والده كان يتباهى أمامه كونه "تعلّم فنون السفر وحيله كمسافر غير شرعي في قطارات البضائع". كما أضاف أندرسون: "لم يسمع والدي طوال حياته بوولت وايتمان، إلاّ أنّ طريقة الشاعر في تصوّر الطريق من دون علامات ما كانت تختلف عن طريقته".
كان "ماديسون ستريت" حيهم منذ 1850، لا بل نقطة التقائهم بالأحرى، ذلك أنّهم تجنّبوا الاستقرار دوماً، والركون إلى محلة ثابتة أو إلى مهنة دائمة. وإذا ما وقعت، اليوم، على تجمع أمام البنايات الشاهقة، فذلك لأنّهم حُرموا متعة التدخين في المكاتب!
لم تكن شيكاغو حينها سوى آلاف معدودة من السكان، بعد أن حطّ الرحال فيها عدد من الأوروبيين، وبنوا في العام 1803 "قلعة ديربورن": أقاموا القلعة على ضفاف بحيرة ميشيغان، في المكان عينه الذي اختاره الهنود الحمر في ما مضى مقرّاً لنقل المراكب. مركز وصل وعزل، ما أهّلها لأن تصبح صاحبة أوسع خطوط حديدية في العالم، إذ ينطلق منها 27 خطاً.
لم يكن يبلغ تعداد سكانها في العام 1840 سوى 4470 نسمة، وتجاوزت الثلاثة ملايين ونصف المليون في العام 1925. بين هذين الموعدين استوطن بعض المهاجرين و"تأصّلوا" في المدينة، وباتوا سكانها "الأصليين"، فيما ظلّ بعضهم الآخر متنقّلاً من دون جذور وأصبحوا... "الأجانب" المعروفين في العمل الزراعي الموسمي. ألا تقول أغنية "الهوبو":
"يعبرون الحقول،
يقشطون رغوة الأمواج،
يتسلّقون حتى قمم الجبال،
على سيمائهم لعنة الدم المترحل
ولا يحسنون الاستراحة"؟
توافدوا إلى شيكاغو، مع تنامي دورها في الاقتصاد الأميركي، حتى أنّها باتت نقطة تجمّعهم الأولى في الولايات، ولكن من دون أن يندمجوا فيها، ولا في الدورة الصناعية–الآلية التي كانت تنتظم في سنوات النهوض والبحبوحة حتى العام 1929، سنة الأزمة الاقتصادية الشهيرة. كانوا يكتفون بالخيم في الوقت الذي كانت ترتفع فيه البنايات الشاهقة، بل انتبهوا إلى تنظيم مجتمع مغاير ومقابل، له قواعده وممنوعاته:
"1- عدم إشعال النار في المخيّمات المعرّضة "لكبسات" البوليس المفاجئة،
2- عدم سرقة الناس أثناء نومهم،
3- عدم جعل المخيّم مستقرّاً للطارئين المعتاشين من فضلات الطعام،
4- عدم تبديد الأكل أو رمي ما تبقّى منه،
5- غسل الطناجر وعدّة المطبخ بعد استعمالها،
6- عدم الشروع بالطبخ قبل جمع الخشب،
7- عدم إتلاف أو تدمير عدّة المخيّم".
مجتمع منظّم ولو أنّه قائم على التنقّل، على عدم الانضباط، على علاقة متراوحة بين العمل وعدمه، لخّصها أحد "الهوبو" في قوله: "يشتمل هذا النوع المترحّل على ثلاثة أصناف: الهوبو، المتشرّد والمتسكّع. "الهوبو" يعمل ويتنزّه، المتشرّد يحلم ويتنزّه والمتسكّع يرى ويتنزّه". أنا متسكّع، إذاً. ولكن أين لي أن أرى ما اندثر؟".
لقيت بعض وجودهم في صور فوتوغرافية قديمة، مثلما لقيت بعض "البدو العرب" إلى جانب سويديين في فيلم وثائقي عن المدينة أعدّته "جمعية شيكاغو التاريخية"، ويعود إلى العام 1893. لقيت وجوه بعضهم في هيئات من يسمّيهم معرض الجمعية الدائم "المتمرّدين" و"محدثي الفتن". وجوه ذات ملامح قاسية بخلاف الرؤوس الحليقة تحت قبّعاتها في صور عن "المعرض الدولي"، الذي استقبلته المدينة في 1893. علينا أن نطيل التوقّف أمام هذه الوجوه وغيرها، لكي نتبيّن حقيقة الجهود والطموحات التي طمع بها بناتها الجدد، ودفع ثمنها الملايين ممّن تقاطروا إليها جرياً وراء الذهب أو أطياف الغد الجميل، أو "الانبهار الكبير"، حسب تعبير معلّق الفيلم الوثائقي. ولكي نعرف أيضاً عصبة الشعوب العجيبة، لا بل خلطتها الهائلة، فوق أراضي انتهى أصحابها الأصليون بريشهم الملوّن ومعاطفهم ذات المفردات الزخرفية إلى قطع متحفية من الفنون القديمة في "معهد الفنّ" في شيكاغو.
اختفى "الكابوي" من زمان، ولكن بعد أن نزع مسدّسه وشهر بدلاً عنه التلفون المتنقّل: ذلك يسدّد عن قرب، وهذا عن بعد، يكتفي الأول بمواجهة علنية، ويطبق الثاني بتوجيهات رقمية إلى البورصة على معاشات بكاملها، وعلى حيوات ربّما.
تلقاه في "ماديسون ستريت" وفي "نورث ميشيغان أفينيو" خصوصاً، بين ناطحات سحابها المخصّصة للخدمات والشركات، لا للسكن. “Money Boy”، أو راعي المال الذي يعمل في خدمة أحد السادة، ممّن لا أرى وجهاً لهم، إذا كانوا يعبرون في سياراتهم السوداء ذات النوافذ السوداء. سيارات مديدة الطول أشبه بباصات، ذلك أنّها مكاتب متنقّلة، مثل انتقال المال في أيامنا.
في مدى الجادة الشهيرة، وهي أشبه بـ"الشانزليزيه" الفرنسية، على الأرصفة، صناديق معدنية لشراء الجرائد، في هيئة موزّع آلي. يأخذها العابر في حركة آلية هي الأخرى، قريبة من الحركة التي تدفع الموظّفين إلى النزول من مكاتبهم والدخول إلى المقاهي وشراء فناجين القهوة المتنقّلة.
لا يستوقف العابرون العابرين، على الرغم من تشابه ملابسهم وحركات أجسامهم، ويعبرون الجادة متبادلين نظرات التجاهل مثل النوافذ السوداء المغلقة للسيارات الفارهة. وهم أقرب في ذلك إلى خطوط الاتصال الهاتفي: خطوط معنية بالاتصال، إلاّ أنّها تتجاوز وتصطفّ وتتقابل من دون أن تتلاقى.
حركات عابرين في مدى مؤقّت. حركات توقّف مؤقّت، لشراء وجبة الأكل السريعة، لمقيمين أشبه بالمسافرين. ذلك أنّ التنزّه في الجادة مختلف في الليل عمّا هو في النهار. أرى ياقات حمراء فوق بناطيل سوداء، إلاّ أنّني أجد أيضاً مراهقاً يمعن في محاورة عجوز مسنّة لا تفتتح عينيها أبداً، وذلك على حافّة بناية عملاقة. أمّا الأبواب فمغلقة في صورة محكمة، من دون أن يدخل إليها أو أن يخرج منها أحد!
إلاّ أنّ اللافت، لا بل الطريف في شيكاغو، هو المفارقة بين صرامة الجادة وخطوطها المستقيمة وطرافة الأشكال المعمارية التي تعلو فيها. بنايات شاهقة، إلاّ أنّها تجد في ارتفاعها عن الأرض سبباً لابتكار في الشكل، حتى أنّني رأيت، في معرض يستعيد بعض نماذج شيكاغو المعمارية، على لطائف في المعمار، موضّبة في مجسّمات، أشبه بـ"الرسوم المتحرّكة". مثل المقترح المعماري لـ"شيكاغو تربيون"، الذي يعلو عن الأرض في صورة ملتوية أشبه براقصة هزّ البطن! إدارة الجريدة لم تحتفظ بهذا المقترح في المسابقة المعمارية، إلاّ أنّ غيرها طلب في الشكل المعماري لبناياته العالية الابتكار الطريف. فغير مهندس معماري أوجد اشكالاً خارجية مبتكرة، مثل البناء المتدرّج الذي يبدأ عريضاً في قاعدته ثمّ يضيق في هيئة المرقاة التي نلقاها في الزاقورة الرافدينية أو في معابد الأزتيك المكسيكية القديمة، أو في المصطبة الفرعونية. وإذا كان بعض المهندسين اتّخذ الشكل الخارجي نسقاً زخرفياً تكرارياً، يقوم على ترداد التباعد نفسه بين المساحة المليئة (الباطونية أو خلافها) والمساحة الفارغة (أي الزجاجية)، أو بين العامود الحديدي والفسحة الزجاجية، فإنّ بعضهم الآخر طلب من الشكل العام هيئة موحية، كأن يبدو القسم العلوي من ناطحة سحاب مثل رأس مزخرف، أو مجموع البناء مثل طوطم أفريقي.
شيكاغو، مثل مدن أمريكية أخرى، خرجت من مكتب المهندسين وحطّت على الأرض، في صورة نسقية تفضح المخطّط الموضوع لها، من دون أن يبدّل عيش البشر ومهنهم هذه الصورة حتى أيامنا هذه: عمارات القدرة الطالعة والاعتداد بالنفس. إلاّ أنّ هذه الصورة النسقية مخفّفة في شيكاغو، بعد توجّه المصمّمين إلى الابتكار والطرافة في مشروعاتهم البنائية. هذا ما جرّبه المهندسون في نهايات القرن الماضي بعد حريقها الشهير، وعندما اضطلعت المدينة بتنظيم "المعرض الدولي" فيها في العام 1893، وما بقي محفوظاً في بعض الأبنية، وفي الوثائق خصوصاً.
إلا أن الجلاء في التصميم العمراني العام، وهذه الجادة "النظيفة" من آثارها السابقة، لا تتأتّى من طاولة التصميم، إلا بعد أن أعمل بعضهم يده في العزل والوصل، في الفرز، في التقريب والتبعيد، في التجميع والتفريق، في الإزاحة والتهميش، في الجماعات وبين فئاتها.
---
اليوم أحد، والأجساد السمينة والرشيقة تستسلم لكسل العطلة، أو لرياضاتها الخفيفة في "الحي القديم". إلا أنني أتساءل: كيف يمكن لهذه الأجسام البدينة أن تجتاز الممرّ الميكانيكي لمحطّة المترو، وأن تقعد في الطائرة، في الدرجة السياحية؟ ذلك أنّها نادرة في ضخامتها، ما وقع نظري أبداً على أمثالها في أيّ بلدٍ في العالم. ألهذا لا أرى غير الأحذية الرياضية و"الشورت" و"التي شيرت" في هذه الساعة الصباحية؟
بلى، أمام مدخل "الكنيسة الكاثوليكية"، وجدت جمعاً منضبطاً ومنشرحاً من المسنّين ذوي اللباس الموحّد، كما في أيام الدراسة الابتدائية، يتبادلون الحوارات الخافتة بانتظار كاهن الرعيّة من دون شكّ. إلاّ أنّ الشارع الرئيسي في "الحيّ القديم" ميدان سباق، ميدان تمارين بالأحرى لصفّ طويل متتابع من راكبي الدراجات الهوائية. لا يبدو على ألبستهم الرياضية المتفرّقة ما يشير إلى اشتراكهم في مباراة، ولو ودّية، ولا ما يدلّ إلى انتسابهم إلى نادٍ. فيهم المسنّ والفتى، والسيدة والرجل، من دون أن تبدو على تدويس بعضهم للدعسات الحديدية ما يشير إلى عجلةٍ ما، حتى أنّ ضحكات بعضهم رفعت وجهي عن فنجان "الاكسبرسو".
شقراء بلباس البحر، في سيارتها المكشوفة، تمضغ علكة الانتظار، بانتظار عودة صديقتها "المنمّشة" من الدكان الذي يبيع علب القهوة للعابرين، فيما اتّخذت شقراء أخرى مجلساً لها، على مبعدة من طاولات الزبائن الحديدية، على الرصيف، مداعبة كلبها الأبرش. هدوء رائق، حتى أنّه ما استرعى انتباهي وجود عصفور على طاولة مجاورة...
مثل هذه الرياضات الخفيفة تلقاها أينما كان، لا سيما على ضفّة بحيرة ميشيغان، أو حتى في الجادات المترفة في هذا الصباح، من دون أن تشمل فئة بعينها، على ما يبدو. لا بل أرى في الأيام العادية أعداداً وأعداداً من منتعلي الأحذية الرياضية ممّن يزاوجون بينها وألبسة العمل في المكاتب والمحلات.
هوس الرشاقة أينما كان، في واجهة المحلات، في إعلان شاشات التلفزيون، وفي سلوكات الناس وعاداتهم، من دون أن تكون السمنة المتفشّية السبب الوحيد. ففنون "الهيبيز" وقيم "الوود ستوك" ناشطة، تشدّ حماسة الكثيرين، عدا أنّها انتهت إلى تأكيد الحيوية الانفعالية في التصرّف والهيئة على حساب المواقف الجامدة والمحافظة. كما لو أنّ هربرت مركوز يفعل فعله في هذه البلاد...
طلبُ الحوار المباشر، البثّ المباشر، اللقاء الصحافي الحيّ، النبرة الصادقة في الخطبة، صفات، لا بل قيم مستحبّة، مطلوبة في فنون القوم، سواء عند مذيع التلفزيون أو عند... رونالد ريغان! كان الرئيس الأسبق يذيع خطبه كما لو أنّه يرتجلها، أو يبثّها في لقاء وجاهيّ بينه وبين كلّ متفرّج، إلاّ أنّه كان يقرأ واقعاً خطابه على شاشة مقابلة. كان الرئيس "يقرأ"، أمّا المهندسة المعمارية التي استمعت إليها في "مركز ماكورميك" فما كانت تستطيع ذلك، فلجأت إلى الحفظ، تحدثت ما يزيد على 15 دقيقة من دون أن تصاحبها ورقة. خطبت فينا كما لو أنّها تحادثنا في مقهى "حديث القلب إلى القلب". تحدّثت في صورة منسقة، واستشهدت بأبيات عدّة لوولت وايتمان، من دون أن تتعثّر أبداً، لا في نطقها ولا في اتساق جملها، مثل ممثّل محترف يقوى على إيهامنا بأنّه لا "يؤدّي" حواراً بل يرتجله، وبأنّه لا يكرره على المسامع للمرة العاشرة أو الألف بل للمرة الأولى، وبأنه لا يحادث الجمع في الصالة، بل أنا وحدي.
فنون أداء محكم، إلاّ أنّها تطلب المحادثة بدل الكتابة، العلاقة الحيوية المباشرة بدل البرنامج المطبوع، كما لو أنّها تستعيد دوماً ما كانت عليه العلاقات التأسيسية لمجتمعهم الناشئ. وقد قامت على علاقات تعاقدية، على مواجهات، سواء في ساحة القرية أو في قاعة المحكمة. الأساس قولي، وهو ما نلقاه جليّاً في الحملات الانتخابية، لا كتابي، كما هو عليه في ديموقراطيات أوروبا القديمة.
ما استطعت مساعدة السيدة "الجنوبية" في مطار "أوهارا". أمّا في مطار جون ف. كينيدي فعاتبني رجل الأعمال اللبناني الذي يصطحب زوجته لقضاء عطلة الصيف في لبنان، لأنّني لم أبادر إلى الكشف عن هويّتي اللبنانية حيث قُيّض لي أن أسمعه، في الصفّ، خلفي، عند تسجيل الحقائب، يحاور زوجته باللبنانية. هو، بدوره، كان يحتاج إلى أن يتعرّف إليه أحد أبناء جلدته، وأن يتبادل معه الأحاديث.
أتحقّق من هذا وأنا أعود من أراضي باتت بلداً لمهاجرين أصبحوا "أصيلين"! "الهوبو" اختفى بعد "الهندي الأحمر"، مثلما يتهمّش غيره اليوم، إلاّ أنّ في عملية الدمج مغامرة أقوامية غنية، في عهد القوميات الراجفة، ما لا تلخّصه أبداً قوة أميركا الطاغية.
(جريدة "الحياة"، لندن، 22 آب (أغسطس) 1993).
----
نيويورك، هنا والآن
لا أقوى على رؤيتها من النافذة التي تعلو سريري، وتؤذيني أشعّتها المشرقة والحارّة في هذا الصباح. أيّ سخرية أشدّ من هذه!
حذّرني غير صديق من الوصول إليها ليلاً، وإذا بي أتبيّنها، قبل اجتياز سيارة الأجرة للجسر الموصول بمنهاتن، بعماراتها الشاهقة المضيئة وبقمرها الأبيض فوق سوادها الحالك، مثل رسمٍ طفولي بسذاجته وبساطته الجميلتين. تعطّل مؤشّر التسعيرة الميكانيكي في السيارة من دون أن أجد في ذلك سبباً لارتياب. كنت لا مبالياً، أو مرتاحاً لما يحدث لي، حتى أنّني تخلّصت من ورقة الوصول قبل خروجي من المطار، ووجدتني من دون جواب عند سؤال الشرطي عنها.
ألمٌ في عيني، وأشعّتها في الغرفة مثل قوة جاذبة، لا تنير ولا تلوّن فحسب، بل تشعّ، هواء مضيء، أنغام "بلوز" من غرفة مجاورة، وأنا أغالب وجعي. ما الذي جعلني أشبه بالأعمى فيها، من دون أن تتعطّل حواسي الأخرى؟ أصيخ السمع حتى أنّني أستمع إلى ما لا أعتاد عليه في لهو الصباح، في مباشرتنا نهاراً نندفع فيه من دون هوادة، من دون التفاتة إلى ما يجري في محاذاتنا. عليّ أن أتدبّر أمري معها، أن أجد في صوت "الترومبيت"، وهو يصاحب الليل عندي، ما يحفّز مخيّلتي في هذه الساعة المبكرة.
كان عليّ أن أنتظر في غرفتي، أشبه بالملايين الذين وقفوا أمام بوابتها، بوابة "العالم الجديد". وأن أنتظر الطبيب، مثل أفواج المهاجرين، في فيلم "أميركا، أميركا"، لإيليا قازان، الذين تخلف منهم واحد بعد أن خشي من كونه غير "صحيح" تماماً لاجتياز الامتحان الطبّي.
وافتني صورة الامتحان العام بمجرّد وقوفي فوق الأحجار المبلّطة في باحة القنصلية الأميركية في باريس، حين وجدتني في صفٍّ طويل للحصول على تأشيرة السفر، ذلك أنّ الداخل إليها يخضع لسلسلة فحوصات أولى ومتتابعة قبل أن يجيب على أسئلة الفاحص المسؤول، مانح التأشيرة. صفّ طويل وبطيء في مسارات قليلة العرض، ما يخلق بين الواقفين فيه شعوراً بالتنافس وبصعوبة الوصول. ولا تخفّف من ملل الانتظار، لا بل من التبرّم الملازم له، وفرة الأسئلة وغرابتها أحياناً في طلب التأشيرة.
سلوكات وتدابير... هجرة، كما لو أنّها لم تفتقد عاداتها القديمة عندما كان لها أن تفحص سفن المهاجرين الوافدة إليها من مشارق الأرض ومغاربها. سلوكات احترازية لا ترى في هيئة طالب التأشيرة السياحية سوى ملامح المهاجر المستترة. الموظّفة في القنصلية منحت التأشيرة لأفريقي وزوجته من دون ولديهما القاصرين، لأنّ طلبهما يفتقر إلى شهادة مدرسية خاصة بالسنة المقبلة (أي ما يضمن عودة الولدين "النظرية" على الأقل إلى فرنسا)! لهذا لا تبدو تأشيرة الدخول إليها عادية، مثل التي تأخذها من قنصلية إيطاليا أو إسبانيا، حيث تكفي ساعة واحدة وما قلّ ودلّ من الأسئلة، بل محملة بقوة رمزية هائلة: إمكان الدخول إلى "العالم الجديد". ويزيد من قوة هذا الشعور ما تعايشه بعد الدخول إليها، وهو سهولة الانتقال فيها، ومن دون رقابة مشدّدة، حيث إنّ مطاراتها في الرحلات الداخلية أشبه بـ"سيارات أجرة".
لا تحتاج إلى ركوب طائرات الأجرة الصغيرة، بين واشنطن ونيويورك على سبيل المثال، لكي تتبيّن تخطيط كبرى المدن الأميركية. فهي، على اتّساعها، تكاد تكون رسماً على طاولة مهندس، لما فيها من بساطة في التصميم. يكفي أن تتجوّل فيها قليلاً لكي تلاحظ وجود حديقة كبرى ("سنترال بارك") في وسط مانهاتن، التي هي بمثابة نقطة الوسط في مجمّع الوحدات المدينية الملحقة بها (بروكلين، كوينز، برونكس...) ولكي تلاحظ أيضاً أنّ المصمّم سهّل معالم التعرّف إلى مفاصل المدينة وأحيائها، فقسّمها إلى جهات أربع: فوق، تحت، شرق وغرب، ثمّ قسّم الجهات إلى جادات عامودية وشوارع أفقية، على أن تحمل الجادة والشارع أرقاماً متسلسلة، تبدأ في الجادات من الشرق إلى الغرب، وفي الشوارع من تحت إلى فوق. كما لو أنّ تصميم المدينة حطّ على الأرض، من دون أن يتخلّى عن الرموز الاصطلاحية التي وضعها المصمّم على طاولته. مدينة مرقّمة، قلّما تقع فيها على اسم شارع أو جادة، مثل "جادة الأميركيات"، أو "جادة كولومبوس"، بل على أرقام، وهو ما تنتبه إليه أيضاً عند السؤال عن مبنى أو عن موقع، إذ يجيبك النيويوركي: إنّه يقع بعد خمس "كتل" معمارية، أي بعد خمسة شوارع.
مدينة مرقّمة جرى ترتيب التاريخ فيها مثل دفتر مدرسي نظيف من دون أيّ خربشة. ذلك أنّ الجلاء هذا ما كان له أن يتحقّق لو لم يتمّ التحكّم الشديد بالأرض، لو لم يتمّ فرزها وتوزيع الناس عليها وفق حساب وموازين. أي أنّه جلاء يفضح "مكبوته"، إذا جاز القول، أي ما يمتنع عن ذكره وما يخفيه. كما أن تقيد المدينة بهذا الشكل التصميمي حتى أيامنا هذه، من دون تحوير أو تعديل عليه، يدفعك إلى التوهّم بأنّ عملية التخطيط جرت قبل أيام وحسب.
الدليل السياحي في الباص الأحمر ذي الطابقين يدعونا، نحن القاعدين في الطابق العلوي المكشوف، إلى خفض رؤوسنا أحياناً، إلى الانتباه إلى أغصان الشجر في بعض الجادات، وتكاد تكون النباتات "الوحشية" الوحيدة في هذا المشهد العمراني المتسق. مشهد منسق، لا تتجاوز فيه تواريخ مختلفة، ولا حيوانات متعاقبة، لتتبيّن آثار الزمن وفعل البشر المتمادي على الأمكنة. للحجر وسخه وقدامته، أمّا الزجاج فلا يحتفظ بأيّ أثر بعد أن يتمّ غسله دورياً. لهذا يبدو لي التجوال في "الجادة الخامسة" الشهيرة، لولا وقوعي على حملة حقائب "السمسونايت" والموظفات حاملات علب القهوة وبائع "الكفتة" المصري، مثل الانتقال بين البيوت "النموذجية" (تُبنى بغرض إطلاع الشاري على بيته قبل شرائه). مشهد عمراني "نظيف"، خاصة وأنّ بناة ناطحات السحاب الجدد ابتعدوا عن الباطون والصلب لصالح الزجاج والألمنيوم.
مدينة شبيهة نفسها، على رغم أنّنا نتبيّن في شكل ناطحات سحابها القديمة شيئاً من الفنّ القوطي ذي الامتدادات المتسامية، وفي الشكل المتقشّف "البارد" والشديد الوظائفية في ناطحات سحابها المتأخّرة شيئاً من الهندسة الصارمة لمدرسة "الباوهاوس" الألمانية. مدينة وليدة نفسها، على رغم أنّنا نرى في تمييز منهاتن عن غيرها ما سبقتها إليه لندن في تمييزها بين "الوسط المالي" (City) وسائر "القرى" والضواحي المتّصلة بها. وهو تشابه في العلاقات بين الوسط والمحيط: منهاتن وسط تلاقي وعمل للدوائر الأربعة المحيطة بها (برونكس، بروكلين، كوينز، وستاتين ايلند). كيف لا، والإنكليز هم الذين أطلقوا عليها اسمها الحالي، الاسم الذي استقرّت عليه بعد تسميات أخرى للهولنديين والفرنسيين!
الدليل السياحي لا يجيب على سؤالي في المرّة الأولى، ثمّ يلتفت صوبي بنظرة مشفق ويقول لي: "عم تتحدّث؟! إذا أردت البحث عن الهنود الحمر عليك أن تتوجّه إلى "شيين ريفر" (في "الداكوتا")": أموالهم مودعة في نيويورك، على ما علمت، أي الأموال التي دفعتها لهم الحكومة الفيدرالية في العام 1889 مقابل شرائها 45 ألف هكتار من أراضي الشعب "السيو". القضيّة لا تزال عالقة في المحاكم لأنّ حفدة الهنود الحمر يرفضون استلام الأموال، طالبين استرداد الأراضي، من جهة، كما أنّهم تنبّهوا، من جهة أخرى، إلى أنّ الحكومة الفيدرالية ترفض، في حال الاتّفاق على مبلغ التعويض، دفع الفوائد المترتّبة عليه منذ نيّف ومئة سنة.
لا تزال صفحة التاريخ مفتوحة، على الرغم من أنّ الأمور انقلبت تماماً بين ما كان عليه الهنود الحمر عند "اكتشاف" أميركا في العام 1492 (ما مجموعه مليون و150 ألف نسمة)، بعد التصفيات الجسدية المنظّمة. الحفدة يرفضون مبدأ "المقايضة" مستندين إلى اتّفاقية العام 1889، لكن لا أحد يقوى على مراجعة ما أصاب نيويورك في مطالع القرن السادس عشر. فالمعلومات التاريخية القليلة الباقية تفيدنا أنّ القبطان فيرازانا منح جزيرة مانهاتن لفرنسا في العام 1524، وأنّها خسرتها في العام 1614 لصالح الهولنديين، الذين أعطوا لسيطرتهم شكلاً قانونياً بشرائهم الجزيرة من الهنود، مالكيها وساكنيها، مقابل مبالغ زهيدة.
صفحات مدعوكة من تاريخ دام، انتهى فيه سكان البلد الأصليون إلى أقلية مهمّشة لا تكاد تحصى بين عشرات الملايين "المهاجرة"، وتضخّم عدد المهاجرين بين 1800 و1900، على سبيل المثال، من خمسة ملايين و308 آلاف نسمة إلى 151 مليوناً و300 ألف نسمة. قد لا تجد هندياً أحمر واحداً في نيويورك كلها، إلا أنك تجد معالم قسمة جديدة بين "بيض" على أنهم "أصيلو" المكان (وهم من أصول انكلو-ساكسونية في الغالب)، وبين "ملونين" على أنهم "غرباء" المكان (وهم من أصول آسيوية وافريقية ومتوسطية): قسمة ترث قيم العهد الكولونيالي في أوروبا بين "المتطورين" و"المتخلفين"، وتزاوجها بقيم التمايز الاجتماعي–العصري الناشئة. قسمة، على حدّتها، لا تخفي معالم التخالط العرقي–الأقوامي–الوطني–اللغوي–الثقافي–القيمي الذي نشأت عليه هذه البلاد، كما لو أنّها صورة منشقّة عن نفسها: صورة "عالم جديد" حقاً على أنّه قبلة العالم المشتهاة (أيّ اجتماع البشر في حلم جامع لهم في ما يتعدّى أصولهم وجذورهم)، وصورة مضخّمة عن الحرب الأهلية المستمرّة والجدران الاثنية السميكة بين الأقوام والثقافات.
نيويورك تقع في خط الانشقاق هذا، لا بل هي عصبه الحيوي. أشبه بأرض نزاع دائم بين التجمّع والتفتّت، بين الوطن والقبائل، بين العالم والحكومات، بين هناءة الحلم وقسوة التقاليد.
---
لا يقوى الآسيوي على اجتياز شارع "مولبيري": يتقدّم بضع خطوات ثمّ لا يلبث أن يرتدّ إلى الخلف، على رغم ضيق الشارع وتقيّد السيارات بإشارات السير. لا أتبين في ظاهره الجسدي سبباً لهذه الخشية، لهذا التردّد، سيما وأنّ أعصاب عينيه ووجهه نافرة، شاخصة كما لو أنّه يعبر جسر مانهاتن على... حبل! راعني منظره في حركة المشاة الكثيفة، طالعين نازلين في "شارع القنال"، كما لو أنّه يخشى في كلّ خطوة يخطوها أن لا يجد حيّزاً شاغراً لقدمه الأخرى في الهواء. يتأنّى في مشيته بخلاف اندفاعهم اللاهي، أشبه بطفل لا يحسن بعد إنزال قدميه في منازلهما، بخلافهم هم الذين اعتادوا على المشي وانتظموا في مسالكه وأفواجه، حتى أنّهم يبدون فيه محمولين، مدفوعين بقوة التيار البشري. يراوح في مكانه مثل كرسي قلاّب، أو لعلّه الصدى المتلاشي لأصواتهم الضاجّة.
"شايناتون" لاهية عنه بجواهرها ومصاغها، وقد رتّبت لها واجهاتها الضيّقة في "شارع القنال"، أو بعربات خضارها وفواكهها وأسماكها التي تراصفت هي الأخرى في الجهة المقابلة من الشارع. الحلى أينما كان، خلف الزجاج، تنتظر أفواه العابرين الفاغرة وعيونهم المشدوهة أمام لطائف الأشكال ولمعان المعادن. الزبائن في المحلات والعابرون في الشارع آسيويون في غالبهم، حتى أنّني أخال نفسي في الصين، وأنا أتحقّق من كثافتهم في هذه الأمكنة الضيّقة. لا أثر لأيّ درّاجة هوائية، إلاّ أنّ قسمات الوجوه تحكي وحدها اتّساع آسيا ووفرة أجناسها. فما لا أقوى على تبينه في أيّ مكان خارج الحيّ الصيني (أيّ التفريق بين الصيني والفيتنامي والكمبودي والكوري وغيرهم)، أستطيعه في هذا الشارع: اختلاف في السحنة، في شكل ضيق العينين وغير ذلك. شعوب في ذاتها، إذاً، لا استثناءات مبهمة ومغفلة لوجه آخر (الأبيض، والأسمر، أو الأسود...) على أنّه الوجه "السويّ" أو "الطبيعي". لا بل يبدو لي التجوّل بين "سوهو" الصينية و"إيطاليا الصغيرة" المحاذية لها أشبه بزيارة المجمّعات الاثنية والمعسكرات الفولكلورية، أي جاليات المستعمرات، كما كانت تسمّيها وتنظّمها الحاضرات الاستعمارية، مثل باريس أو لندن عند اضطلاعها بتنظيم "المعرض العالمي" فوق أراضيها في نهايات القرن الماضي ومطالع القرن الحالي.
ذهب ومأكولات في "شايناتون"، موسيقى وملابس خفيفة في الجهة العليا من المدينة، في "هارلم". هل كانوا يحتاجون حقّاً إلى تسميته "شارع أفريقيا" و"الحيّ الصيني"، لنتبيّن أصول هذه الموسيقى الصاخبة وهذه الأثواب المزركشة المرفوعة على قضبان حديد؟ لا نحتاج إلى هذا كلّه، ذلك أنّ صورة تينا ترنر، "جدة" الروك كما يسمونها، تعلو واجهة غير محل، مثل ملصقات تجمع بحيلة قادر وجوه باتريس لومومبا ومالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ.
"القوة السوداء": شعار على حائط، لا في هذه العيون الغائرة، ولا في القعدة المتهالكة لمراهق ما اتّضح له بعد خيط الليل من خيط النهار في الساعة الرابعة بعد الظهر. ولا ألقاه في هيئة هذه المسنة التي تمشي مشدودة إلى جزدانها العتيق مثل خشبة الإنقاذ لمسافر غارت سفينته في المحيط.
بخلاف المحلات الصينية المتراصّة والواجهات المترفة، بسط الباعة بضاعتهم فوق حوامل خشبية، كيفما اتّفق، كما لو أنّنا في سوق البضائع المستعملة. بضاعات معدودة: شرائط تسجيل موسيقية، أثواب من مالي، "بوبو" من السنغال، وقمصان خفيفة. أمّا في المحلات التجارية "الثابتة"، فأنواع دون غيرها: قمصان خفيفة، بناطيل قصيرة وأحذية رياضية، من دون "بدلة" أو ربطة عنق واحدة. وهو ما أتبيّنه في الشارع أيضاً، كما لو أنّ للسود "هندامهم" الخاصّ: هندام خفيف يناسب الرقص والرياضة في آن.
هنا يلتقي السود كيفما اتّفق بأصولهم الإفريقية البعيدة، بعد أن حلّت في العام 1619 دفعة أولى من 20 مهاجراً أفريقياً في "حيّ جيمس". مهاجرون مثل غيرهم، لولا أنّ عدداًَ من أسياد البيض استنكفوا عن تشغيل المساجين الهنود الحمر في الأعمال المنزلية، وعمدوا منذ العام 1700 إلى استعباد حفدة المهاجرين الأفارقة. وجد الهولنديون، ثم الإنكليز، مجالاً للإتجار في بيع القوة البشرية، فنظّموا تجارة الرقيق بين أفريقيا وأميركا في كيفية منسّقة وبشعة قلّما عرف التاريخ مثيلاً لها. غير شركة، مثل "الشركة الأفريقية الملكية"، جعلت من سكان أفريقيا مستودعاً للبيع البشري، حتى أنّ تجّار الرقيق كانوا يقدمون على فحص الأفارقة قبل نقلهم للتأكّد من قواهم، أو على "تغذيتهم" في الجزر قبل بيعهم، طلباً لأفضل الأسعار. لا أحد يعلم حقيقة هذه التجارة وحجمها، سيما وأنّ الكثير منهم مات أثناء الترحيل أو في الأسر...
لن تسلم علاقات السود والبيض من عواقب التعايش الاستعبادي والإكراهي، وما صاحبه من منازعات دموية لا تزال تنفجر في "فورات غضب" المدن الأميركية حتى أيامنا هذه. وما عرفه هذا التعايش من ردود ومواجهات كان يلتقي فيها الأبيض العنصري مع الأسود "الأصيل": ففي العام 1816 تأسّست، على سبيل المثال، "الجمعية الاستعمارية الأميركية" التي دعت إلى إعادة السود إلى إفريقيا، وتوصّلت في العام 1819 إلى إعادة عدد منهم إلى ليبيريا، وغداة الحرب العالمية الأولى دعا ماركوس كارفي إلى "العودة إلى أفريقيا" تيمّناً بالمنابع الأصلية ولكن من دون أن يتبعه أحد!
إذا كانت "شايناتون" إمارة آسيوية زاهية، فإنّ هارلم أقرب إلى خربة مهجورة، على الرغم من أنّ مبانيها لا تشي بأيّ قدم. خربة منسيّة، مهملة، على الرغم من اللهو الماثل في لعبة البيع والشراء، ومن المداعبات والطرائف في هندام مراهقيها، ومن الغنج الأنثوي الحارق في مشية فاتناتها.
رقص ومرح. مشاكسات أقرب إلى حماقات فتيان الحيّ منها إلى عنف "العصابات المنظّمة". بدينة سوداء تتغاوى في لباس أبيض، من شريط شعرها حتى جواربها، وتتلفّت ذات اليمين وذات الشمال، وفق حساب عادل، للمفتونين بها على الجانبين. ونادل عجوز لا يحسن توجيهي إلى حيث قام "كوتون كلوب"، نادي ديوك إيلنغتون وكونت بازي وكاب كيلواي القديم، الذي بلغنا لهو العزلة وبحّة الأنين ومداعبات الارتجال عند من منعتهم الأنفة من الشكوى، والنبل من الحقد العاري، ورغبة الحياة من إشادة مقابر الشهداء.
بين وثوق "شايناتون" مما تفعله، وهشاشة هارلم، نتبيّن الفارق بين المُهاجر، طالب الثروة، والمهجَّر الذي لا يقوى على الاندراج في مكانه الجديد، على الرغم من نجاحات السود في غير مجال من الحياة الأميركية.
لا تحتاج "شايناتون" إلى شرطي حدود، ولا هارلم إلى علم، لكي نتأكّد من دخولنا إلى مناخين، إلى بيئتين اثنيتين– ثقافيتين.
أمّا سكان "إيطاليا الصغيرة"، فقد رفعوا في شارع مولبيري في محاذاة الحيّ الصيني، لافتة مزركشة تحمل اسم المجلة، وعلى جانبيها علما الولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا. ويكفي أن ندخل إلى أحد المقاهي في هذا الشارع لكي نشرب "الاكسبرسو" و"الكابوتشينو"...
في هذه المحلّة عتبة البوابة إلى "العالم الجديد"، بعد أن أقام فيها بيتر ستيفيسانت (1592–1672)، آخر الحكّام الهولنديين في نيويورك، وأصبحت محطّ الرحّال الأول لملايين المهاجرين إلى أميركا: في هذه الأحياء مارس المهاجرون الجدد أعمالهم الأولى قبل أن ينتشروا ويتفرّقوا في طول البلاد وعرضها.
محلات تجارية للحاسبات الإلكترونية إلى جانب مطاعم "السباغيتي" من دون أن تفتقد المناخات الروائية ولا أجواء "العصابات" والمتسكّعين والسكارى، بالإضافة إلى باعة الحشيشة "المفتخرة"، حسبما وصفها لي أحدهم، وهو يعرضها علي في الحادية عشرة ظهراً، كما لو أنّها من "الماركة الممتازة" نفسها للملبوسات التي يقف أمام واجهتها.
عوالم اتنية شديدة التباين، بخلاف عوالم أخرى مدنيّة وجدت في المهنة مجالاً لتمايز، مثل "وول ستريت" لرجال الأعمال، أو "سوهو" و"قرية غرينتش" للفنانين وغيرها، من دون أن تكون الصلات مقطوعة بين العوالم الاتنية ومناخات المبدعين. كيف لنا أن نتبيّن في خليط التجارب التي تعرضها صالات عرض محلة "غرب برودواي" شيئاً من خلاسية نيويورك. كيف لنا أن لا نجد في لافتة محل ألبسة في "قرية غرينتش"، "هنا والآن"، شيئاً من متعة اللحظة المعلنة التي يرتجلها ويؤكّد عليها غير جاز أسود في محلة برودواي.
العصافير فوق أشجارها في "القرية" من دون زقزقة صاخبة في العاشرة صباحاً، كما لو أنّها، مثل أصحاب حوانيت في "الشارع الثامن"، تستيقظ بطيئاً من ليلها الطويل. غالب الحوانيب مقفل، بخلاف حانوت اللبناني الذي أجده، بين القمصان الخفيفة التي تحمل صورة مارلين مورو والبطاقات البريدية، يقرأ على صدر الصفحة الأولى من "الحياة" بالحرف العريض "نيويورك: اعتقال 8 بينهم 5 سودانيين خطّطوا لاغتيال غالي". أقرأ هذا وأتذكّر ما قاله لي بالأمس بائع الكفتة المصري في "الجادة الخامسة": "لو اجتمع الياباني والكوري لعملا في إنتاج برنامج إلكتروني جديد، والأميركي والإلماني سيارة ممتازة، والعربي والعربي خلافاً دموياً حادّاً!". وأتذكّر ما قاله لي، حين لاحظت أنّه يقطع رغيف الخبز من وسطه لسندويش الفلافل مثل الباعة اليهود في محلة "الماريه" في باريس: "أربط الحمار زيّ ما صاحبو عاوزو".
العصافير فوق أشجارها في القرية، والشعارات على الحيطان والدرجات المؤدّية إلى مطعم أو مقهى: "هنا، والآن". وهو ما أجده في محلة أخرى مصاغاً على الشكل الآتي: "الوقت هو الآن دائماً". الآن، دائماً!
كما لو أنّها تأنف دائماً من أن يكون لها أيّ ماضٍ، وأيّ عبادةٍ له. أو لعلّها تجد في ما تعيشه ما يحرّكها ويجدّد قواها من دون أن تلتفت إلى الخلف، من دون أن ينجلي اللبس بين خشيتها من فتح الدفاتر القديمة وتشوّقها إلى صفحات جديدة الآن ودائماً.
(جريدة "الحياة"، لندن، حزيران 1993).
-----
شرف "الحركيين" الضائع
مدينة الزيتون (ضاحية نربون–جنوب غرب فرنسا)
الاثنين 1 تموز/يوليو، العاشرة والنصف صباحاً.
الوصول إلى "ناحية القديسين" ميسّر من دون أن تعترضنا أيّ سيارة شرطة، رغم خشية سائق الأجرة؛ لا بل وصول آمن من دون أن تقع علينا الحجارة أو المتفجّرات الحرفية.
"مدينة الزيتون" الواقعة في هذه الناحية تبدو اسماً على مسمّى في صبيحة هذا النهار الغائم.
والحاجز، عند مدخل مجمّع البيانات، يبدو طريفاً: حاجز من نفايات وأخشاب ويافطات ممزّقة، ومن دون حارس! أمّا كبسولات القنابل المسيّلة للدموع، المجموعة إلى جانب الرصيف بعد الحاجز، فتبدو مثل لعب مهملة.
صبيحة هادئة، حتى أنّني أقع على شابين منهمكين بجمع النفايات قبل الشاحنة التي تتبعهما، في أول ما وقعت عليه من سكان في الفسحة الواقعة بين العمارات السكنية الست. كما لو أنها خلت من سكانها، بعد أن نشروا غسيلهم الملّون على الشرفات والنوافذ ورحلوا. رحلوا إلى أعمالهم ومدارسهم، وإلى المحكمة في كركاسون، مركز القضاء، حيث يدرس قاضي التحقيق شميت طلبَ إخلاء سبيل الشبان الأربعة من أهل هذه العمارات، المتّهمين بإحداث الشغب في 22 و23 من الشهر المنصرم.
وجدتُ صعوبة في لقاء أحد "الحركيين"، وخلت العمارات لنسائها: ثلاثة منهنّ اقتعدن حافة رصيف أمام إحدى العمارات، وانكببن على محاورة هامسة. أخرى بسطت كتل الصوف على مساحة باطونية وشرعت تضربها بعصاها الدقيقة. وثالثة، على شباكها في الطابق الثاني، ترسل نظرها إلى جهة غير بيّنة بعد أن أحكمت منديلها على رأسها، ووضعت راحة يدها اليمنى تحت ذقنها. بلى، وقعتُ على رجل، بل على زعيق موسيقى سيارته في هذه الصباحية الساكنة: جلس مكان السائق، وقد حلق رأسه تماماً، وانتعل حذاءه الأبيض من دون جوارب، فاتحاً باب السيارة مثل قميصه الصفراء.
طريق وفسحة مهملة بين البنايات. "مدينة الزيتون"، ولكن من دون زيتونة واحدة! فقط بعض صنوبرات. على أحد الجدران اسم "الحركيين" بالفرنسية، من دون خربشة أو كتابات أخرى. مزلقة عتيقة للأطفال لم يضرب فيها عامل أيّ ضربة دهان منذ إقامتها. مقعد خشبي للاستراحة، إلاّ أنّ الجالسين عليه، منذ سنوات عديدة، مسحوا لونه الأخضر مسحاً يكاد يكون تاماً، واستحال لون الخشب الطبيعي إلى لون معتم. إلى جانب العمارات، محل "بيتزا" أقفل منذ وقت بعيد على ما تشي به حالة الإهمال والوسخ التي أصابته.
ومع ذلك لا تبدو حالة المجمّع مرعبة، ولا شديدة البؤس، مثلما هي عليه الحال في غير ضاحية باريسية معدمة. فكيف كان أن أصبحت هذه النقطة المهملة في جغرافية فرنسا منارة تمرّد "الحركيين" في مدن وضواحي الشاطئ الفرنسي المطلّ على المتوسط؟
---
المكان نفسه، اليوم نفسه، الساعة الرابعة بعد الظهر.
لم أقوَ في الصباح على إخراج آلة التصوير من حقيبتها الجلدية، أمّا بعد الظهر فقد نهاني عن ذلك ولدٌ لا يبلغ الثالثة عشر من عمره على الأكثر. كان يجلس على مقربةٍ من الحاجز فوق حجر، وبعد السؤال عن هويّتي وعن غرض زيارتي، قادني إلى "مقرّ العمليات". "مدينة الزيتون" مدينة أخرى منذ ساعات قليلة.
"مقرّ العمليات" هو، في الأساس، مكتب "حارس البناية" في إحدى العمارات بعد أن حوّله الشباب إلى مكتب للاجتماع واللقاء بالصحفيين. في المقرّ، خلف المكتب، شاب لم يحلق ذقنه منذ أيامٍ معدودة، وأمامه جهاز التلفون، من دون ورقة أو قلم أو دفتر للمواعيد. مكتب مرتجَل، سوى أنّ ورقة جرى تثبيتها على الحائط خلف الفتى تؤكّد: "نحن، يا أخوتنا، التزمنا بواجباتنا تجاه فرنسا، إلاّ أنّنا لا نزال ننتظر منها حقوقنا". تحلّق حول المكتب عدّة شبان وامرأة. يرفع الجالس سماعة التلفون ظانّاً أنّ أحداً اتّصل بالمقرّ من دون أن يرنّ واقعاً. لعلّه يجيب على هذه المكالمات الوهمية لكي ينزل قدمه اليسرى من على المكتب. قدمه "مجفصنة" حتى الركبتين، وعلى بياض الجبس تواقيع: أسماء رفاقه من دون شكّ، الذين كان معهم عند كسر قدمه في المناوشات مع الشرطة.
كان قد مضى عدّة دقائق على دخولي إلى المكتب، بانتظار لقاء أحد "المسؤولين"، حين وجدنا أنفسنا في نقاش عسكري محتدم. أحد الشبان، من سكان البناية نفسها على ما أظنّ، عاد للتوّ من عمله، على ما يوحي به الغبار الأبيض على ساعديه المفتولين وشعره الفاحم الأجعد. عاد وقد بلغته الأخبار أنّ قاضي التحقيق شميت رفض إخلاء سبيل الموقوفين الأربعة في كركاسون. عاد وعلى لسانه غضب، فيما يسدّد على مسامعنا آراءه بدقّة وحزم: يجب أن نتّجه إلى كركاسون، ونسلّم أنفسنا كموقوفين بدورنا إلى جانب الأربعة! يجب وضع حاجز على الطريق غداً، بعد الحادية عشرة ظهراً، فهو موعد اكتظاظ سيارات الشحن! يجب تكليف فريق أمني بإبعاد الأولاد سلفاً عن مكان الصدامات فلا نصطدم بهم ولا نعرّضهم للمخاطر عند تنفيذ بعض العمليات الدقيقة! يجب...
أصاب صاحبنا ما أصاب غيره من أهل العمارات: فورة غضب، بعد أن انتظروا "بادرة حسنة" تُنهي شغبهم المفتوح. المحامي بوديل، محامي الأربعة، يأسف لقرار القاضي، ويعتبره مثالاً على عدم الفهم الكامل لقضية "الحركيين" من قبل الإدارة الفرنسية: تعاملَ معهم على أنّهم صنّاع شغب وحسب، من دون الأخذ بعين الاعتبار بالبعدين الاجتماعي والسياسي للعنف الذي وجدوا أنفسهم فيه.
كاميرات التلفزيون مثل آلات التسجيل الإذاعي دارت دورتها استعداداً لنشرة الأخبار المسائية، بعد أن سرت النقمة بين الشباب. هي خيبة أمل أخرى، تضاف إلى سابقاتها في مسلسل يرقى إلى ثلاثين سنة.
فيوم السبت المنصرم في وسط ناربون تظاهرة سلميّة من "الحركيين"، آباء وأبناء، وضمّت عدّة مئات منهم. سليمة، يتقدّمها عدد من قدامى المحاربين، بعد أن علقوا ميدالياتهم العسكرية الفرنسية على بزّاتهم القديمة. كانوا يأملون أن تكون هذه التظاهرة "وطنية"، وخاتمة للأيام العشرة التي جعلت من قضيتهم "المنسيّة"، ولأوّل مرة، خبراً أساسياً في النشرات؛ وعلى أن يتمّ تتويج هذا كلّه باللقاء الذي خصّتهم به رئيسة الوزراء ايديت كريسون بعد ظهر الأربعاء 3 تموز/يوليو لإعلان سلسلة تدابير خاصّة بهم.
"لن نكون في الموعد"، قالها لنا سعيد، الناطق الرسمي، قبل يومين على الموعد. "هذا أقلّ ما يمكن أن نردّ به على تصرّف القاضي. استثار قراره فينا مشاعر القرف. قضيتنا قبل كلّ شيء".
لعلّها سياسية، إلاّ أنّ شرارتها اجتماعية. على عشرات الأمتار من المجمّع عدّة دكاكين ومركز تجاري. على حافّة باطونية، أو وقوفاً، تلقى شباناً يتسامرون، وهم ينفثون دخان سجائرهم أو يفرغون الجعّة من علبها المعدنية. إنّها نقطة التسلية الوحيدة في ناحية عمرانية واسعة، يؤلف "الحركيون" منها أربعة آلاف نسمة. في هذه النقطة انطلقت الشرارة في 21 من الشهر المنصرم، إثر مشادّة وملاسنة بين مجموعة "الحركيين"، الشبّان، وعناصر من الشرطة. في اليوم التالي انطلقت من النقطة عينها تظاهرة أدّت إلى اشتباك، وإلى سقوط جرحى (4 على الأقلّ)، وإلى اعتقال أربعة منهم. ثمّ تلاه يوم آخر أشدّ عنفاً، قطع فيه الشبّان طريق المرور بعد أن وضعوا على وجوههم أقنعة للتخفّي، ونصبوا عدّة حواجز، وأعدّوا عدداً من قنابل "المولوتوف" الحِرفية، مثلما ظهرت بينهم عدة بنادق صيد.
عرفت فرنسا في الشهور الأخيرة عدة ظواهر عنفيّة مماثلة، وانتبهت الشرطة إلى ذلك إثر تظاهرات الطلبة الثانويين في العام الدراسي الماضي، حيث أقدمت "جماعات منظّمة" من شبّان مدن الضواحي الباريسية، حسب بيان الشرطة حينها، على تكسير واجهات المحلات التجارية في وسط باريس التجاري، كما على سرقة محتوياتها. قيل وقتها إنّها ظاهرة "فقراء الضواحي ومهمّشيها" ضدّ "فحش المدينة وغطرستها". إلاّ أنّ حدوث هذا الأمر، والضجّة مثل الصور التلفزيونية "المثيرة" التي صاحبته، أدّت من دون شكّ، على ما تبيّن في الأحداث العنفيّة التي تلت هذه التظاهرة الطالبية، إلى تشجيع هؤلاء الشبّان إلى إبراز قوّتهم ورفع قضاياهم في أشكال من العنف المدني.
إلاّ أنّ الأحداث هذه كانت بمثابة كرة الثلج، ولكن النارية، التي علّق بها غير سبب للعنف: البطالة، مصاعب العيش اليومية في مدن الضواحي، تهميش ثقافي ومدني، مسبّبات سياسية (سياسة فرنسا في حرب الخليج...) وقضية "الحركيين". أحداث متفرّقة ومتطايرة من دون نسق، من دون هيئة منظّمة لها، ومن دون برمجة متبلورة لقضاياها.
عنف متعدّد الأصول، إلاّ أنّ ظواهره معلنة، من دون أن تكون معالجاته بيّنة هي الأخرى. ذلك أنّ غير جهة مسؤولة في فرنسا تستدرك بعد وقت، أيّ بعد تأخّر، من دون أن تفهم سريعاً، أو تجد بسرعة الممثّلَ المحاور والمقرَّ به لهذه الفئات، لدرء هذا العنف.
إلاّ أنّ قضية "الحركيين"، منذ حادثة نوربون، تمايزت عن غيرها وأصبحت شاغلاً محدّداً وبيّناً، ولو انطلقت شرارتها إثر خلافات بعيدة كلّ البعد عن الجذور السياسية القديمة لهذه المسألة. الشرارة بسيطة إلاّ أنّها أخرجت إلى السطح المكبوتات العنفيّة، أسباب عدم الرضا والتمرّد، عند هذه الفئات "المنسيّة" والمتروكة لمستقبلها المبهم.
ومع ذلك لا تبدو "مدينة الزيتون" مثل مخيّم خاص بالحركيين: 30 عائلة فقط من اصل 150 عائلة. إلاّ أنّ العائلات الأخرى، الصينية والبرتغالية والإسبانية وغيرها، "تفهّمت" مشاعر الغضب التي حرّكت الشبّان من "الحركيين". قادر أحد هؤلاء، يؤكّد لي: "نسبة البطالة تبلغ عندنا 25 بالمئة، و12% عند البيض. مثال آخر: 25 بالمئة من السكان يتصرفون وحسب بخمسين فرنكاً لليوم الواحد، و 55 بالمئة من العائلات تعيش في حالة من البؤس المزري".
لا تختلف، إذاً، مشاكل الشبان "الحركيين" عن غيرهم من المهاجرين المغاربيين سوى أنهم حملة الجنسية الفرنسية، أي أن بطاقة الهوية لا تخفي لون وجوههم، ولا أصول أسمائهم، ولا تمكنهم من حظوظ متساوية مع غيرهم من الفرنسيين في سوق العمل. ولكن لماذا امتدّت شرارة نربون مثل موجة عنفيّة على مدى شاطئ فرنسا المتوسطي هذه المرّة؟
"هي ليست المرة الأولى التي نرفع فيها صوتنا"، يؤكّد لي قادر، الذي نظم مع ابن عمه زروق، وستة أصدقاء في العام 1988، إضراباً عن الطعام خلال سبعة وأربعين يوماً "طلباً للعمل"، كما "صعدوا" وقتها صوب باريس واحتلّوا كنيسة "لامادلين" من دون أيّ نتيجة.
سوق العمل صعب، ويضيق أكثر فأكثر في نربون وقضائها: أكثر من 45 بالمئة من العاطلين عن العمل في قضاء "الأود" (التي تقع فيها نربون) هم من نربون نفسها. كما أنّ المدينة هذه حازت على قصب السباق في الإجرام وأعمال السرقة في القضاء. فالبطالة تجلب معها، بل هي ولادة أعمال السرقة البسيطة واليومية. تم اعتقال عدد من الشبّان "الحركيين"، وسجنهم لشهور معدودة، بعد أن ضبطتهم الشرطة إثر سرقة قاموا بها في محل تجاري أو لجهاز راديو في سيارة... ومن يقوى على العمل بعد حصوله على "شهادات" قضائية كهذه!
غير شاب من "الحركيين" يؤكّد لي: "تهتمّ الحكومة بوضع المهاجرين وتنسانا"، مشيراً إلى النقاشات والبرامج الخاصّة التي تنشغل بها فرنسا منذ عدّة سنوات، حتى أنّ قضيتهم باتت القضية رقم 2، بعد البطالة، في جدول الانشغالات الفرنسية، حسب استفتاءات عديدة. وقد يكون اهتمام فرنسا هذا هو الذي حرّك مشاعر الغضب عند "الحركيين"، وكأنّهم "مهاجرو الداخل". فكيف إذا أضيف على شعورهم هذا، سماعهم الدائم لخيبات آبائهم من الوعود الفرنسية، بعد أن التحقوا بفرنسا في العام 1962، إثر استقلال الجزائر، ووقوفهم إلى جانبها في أنّ "الجزائر فرنسية"!
المنسيّون مرّتين! "قبل آباؤنا بذلك، أمّا نحن فلا"، يؤكّد لي قادر.
في هذا نجد ما حرّك الشبّان "الحركيين" في نربون، كما في أفينيون أو مرسيليا، أو غيرها من المدن المتوسطية، حيث قطعوا الطرق وأشعلوا الحرائق، واحتلّوا عدداً من المباني الرسمية، وشهروا وجه قضيّتهم المطمور في كتب التاريخ المطويّة على عجل.
عند الخروج من "مدينة الزيتون" يستوقفني رجل متقدّم في السنّ من "الحركيين" بعد أن وقع عليّ في محاورة مع مصوّر تلفزيوني، ويبادرني بالقول:
- أريد أن أقول لك شيئاً.
- ماذا؟
- عن مشكلتنا.
ثم سحب من جيب سترته الداخلي بطاقة الهوية الفرنسية، وفتحها أمام ناظري وسألني: هل أنا فرنسي أم مهاجر؟
لم أجب عن سؤاله، فتوجّه إلى المصوّر الذي لم يجب بدوره. ثمّ كرّر طرح السؤال عليّ، فقلت له: "لا أعرف"، من دون أن يكون جوابي دبلوماسياً على أيّ حال.
في الأمر ما يحيّر، لا سيما إذا وقعت على "الحركيين" والمهاجرين معاً، مثلما حدث لي في الباص رقم واحد المتّجه إلى "ناحية القديسين": ما الذي يميّز "الحركي" عن ابن المهاجر المغربي أو... الجزائري في الملبس واللكنة والعادة؟ لا شيء، رغم الفجوة القائمة بينهم، وهي التي أحدثها التاريخ الاستعماري. مختلفون معاً، إذاً، مع أقرانهم من الفرنسيين.
إلاّ أنّ هذا لا يعني أبداً أنّ هؤلاء الشبّان، سواء أكانوا "حركيين" أو من عائلات مهاجرة، يشبهون آباءهم. أين فستان الصبيّة في الباص رقم واحد، اللاصق بجسدها بطريقة "مثيرة" من فستان أمها المعتم و"المحتشم"! وأين "برمودا" الشبان من "برانيس" آبائهم!
مختلفون عن آبائهم، رغم أنّهم لا يزالون يتكلّمون العربية، إلاّ أنّ أغنيات تينا تورنر تعنيهم أكثر من قصائد الخنساء أو مطولات وردة الجزائرية. مختلفون، إذاً، عدا أنّ تكوينهم الدراسي والثقافي يعينهم كفرنسيين قبل أيّ شيء آخر، وهذا باعترافهم هم أنفسهم. إلاّ أنّ درجة اندماجهم هذه لا تكفي أبداً لقبولهم، على ما هم عليه من مميّزات ومحدّدات، من جماعات فرنسية متضايقة هي الأخرى في تحصيل لقمة عيشها بسبب البطالة (ما يزيد على مليونين وستمائة ألف). فكيف إذا كانت هذه الجماعات تشكّ في نفسها، في قدرتها على مواجهة من أصبح من الدول والجماعات (أميركا، اليابان، ألمانيا...) أقوى منها، فتسعى لجعل الشرّ، أيّ الرمز الذي يهدّدها، مائلاً في "الآخر"، القريب والضعيف، في من تقوى عليه وتؤكّد على سيطرتها "المهزوزة"!
كلّ يتدبّر مع خصومه وأشباحه بما وسعت يداه!
إلاّ أنّ تمرّد "الحركيين" الحالي لا يرقى إلى أسباب اقتصادية وحسب، وهي الأسباب التي تجمعهم – يا لمفارقة التاريخ! – مع أبناء جلدتهم بعد أن انفصلوا عنهم على أنّهم غير جزائريين وغير مهاجرين بل فرنسيين بالتمام والكمال، بل يرقى أيضاً إلى ملفات التاريخ الفرنسي – الجزائري المدعوكة، وإلى جردة حساب غير منتهية للتركة الاستعمارية.
إنّها حكاية شرف "الحركيين" الضائع. فما هي؟
---
مدينة الزيزفون (شمال مرسيليا)
الثلاثاء 2 تموز/يوليو، الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر:
الخميسي بنيريوا قادني إلى "مدينة الزيزفون"، والشارة العسكرية، شارة المحاربين القدامى في الجيش الفرنسي المعلّقة على سترته، قادتني إلى التعرّف إليه بوصفه أحد "الحركيين". كنت أبحث عن باص يقودني من "ساحة سانت-مارت" إلى "المرفأ القديم" في وسط مرسيليا، حيث عرض عليّ المجيء إلى مجمّع البنايات الواقع في الدائرة الخامسة عشرة، الذي تشغره عائلات "حركية"، وبات معروفاً بها. اكتفيت بجلسة أولى معه في المقهى، على أن ألتقي به وبغيره في صباح اليوم التالي. إلاّ أنّ المقهى الأول، الذي وقعنا عليه بعد الساحة لم يرق له، بعد أن ألقى بنظره على زبائن المقهى نظرة تفحّص وتأكّد: "مليء بالمهاجرين!". ثمّ قادني إلى مقهى ثانٍ، وألقى التحيّة بالعربية على أربعة زوّار فيه. وعند استغرابي لتصرّفه أسرَّ في أذني: "إنّهم حركيون مثلي. أنت لا تخشى شيئاً هنا"، بعد أن ربَّتَ على كتفي وأصرّ غير مرّة على دفع ثمن "الطلبية" بدلاً عنّي. وهو في عمر الأب، لا بل الجد (من مواليد 1919)، على احتفاظه بلياقة بدنية ظاهرة، تشي بماضيه العسكري. الشمس حارقةٌ، والحرارة تزيد على ثلاثين درجة مئوية، ومع ذلك أصرّ الخميسيّ على ارتداء طقمه ذي اللون الأزرق المعتم مع صدّاريته، وبعد أن أحكم ربطة عنقه.
شرع في بسط شكواه قبل أن أبادره بالسؤال. بدأ بالكلام بالفرنسية، بفرنسية مكسّرة، ثمّ سألني بالدارجة جزائرية: "أنت تتكلّم العربية؟".
الخميسي بنيريوا، من مواليد 31 أيار/مايو 1919 في ميدا بقضاء قسطنطينة. كان رقيباً أول عندما وقَّعت الحكومة الفرنسية على "اتّفاق إيفيان" (المؤدّي إلى استقلال الجزائر في 1962) مع "جبهة التحرير الجزائرية": "كنت أملك مزرعة في "صدراتا" تزيد على 40 هكتاراً وعدداً كبيراً من المواشي. إلاّ أنّني لم أجلب معي صكوك الملكية، ولم تُجبْ الحكومة الفرنسية منذ ذلك الوقت على الشكاوى العديدة التي قمت بها، ولم تقم بتعويضي عمّا خسرته. بنوا عمارات "مدينة الزيزفون" لإسكاننا في 1964، وقال لنا ديغول بأنّها ستكون ملكنا. مات ديغول، وطارت الوعود. شركة خاصة اشترت العمارات، ونحن نسدّد الإيجارات! أكثر من ذلك: جلبوا عدداً من العائلات المهاجرة وأسكنوها معنا! الوزير سنتيني (في حكومة شيراك بين 86 و1988 المولج بقضايا قدامى المحاربين) زارنا قبل الانتخابات، ثم اختفى بعدها. أولادي الثلاثة يأكلون في بيتي حتى اليوم! انفصلوا عن زوجاتهم بسبب انعدام الشغل".
- ما هي مطالبكم؟
- التعويضات، البيت المجاني الذي كان (الرئيس جورج) بومبيدو وعدنا به، والعمل والدراسة لأولادنا.
- ماذا تعني كلمة "الحركيين"؟
- هم من وقفوا ضدّ بلادهم، ومع فرنسا.
---
الأربعاء 3 تموز/يوليو، المكان نفسه، العاشرة صباحاً.
"مدينة الزيزفون" مثل "مدينة الزيتون" اسم على غير مسمّى:
أين الزيزفون في هذه البقعة الجرداء! يبدو الأمر مع من هم مولجون بتسمية هذه المواقع كما لو أنّهم أصحاب نكتة سمجة أو ممّن يعوضون بالكلام عمّا فاتهم عملانه على الأرض.
بقعة في زاوية هندسية تحدّها من جهتيها طريقان لمرور السيارات السريع، أيّ أنّ شرفات الشقق تتنشّق عطر السيارات صباحاً ومساءً. أمّا الفسحة الباقية أمام العمارات فقد علت فيها إعلانات عملاقة لغواية الركّاب الطالعين والنازلين، وعلى الطريقين. وفي الفسحة أيضاً مقعدان خشبيان وعشب يابس، بحيث وقعنا، عند وصولنا، على رجلين مسنين اقتعدا أرضاً للعب "لعبة الضامة" بعد أن حفرا شكلها الهندسي في التراب، واستعانا بالأحجار لتأدية اللعبة.
صَعُبَ عليّ عند لقائي بجلالي منصور، محاوري الأول من "الحركيين"، أن أجري حواراً معه. ذلك أنّ ما دار بيننا أشبه بتسجيل وحسب لما قاله لي، لسيرته وحسب. عدا أنّ الحوار معه أدّى إلى وصول غيره، وإلى اجتماعهم فوق المقعدين الخشبيين في هيئة قريبة من المحاورة الجماعية، بالإضافة إلى التحاق أبنائهم بنا بعد وقت، ومشاركتهم هم أيضاً في السيرة: شرف "الحركيين" الضائع. كان عندهم ما يقولونه، خاصة وأنّهم، في عشيّة اليوم السابق، قطعوا الطريق تماماً أمام مدينتهم لساعة من الوقت.
بعد تداخل الأحاديث، أقرّ الرأي فيما بينهم على أن يتحدّث جلالي منصور باسمهم، ويتدخّلون عندما يجدون ضرورة لذلك: "البعض يتحدّث عن مطالبنا، ويقصرها على مطالبتنا بالعمل لنا ولأولادنا: هذا غير صحيح. نحن نعرف بأنّ الأزمة الاقتصادية عالمية، وأنّ فرنسا تعاني كثيراً من البطالة. مشكلتنا هي، أولاً، مشكلة الوعود الكثيرة منذ 1962 التي لم تنفذها الحكومات الفرنسية المتعاقبة.
- إلاّ أنّ الحكومة الفرنسية عوّضت عليكم بعض الشيء.
- أعطتنا مرة 10 آلاف فرنك، ومرة ثانية 50 ألف. إلاّ أنّ هذا المبلغ لا يكفي، عدا أنّ الكثيرين منّا لم يستلموه أبداً: انتقل من الحكومة عبر حسابنا المصرفي إلى الشركة العقارية لتسديد المتأخرات في الإيجارات.
- وماذا عن سوق العمل؟
- أنا مسنّ لكي أجد عملاً مناسباً: هذا ما قالوه لي. إلاّ أنّني لست مسنّاً كفاية لكي أفوز بضمان الشيخوخة: هذا ما قالوه لي أيضاً. أمّا أبناؤنا فإنّهم لا ينعمون إلاّ ببعض الأعمال المتفرّقة، أو بأسابيع من التدريب المهني. يعدوننا بالكثير إلاّ أنّنا نلقاهم قبل الانتخابات بأيام، والسلام.
منذ 1962 نعيش على الوعود، الوعود المؤجلة. مات ثلاثة أرباعنا من "الحركيين" وهم ينتظرون تنفيذ الوعود، أمّا الربع الباقي ...
- إلى أيّ سنة ترقى إقامتكم في هذه المحلة؟
- 1964، منذ تشرين الثاني/نوفمبر 1964.
- وبين 1962 و 1964 أين أقمتم؟
- في الفنادق والمخيمات... ثم بنوا هذه العمارات لإسكاننا، على أن تكون مقرّنا المؤقّت بانتظار توفير بيوت لائقة لنا. طالت إقامتنا في مدينة "الترانزيت" هذه، وارتفع إيجار الشقق ثلاث مرات في أربع سنوات.
- ما هو معدّل إيجار شقة مؤلّفة من غرفتي نوم وصالون؟
- 1900 فرنك من دون رسوم الماء والكهرباء والتلفون وغيرها.
- ما هو مطلبكم الاساسي؟
- التعويض. هذا ما وعدتنا به حكومة جاك شيراك ثم حكومة ميشيل روكار. لهذه التعويضات، فيما لو حصلنا عليها، أن تغيّر شروط حياتنا. أنا أعرف تمام المعرفة أنّ ظروف العمل صعبة في هذه المنطقة، وأنّ حظوظي فيها قليلة. إلاّ أنّنا لا نقوى على تركها، ولا نملك أساساً المبالغ اللازمة لتأمين انتقالنا. مستمرّون نحن في هذا المكان الأجرد!
- وما هو مبدأ هذه التعويضات؟
- التعويض عمّا خسرناه مادياً ومعنوياً في الجزائر نتيجة لالتحاقنا بفرنسا، ووقوفنا إلى جانبها. أنا من مواليد الجزائر، خلّفت كلّ شيء ورائي. اختبئت في حقيبة عند استقلال الجزائر، وتمّ تهريبي على هذه الصورة إلى فرنسا.
- ماذا كنت تعمل وقتها؟
- كنت مترجماً عند "الدرك الوطني". حاربت مع فرنسا وخسرت، وأتحمّل تبعات خسارتي. كما لو أنّنا في لعبة: هناك فريق ربح، والآخر خسر. أنا في عداد الفريق الخاسر. هذه كلمة تُقال، إلاّ أنّني لا أعتبر نفسي خاسراً.
- ولكن ماذا ربحت إذاً؟
- لم أربح شيئاً، وخسرت كلّ شيء. حتى إنّهم ينظرون إلينا، هنا، بعين السوء!
- ينظرون إليكم على أنّكم عرب، أليس كذلك؟
- ينظرون إلينا على أنّنا لا شيء يذكر: لا شيء، وبالحرف العريض. الفرنسيون يصفوننا على أنّنا عرب، والعرب على أنّنا "حركيون".
- ماذا تعني "الحركيون"؟
- في الجيش الفرنسي بالجزائر ثلاث فئات: فئة المجنّدين، فئة الاحتياطيين، وفئة "الحركيين" الخاصة بالجزائريين الملحقة بالجيش.
- انسحبتم مع الجيش الفرنسي، إذاً؟
- لا. كلّ تدبير أمره وحده. لم نكن نقوى في تلك الأيام الصعبة على الالتحاق بالجيش الفرنسي في ثكناته ومخيّماته المحاصرة. توصّلت إلى الالتحاق بأحد المخيمات بعد توقيع الاتفاق في آذار/مارس 1962، ونجحت في الهرب إلى فرنسا بعد شهر. أمّا غيري، ما يزيد على ثلاثة أرباعنا، فقد تمّ قتله خلال شهور معدودة. أمّا البعض الآخر فقد نجح في الهرب بعد استقلال الجزائر (في تموز/يوليو 1962). كان هربنا طبيعياً، بل متوقّعاً بعد أن حاربنا "جبهة التحرير" طوال سبع سنوات.
- مشاكلكم لم تحلّ حتى اليوم مع حكومات الجزائر.
- مشاكلهم معنا قديمة وستبقى قائمة، ولا ترقى إلى الماضي، بل إلى المستقبل دائماً.
- هل تستطيعون العودة إلى الجزائر لو شئتم؟
- وصلتني برقية قبل سبع سنوات تبلغني بأنّ أمّي على سرير الموت. عند وصولي إلى المطار رفضت الشرطة دخولي إلى البلاد بحجّة أنّني "خائن". طالبتهم بوضع القيود على يدي واقتيادي إلى بيت أهلي ولو لساعات وحسب... غير أنّهم رفضوا. تركوني أنام في المطار، وقادوني صباح اليوم التالي إلى الطائرة الأولى المتّجهة إلى مرسيليا. أكثر من ثلاثين شخصاً من سكان هذه العمارات حاولوا السفر إلى الجزائر، ولكن من دون أن ينجحوا في الدخول إليها.
- ألا زلتم تهتمّون أو تتعابعون مجريات السياسة الجزائرية؟
- لا، أبداً.
- وماذا عن علاقاتكم بالمهاجرين الجزائريين؟
- صعبة، بل معدومة. الجراح لا زالت مفتوحة وطريّة، من ناحيتهم على الأقلّ. بالنسبة لنا، هذا الأمر يتّصل بالماضي، أمّا لهم فلا. تصوّر أنّ الحكومة الجزائرية ترفض حتى يومنا هذا السماح بدخول جثمان "الحركي" ودفنه في الجزائر!
- هل تشعرون بـ"خيانة" ما من قبل السلطات الفرنسية؟
- الخيانة كلمة بسيطة للتعبير عمّا نشعره إزاء فرنسا.
- من أنتم؟
- (بعد تردّد) كدت أقول إنّنا من الغجر. لا، فنحن، مثل الفلسطينيين من دون وطن: موجودون في كلّ مكان إلاّ في مكانهم الأصلي.
- وطنهم هم هو فلسطين، ما هو وطنكم؟
- وطننا لا مكان له. نحن نسينا مشكلتنا مع الجزائريين، الذين هم... أخوتنا في نهاية المطاف. ونناضل اليوم ضدّ فرنسا للحصول على حقوقنا.
نحن لسنا فرنسيين، واقعاً، إلاّ يوم الانتخابات! نحن فرنسيين مع كامل الأوصاف والاحترام والتقدير عند دخولنا إلى مكتب الاقتراع: السيد فلان المواطن الصالح أدّى واجبه الانتخابي! إلاّ أنّ هذا الاعتبار ينتهي بمجرّد خروجنا من المكتب.
- لم يبقَ لكم، هنا، من أرضكم البعيدة غير الشمس في نهاية المطاف!
- نعم، بقيت لنا الشمس فقط، إلاّ أنّ بعضنا لا ينعم بها! هل تفهم ما أريد قوله (مشيراً إلى المساجين منهم)؟
- هل انتشر الإتجار بالمخدّرات وتعاطيها فيما بينكم؟
- لا، أبداً، والحمد لله. أقدم البعض على بعض أعمال السرقة، السرقات البسيطة، فجرت محاكمتهم واقتيدوا إلى السجون. يسرقون أجهزة الراديو من السيارات! سياراتنا تبقى مفتوحة طوال الليل أمام بيوتنا، ذلك أنّ كلفة إصلاح الزجاج المكسور تساوي أكثر من ثمن جهاز الراديو.
هذا عن الآباء أو الجدود، ماذا عن الشباب؟
بوتوبا سليمة يجيبني: "ليست حالنا أفضل من حالتهم، بل أسوأ. عندما حلّ أهلنا في مدن الجنوب أوجدوا لهم عملاً، خصوصاً في مصلحة الأحراش أو المياه، أمّا نحن فلا نعرف سوى البطالة والأعمال القصيرة المتقطّعة. أكثر من 90 بالمئة من الشباب، بين الـ 18 و 35 سنة، يشكون من البطالة. العدد الأكبر منّا ينقطع عن الدراسة في الرابعة عشرة من عمره من دون أن يجد عملاً بالضرورة".
غيره يشكو من عناية الحكومة بالمهاجرين أكثر منهم: "تصوّر أنّ البلدية، في الدائرة المجاورة لنا، حيث تقيم عائلات مهاجرة عديدة، تنظّم سنوياً للشباب رحلات صيفية إلى إسبانيا، كلفة الواحد منهم في السنة الماضية، كما في السنة الحالية، 200 فرنك لمدّة أسبوعين على أن تتكفّل البلدية والدولة بالباقي".
متساوون مع غيرهم من الفرنسيين قانوناً وإدارة، إلاّ أنّهم مهمّشون ومبعدون مثل المهاجرين، من دون أن يحظوا بأيّ نوعٍ من العون الذي تفوز به هيئات المهاجرين.
سجل الشكاوى طويل: "لا ننعم بأيّ مركز ترفيهي أو ثقافي بخلاف المهاجرين. مودعين في هذا المكان الخالي من دون أيّ تسلية! حتى البحر، سلوانا الوحيدة، ضجرنا منه".
قضية "الحركيين" قديمة، ترقى إلى ثلاثين سنة، إلاّ أنّ الحكومات الفرنسية لم تنتبه لها على أنّها قضية "خصوصية" إلاّ منذ 1986. بل اختارت هذه الحكومات سابقاً تجاهل هذا الإرث المربك. فمن المعروف، مثلاً، أنّ الحكومات الفرنسية لم تعيّن أبداًَ بين 1964 و 1976 وزيراً، أو سكرتير دولة، مكلّفاً بهذه القضية: "خلال الفترة الديغولية كلّها تمّ السكوت عنها، حسبما صرّح موريس بنصيّاغ المكلّف حالياً بهذا الملف، راهنت الحكومات وقتها على هدوئهم بعد أن نجحوا في التخلّص من الموت المحدق بهم، وبعد أن اعتادوا في الجندية على الانضباط الصارم". وفي 1987 انتهت – أخيراً! – حكومة شيراك إلى إقرار قانون يقضي بالتعويض عن هؤلاء الفرنسيين المسلمين: طالب "الحركيون" وقتها بتعويض يساوي 500 ألف فرنك لكلّ واحد منهم، وحصلوا على 60 ألف فرنك وحسب. أي أنّ أمنية الوزير أندريه سنتيني حينها في أن يكون "آخر وزير لهذه الحقيبة" بدت أمنية ميّتة سلفاً. حكومة روكار استعادت درس الملفّ من جديد، رغم أنّ "الحركيين" ميّالون، على ما قالوه لي، لتأييد أحزاب اليمين الفرنسي في الانتخابات، فقام بتشكيل لجنة وطنية، تمثّل فيها "الحركيون"، لدراسة المشكلة واقتراح التدابير المناسبة. إلاّ أنّ اللجنة ما لبثت، مع تعيين إيديت كريسون رئيسة للحكومة، أن قدّمت تقريرها للحكومة الجديدة التي انفجرت في وجهها هذه الأزمة الكامنة مثل النار تحت الرماد ومنذ وقت بعيد. وعندما سلّم رئيس اللجنة هذه، العقيد المتقاعد عبد العزيز ميلياني، لرئيسة الحكومة التقرير، قال لها: "بدا لنا، من خلال الاتصالات التي عقدناها، أنّ مهمّتنا هذه هي الفرصة الأخيرة. إنّ أيّ خيبة أمل جديدة قابلة لإشعال الانفجار. وإذا كانت الحكومة تجد بأنّ اقتراحاتنا شديدة الكلفة، فإنّها تهدّد نفسها بدفع المزيد فيما بعد". فما هي التدابير المقترحة؟
ثلاثون تدبيراً، منها ثمانية متّصلة بـ"إعادة الاعتبار والكرامة والهوية" لهم، حسب تعبير التقرير. وهو يدعو، فيما يدعو إليه، إلى "اكتتاب وطني لإقامة نصب تخليداً لذكرى المسلمين الذي قضوا دفاعاً عن فرنسا"، وإلى التعويض المادي والمعنوي على أن ينعم "الحركي" أو أرملته بحدّ أدنى من الدخل "مساوٍ مرة ونصف المرّة للحدّ الأدنى للأجور". كما يطلب التقرير إعداد برنامج من المبادرات لدمج الشبّان في الحياة المهنية، والانتهاء من "المخيّمات التاريخية" أو من "تجمّعاتهم المكثّفة" في مناطق أشبه بـ "الغيتوات"، بعد أن أصبحت "رموزاً للبؤس والفشل". ويخلص التقرير إلى ضرورة توفير "مواطنية حقّة" لهم...
هذه التدابير باتت معروفة، وهي قيد الدرس عند رئيسة الوزراء، إلاّ أنّ حبل الحوار مقطوع بين الحكومة وممثّلي الشبّان من "الحركيين". وأقدم هؤلاء إلى إلغاء اجتماعهم بممثل رئيسة الوزراء في المقرّ الحكومي.
متى تهدأ الأزمة؟ هل الحكومة مستعدّة مالياً، فيما لو توفّرت الإرادة السياسية، لدفع كلفة هذه التدابير، في وقت تعمل فيه على حصر نفقات الدولة؟
"هذه المرّة، لن نسكت"، قالها لي سعيد في نربون، أمّا بوتوبا فقد زاد عليه في مرسيليا: "لعلّهم ضحكوا على آبائنا، وقد كانوا أمّيين. أمّا نحن...".
عند خروجي من "مدينة الزيزفون" يمسكني الخميسي بنيريوا بمعصمي، ويدعوني إلى شرب القهوة في بيته. وعند اعتذاري منه، يقول لي: "أنا قبلت دعوتك البارحة، فلماذا لا تقبل دعوتي؟ هذا معنى الضيافة عندنا. هذا معنى الشرف".
في البيت يأتي الخميسي بملف ويسحب منه أوراقه القديمة. أقرأ واحدةً منها: "دائرة" بوش–دي–رون (التي تقع فيها مرسيليا) تؤكّد أنّ السيد الخميسي بينريوا، المولود في 1919، ابن بلقاسم، وبهلولي، خدم في عداد الجيش الفرنسي، بصفة مجنّد، من 15 آذار/مارس 1943 حتى 8 أيلول/سبتمبر 1945، وانتسب كجنديّ إضافيّ إلى "الحركة" في "صدراتا" في الجزائر من 1 حزيران/يونيو 1958 حتى 8 نيسان/ابريل 1962، وتمّ تسريحه من "الحركة" بعد التوقيع على وقف إطلاق النار في 1962، والتحق بعائلته ساعياً إلى الإفلات من قبضة "جبهة التحرير"، إلاّ أنّه اعتقل وتمّ إفلاته في آب/أغسطس 1962، ولم يتوصّل إلى الالتحاق بمرسيليا، رغم محاولاته المتكرّرة، إلاّ في 18 تشرين الأول/أكتوبر 1963، وعمل على إعداد ملفّه كمحارب قديم بفضل شهادة مسؤوله العسكري السابق، العقيد جيرو، الذي أكّد صحّة أقواله هذه، وتمّ إعداد هذه الشهادة لتأكيد الجنسية الفرنسية له ولزوجته في 1964. التوقيع: "النقيب سيسا، مكتب العمل الاجتماعي".
... وأوراق أخرى عديدة، كان الخميسي يعلّق، عند انتهائي من قراءة كلّ واحدة منها، بالقول: "شوف، شو عملت فينا فرنسا!".
كم هو عدد "الحركيين" في فرنسا؟
ليست الإجابة على هذا السؤال سهلة رغم وفرة الإحصائيات ودقّتها. ذلك أنّ "الاينسيه"، المؤسسة الفرنسية المولجة بشؤون السكان، لا تحصي "الحركيين"، منذ العام 1975، في فئة أو قائمة تعدادية مميّزة لهم عن سائر الفرنسيين: فهم فرنسيون مثل غيرهم ولو من أصول جزائرية. إلاّ أنّ المندوبية الحكومية الخاصة بشؤون "الحركيين" انتهت في العام 1988 إلى تقدير عددهم بأربعمائة وخمسين ألف نسمة.
إلاّ أنّ عدداً من البحاثة لا يقرّون بهذا العدد، بل يقدرونه بما يزيد على سبعمائة ألف نسمة. أمّا "الحركيون" أنفسهم، وحسب أقوالهم، فإنّهم يرون أنّ عددهم يتجاوز المليون نسمة! وهم ينتشرون على الخصوص في أقضية الجنوب الفرنسي، حيث جرى توزيعهم وإسكانهم بين 1962 و1964، بعد توقيع فرنسا على استقلال الجزائر.
ويشير اسمهم، "الحركيون" أو "الحركة"، إلى عدد من الجزائريين ممّن شكّلوا جنوداً "احتياطيين" أو "إضافيين" للجيش الفرنسي في حربه ضدّ جبهة التحرير الجزائرية.
(جريدة "الحياة"، لندن، صيف 1991).
----
البحث عن عبد الرحمن أمام أسوار بواتييه
موسّيه – لاباتاي (شمال بواتييه – وسط فرنسا)
السيد شالو أشبه بالحلاق منه بمدرّس القرية: بخصلات شعره المشذّبة والمنسّقة، بأصابعه الطويلة وأظافره المقلّمة، وبهذه الابتسامة الرضيّة التي لم تفارقه طوال حديثنا معه، لولا أنّه كان مقعداً في كرسيه الميكانيكي، وأقرب إلى المسنين المنسيين في مأوى للعجزة.
اليوم أحد، والسيد شالو علَّق الترانزستور في إحدى جنبات الكرسي مثل الزاد أو الجعبة، وأحكم جلسته في باب الوسط من بيته المحاذي للطريق الإسفلتية. في جعبة المدرّس شالو غير خبر...
لم يكن الوصول إلى موسيه – لاباتاي (24 كلم عن بواتييه) هيناً. عبرناها من دون أن ندري، حتى أنّنا، سائق الأجرة وأنا، عدنا على أعقابنا لرؤيتها قبل أن ضعنا. أوقفنا في أحد الطرق رجلاً تجاوز الستين من عمره، إلاّ أنّه يحتفظ بلياقة بدنية ظاهرة لا تبلبلها أبداً نظاراته الطبية... أوقفناه عن متابعة جريه الخفيف في هذه الصبيحة المشمسة. تبادلنا بعض العبارات معه، سائلينه عن مقصدنا، إلاّ أنّه تفرّس في وجه السائق ملياً، مثل قائد يتعرّف على جنوده ولو بعد سنوات عديدة: "ألم تكن في الجزائر؟". أجاب السائق إيجاباً كما لو أنّه لم يكن يقوى على التملّص من هاتين العينين الفاحصتين. "في وهران، أليس كذلك؟". "لا، في بسكرة"، أجابه سائق الأجرة.
بعد وقت، سيدير السائق رأسه قليلاً إلى اليسار، ناظراً إلى الخلف، وسيقول لي: "طبعاً كنت في الجزائر. أدّيت فيها خدمتي العسكرية مثل غيري من الطلبة". ابتسمت وقد تلقّيت جواباً عن سؤال لم أطرحه هذه المرّة.
الضابط المتقاعد أشار علينا بسؤال المدرّس المتقاعد عن الواقعة التاريخية البعيدة التي جرت بين العرب والفرنسيين في هذه البقعة، "فهو خير من حكى أخبارها ومروياتها".
"قلّما يسألني أحد عن هذه المعركة"، يبادرني السيد شالو، ثم ينطلق في روايته براحة يحسده عليها رواة الأقاصيص في أماسي الشتاء الباردة: "في هذا السهل أقام جنود شارل مارتيل، وهو سهل مطلّ، كما ترى، على الوادي حيث خيّم الجنود المسلمون. نزل جنود مارتيل صباح اليوم التالي على نشوب المعركة فوقعوا على جثث القتلى، وعلى رأسهم الأمير، قائد الحملة. كانت أعدادهم كبيرة، وجرى طمر جثثهم في الميدان نفسه". يشرح لي المدرّس شالو قاعداًَ، إلاّ أنّه يرفق كلماته بإشارات اليدين والرأس، فأخاله واقفاً أمام لوحه، شارحاً لتلاميذه، فيما هو يسرد عليّ ذلك، وحدي، من دون أن يوقف سائق الأجرة محرّك سيارته.
* ماذا بقي من آثار هذه المعركة؟
- لم يبقََ شيء سوى الجثث والأسلحة المطمورة. حدّثني والدي أنّ مجموعة من الحطابين وقعت قبل سبعين عاماً، عند قطعها لإحدى السنديانات القديمة، وبعد اقتلاعها من جذورها، على هيكل عظمي وبعض الأسلحة. وقد أفادني أحد الاختصاصيين لاحقاً بأنّ هذه الأسلحة إسلامية، وقد وجدت مطمورة في البقع التي خيّم فيها الجنود المسلمون حسب المؤرّخين.
* وغير ذلك؟
- جرت بعض التنقيبات الأثرية في منطقة غير بعيدة، على الطريق الواصلة بين "سينون" و"جيمو" في الموقع المسمّى بـ "مقبرة الملك". تمّ العثور على عدد من الهياكل العظمية ومن العظام المطمورة وموضوعة صوب الشرق ممّا أرسى الاعتقاد بأنّها تعود للجند المسلمين.
إلى ذلك، حكى لي والدي قصة سمعها عن جدّه، وهي قصة متداولة في القرية وجوارها منذ زمنٍ بعيدٍ على ما يبدو. تقول القصة بأنّ حورية نزلت من السماء بعد مصرع الأمير العربي خاطفةً روحه إلى السماء، قبل أن يتمّ دفنه فوق أرض المعركة. ويعتقد السكان، هنا، بأنّ حفيف أشجار الحور المحيطة بـ"مقبرة الملك" هو رفيف أجنحة الحوريات الساهرات على مدفن الأمير المؤمن.
* وماذا عن المزرعة القريبة المسمّاة بـ"لاباتاي" (المعركة)؟
- يسري الاعتقاد بأنّ روح الجنود المسلمين لا زالت تخيّم فوق هذه البقعة، كما أنّ ذكراهم لا تزال تروّع السكان المحليين حتى أيامنا هذه. المزرعة مهجورة. هكذا عرفتها. لا زلت أذكر في صغري الحكاية التي كنّا نرتجف لها خوفاً: خوف الأطفال حين يتشوّقون ويتهيّبون أمام عالم الأسرار. كنّا ننتظر يوم السبت من شهر تشرين الأول (أكتوبر)، يوم المعركة الشهيرة، ونتشوّق لسماع الريح في الوادي، "ريح الموت"، كما نسمّيها، وهو صوت الصدام الدامي بين الشرق والغرب.
* إلاّ أنّ المعالم هذه مهملة، متروكة، من دون أيّ علامة أو لوحة تذكارية!
- مختار مدينة شاتلرو (المدينة الأقرب إلى الموقع) الأسبق، السيد بوتو، قام بوضع عدد من العلامات لتعيين المكان، إلاّ أنّه جرى انتزاعها بعد وقت. إلى هذا، اختارت الهيئات المحلية نسيان ذلك، على ما يبدو لي، بعد أن أقدمت مؤخراً على تجيير قسم من أرض المعركة كميدان للغولف.
يقوم ميدان الغولف في الموقع المسمّى بـ"وادي الموت"، وهو موقع متدرّج التضاريس ومناسب بالتالي لهذه الرياضة. حاذينا الميدان صاعدين إلى السهل من دون أن يغامرنا أيّ ظنّ بأنّ جثث الجنود مطمورة تحت هذه الأرض المشذّبة: "بلغني قبل ثلاث سنوات – يؤكّد شالو – بأنّ عمّال الجرافات وقعوا على كومةٍ من العظام، ثم ما لبثوا أن طمروها بأمرٍ من مديري مشروع ميدان الغولف مخافة أنّ تقدم الجهات المحلية على وقف المشروع لإجراء تنقيبات أثرية".
ثلاثة لاعبين فقط في ملعب الغولف، ومن دون تابعين لجرّ عدّة اللعب. الأرض مسوّاة، مهندمة بمعدّات ميكانيكية دقيقة. أرض نظيفة ومشرقة كما في فيلم دعائي. تطير طابات الغولف البيضاء، تتدحرج قبل أن تسقط في جيوبها. يبدو أنّ شارل مارتيل طيَّر في المكان عينه رؤوس المقاتلين.
"وادي الموت" طريق إسفلتية من دون رقم أو حرف، أي طريق غير مصنّفة في "دليل الطرق". طريق للنزهات في هذه الغابة، وللدراجات الهوائية، حتى أنّ أحدهم دعا سيارتنا للسير مهلاً مخافة الاصطدام بصبيان مثابرين في صعودهم لـ"وادي الموت".
هنا، فوق هذه الرابية، انقطع حلم الأمير عبد الرحمن، والي الأندلس. وفي هذا السهل أوقف شارل مارتيل "الفتح" العربي، أي أبعدَ نقطة وصلها العرب والمسلمون بعد فتح الأندلس في "الأرض الكبيرة"، كما كانوا يسمّون الإمارات الفرنسية في ذلك الوقت. ماذا جئت أفعل في بواتييه، وعمّا جئت أبحث؟
عبثاً أبحث عن الأمير عبد الرحمن، وعن قبره وعن فرسانه المؤمنين! حتى شارل مارتيل نفسه لا يحظى بأيّ نصب أو تمثال في بواتييه وخارجها! كما لو أنّ التاريخ "غبيّ يتكلّم" حسب شكسبير، أو خرافة ومرويات يتناقلونها من بيت إلى آخر من دون أصل لها، أو أنّه يتمّ التثبّت أو التأكيد على أصلها بعد وقت، لحاجة في النفوس، في نفوس الأحفاد، لا الأجداد. ذلك أنّ التاريخ يكتب لاحقاً...!
* هل تعرف عبد الرحمن بن عبدالله الغافقي؟
- أهو مغربي؟
* ربّما. وقد يكون مشرقياً.
- عليك أن تتّجه إلى دائرة البوليس المركزية. إنها تقع في نهاية هذا الشارع.
هذه المحاورة لم تحدث. تخيّلتها. لن يتغيّر شيء على أيّ حال. كنت قد عقدت العزم على طرح السؤال غير مرّة على غير شخصٍ، إلاّ أنّني امتنعت عن ذلك بعد أن تبيّن لي بأنّ سؤالي أضحوكة أو مقلب في أحسن الأحوال. كيف أسأل عن عبد الرحمن والمدينة مترامية، وشوارعها مثل عادات سكانها لا تسمح بطرح أسئلة مماثلة.
كان في إمكاني طرح السؤال على زمر الطلبة والشبّان والسيّاح المتحلّقين تحت الشجرة، حول طاولات تابعة للمقاهي الواقعة على الرصيف المقابل. كان في إمكاني سؤالهم عن عبد الرحمن إلاّ أنّهم كانوا لاهين عنّي في ثرثرات كان رذاذها المتطاير يصلني أحياناً. ثرثرات عن مادونا وباجيو، لاعب الكرة الإيطالي... كيف أسألهم عنه، وهم يبدّدون الوقت بانتظار الثامنة مساءً، موعد المباراة النهائية في "المونديال"، بعد أن رفع العمّال في طرف من ساحة المدينة شاشة كبيرة لنقل المباراة!
كيف أسألهم!؟ أهي معركة عبد الرحمن أم معركة مارادونا؟
انهزم البطل في الحالتين!
غير واحد سألني: عمّا تبحث؟ حتى أنّ موظفة "مكتب السياحة" حارت جواباً حين طالبتها بخريطة تعيّن موقع المعركة: "قلّما يسألنا أحدٌ عن هذه الموقعة"، أجابتني في شيءٍ من الاعتذار. مسؤول الإعلام في بلدية بواتييه، جان-فرانسوا ماكير، ابتسم حين أفدته عن مقصدي، معتذراً هو الآخر.
عمّا تبحث؟ لم أحسن جواباً، بل امتنعت أحياناً، واجداً نفسي في لباس محقّق، ولو بعد نيف وألف ومئتين وخمسين سنة! المقتلة قديمة للغاية، ومن دون دليل واحد! لا القاتل، ولا القتيل ولا الشهود! ومن دون أدلّة الجريمة!
هل أسأل هذا الإفريقي الذي أتى بكرسيه وجلس في صندوق التلفون متحدثاً؟ مع من يتكلّم في الثامنة والنصف صباح الأحد، وبهذا الراحة الشديدة؟
لعلّي فوّتُّ فرصة السؤال عنه عند سؤالي للكندية الصهباء عن شرابها، وهو مزيجٌ من عصير البندورة (الكتشاب) والكوكاكولا. أمّا نادل مقهى "الوارث" فقد كان متوتّراً للغاية، متذمّراً من "غطاء طنجرة السماء" الذي يطبق على رأسه في عزّ الصيف. أمّا حافلات النقل العمومي فقد كانت تعبر مسرعة وشبه خالية من الركاب.
المسنّة المتصابية في القطار بين شاتلرو وبواتييه تؤكّد لي بأنّ "بواتييه مدينة جامعية وتفتقر إلى طلابها في الصيف، ولا تنسى بأنّنا غير بعيدين عن البحر...". لم أنسَ، يا سيدتي، أيضاً أنّ جارك صديق لفلان وفلان لفلان، في سلسلة طويلة من المعارف المؤدّية إلى أنّ أحدهم عمل على وضع خطّة عمرانية لشاتلرو وجوارها، ومنها موسيه–لاباتاي: "وقع نظري على صور هذه الخطّة، إلاّ أنّني نسيت الفقرة الخاصة بموسيه–لاباتاي". "لا يهمّ"، تخفّف عنّي المسنة المتصابية قلقي بقولها: "لقد تمّ التراجع عن الخطّة".
وقعت على "الخديوي" يبيع الجرائد، إلى جانب "الأمير الأسود" الذي يوزّع مأكولاته في "حيّ قصر العدل"، المتّصل بشارع "المجازر القديمة": أهذا هو العدل؟
أمّا حسن المغربي فقد وقعت عليه بعد منتصف الليل في شارع مقفر، واصل بين كنيسة وكاتدرائية. غناؤه ناداني من طرف الشارع: "من يوم ما سافر حبيبي ونا بداوي جروحي". لا حقّ ولا باطل مع حسن! يوجّه حديثه صوبي من دون أن يحاورني، ينظر إليّ من دون أن يراني. حسن واثق، ولا ينتظر أحداً. سألته عن العرب في بواتييه فأجابني: "حبّ ايه اللي انت جاي تقول عليه"؛ وحين حدّثته عن عبد الرحمن ضحك رافعاً صوته بالغناء: "إنت فين والحبّ فين"!
بلى، وجدت أثراً لعبد الرحمن في صورة في كتاب من الشرائط المصوّرة عن تاريخ مدينة بواتييه. نتبيّن في الصورة فارساً واقعاً على الأرض. لعلّه عبد الرحمن. ذلك أنّ شارل مارتيل يحتلّ مجمل الصورة، بقامته العريضة وشاربيه الكثين ويده اليمنى الرافعة سيفه القهّار...
وجدت أثراً آخر عند الدخول إلى مبنى بلدية بواتييه العريق، في الدرج المسمّى بـ"الدرج الشرقي". وجدت الأثر بنفسي حتى أنّني قدت السيّد جان-لوي بيار، مسؤول الثقافة في البلدية، للتعرّف إليه. لوحة ملصوقة بالغراء على الحائط، وتعود إلى "الفنان الرسمي"، حسب لقبه، بيفي دو شافان في العام 1873، وقد سمّاها: "شارل مارتيل منقذ المسيحية بانتصاره على العرب قرب بواتييه في 732". لا نتبيّن أثراً للأمير عبد الرحمن في اللوحة، ذلك أنّها تحكي عودة شارل مارتيل الظافرة، أي بعد مقتل الأمير العربي. نلحظ وحسب عدداً من الأسرى، بين نساء ورجال، ذوي سحنات سمراء، أسرى مسحوقين تماماً!
"لعلّنا نجد في هؤلاء الأسرى – يعلّق السيد بيار – أصلاً للمعتقدات الرائجة في بواتييه وجوارها، والتي تقول بأنّ غير أسيرٍ عربيّ استقرّ في المنطقة بعد المعركة وأنجب...". ويعتقد السكّان، هنا، بأنّ عائلة مورو (Mauro)، المعروفة في بواتييه، ترقى إلى أصول عربية، ذلك أنّ الاسم يعني "المغاربي" في اللغة الإسبانية، وهو الاسم الذي جرى إطلاقه على المشارقة والمغاربة خصوصاً، في الأندلس بعد فتحها. هذا ما يشير إليه كتاب "سيرة القديس برديف"، حين يتحدّث على إقدام شارل مارتيل بعد انتصاره على اقتياد عدد من الأسرى العرب معه، من الأطفال والنساء، وعلى تسليمهم إلى جنوده في منطقة بواتييه أو في منطقة تور (حيث يوجد شارع باسم "شارع المغاربيين"). ويسري الاعتقاد، هنا، حسب ما قالت لنا إحدى السيدات، بأنّ هؤلاء الأسرى العرب هم الذين جلبوا معهم المشمش، وعرفته فرنسا معهم.
أما البروفسور روبير فافرو، مدير "مركز دراسات القرون الوسطى" في بواتييه، فيستغرق في الضحك حين أستعلمه عن أمر هذه العائلات: "إنّها أقاصيص التاريخ، لا أخباره". ما هي أخباره؟ ما هي حقيقة معركة بواتييه بين التاريخ والخرافة؟
---
يسمّونها "فوانيس الموتى". لها هيئة عامود، تتجاوز المترين ارتفاعاً، ويتمّ نصبها بالأحجار في المقابر، منذ قرون بعيدة، للسهر على "شعب القبور"، كما يسمّونه. بناء منطلق، حتى أنّه ينتهي في صورة سهم في أعلاه، مجوّف في داخله، ومبني على تجويف مليء بعظام الموتى. كان يتمّ، فيما مضى، إشعال الفانوس في الليل بعد أن يتمّ وضعه في التجويف ذي الشكل المخروطي الواقع في أعلى البناء، ثمّ يتمّ إنزاله في النهار في العامود.
نقع على عدد من هذه الفوانيس في جوار بواتييه. فوانيس مطفأة. فوانيس أثرية وحسب، إلاّ أنّها، مثل الشواهد، تذكر بالفصول الدامية والعديدة في تاريخ بواتييه.
لا يتأخّر الباحثان الفرنسيان جان هنري روا وجان ديفيوس في كتابهما "معركة بواتييه" (غاليمار) عن التحدّث عن "ملف بواتييه" عند الكلام عن معركة العرب والفرنسيين فيها. ذلك أنّ هذه المعركة، بخلاف غيرها من المعارك التي شهدتها المنطقة قبل هذه وبعدها، غير واضحة تاريخياً. مثل ملف مفتوح إذاً، "وحتى الآن"، حسب البروفسور فافرو.
لن نكتب تاريخ المعركة، سنكتفي بعرض محتويات هذا الملفّ محاولين التوصّل – عند الإمكان – إلى تبيان حقيقة هذه المعركة.
قد يبدو للبعض أنّ طرح السؤال غريب، فيما هو طبيعي ومتوّقع إذا عدنا إلى المرويات التاريخية، الفرنسية والعربية، القديمة. لا يشير أيّ مؤرّخ عربي لمكان بواتييه، أمّا المؤرّخون الأوروبيون فيشيرون إلى غير موقع من دون تعيين دقيق، مكتفين بالإشارة إلى أنّها حصلت "قرب بواتييه"، أو "في ضواحي بواتييه"، أو "في ضواحي تور"، حسب رودريك كزيمينيس، أو "في سهل فسيح بين تور وبواتييه"، حسب الأب اليسوعي مرسيلين فوانييه...
إنّ هذه الخلافات ليست كبيرة في نهاية المطاف، فهي لا تتوصّل إلى تعيين الموقع، لا المنطقة، أيّ أنّها لا تتّفق على مكان حدوث المعركة في المنطقة الواصلة بين مدينتي تور وبواتييه. إلاّ أنّ معلومة وردت في كتابات ابن الإداري، المؤرّخ الأندلسي، في القرن الحادي عشر (وهي أقدم وثيقة عربية عن معركة بواتييه) تضيء طريقنا وتخفف من تردّدات المؤرّخين. تتحدّث هذه الوثيقة عن "بلاط الشهداء" عند الكلام عن المعركة: ما المقصود من هذه العبارة؟
المؤرخ الفرنسي مارسيل بودو ينطلق من هذه المعلومة لتعيين موقع المعركة، "وقد حصلت فوق طريق مبلّطة، وهو أمر يتماشى مع المنطلق إذا أشرنا إلى الطريق الرومانية (وقد كانت عاداتهم تبليط الطرق) الواصلة بين تور وبواتييه". هذا ما يقوله أيضاً المؤرّخون رينو، ليفي–بروفنسال، ليفيللين وغيرهم.
إلاّ أنّ التعيين هذا لا يكفي. فالمواقع الممكنة لحدوث المعركة فوق هذه "الطريق الرومانية" عديدة، وقد اختلف غير مؤرّخ في الحصر النهائي للموقع. إلاّ أنّ عدداً منهم، مثل ليفي-بروفنسال، يميل إلى تعيينها في المكان المسمّى بـ"موسيه-لاباتاي" مستندين إلى عدد من المؤشّرات الجغرافية وإلى معتقدات للسكان المحليين خصوصاً.
كيف لم تحدث المعركة في هذا المكان، واسمه (لاباتاي) يعني المعركة!؟ إلى هذا، يذهب البعض إلى القول بأنّ الاسم الأول (موسيه) من الاسم المركّب لهذا المكان تحريف لاسم "موسى": أهو موسى بن نصير، فاتح الأندلس، وبالتالي فاتح الطريق إلى "الأرض الكبيرة"، كما كان العرب يسمّون حينها أرض الإمارات في فرنسا؟ إنّ أحد المؤرّخين العرب، ابن حيان، عين "بلاط الشهداء" قرب مدينة تولوز أثناء حصارها.
الكتب مثل الموسوعات الفرنسية المتأخّرة لا تجمع على زمان محدّد لحدوث المعركة: جرت في 23 تشربن الأول (أكتوبر) 732 حسب كتاب "تاريخ بواتييه" (دار بريفا)، أمّا في "القاموس المعرفي للتاريخ" (دار بورداس) فقد حدثت في نهاية حملة "بدأت في ربيع 732"، وفي "القاموس الكبير لتاريخ فرنسا" (من تأليف الوزير الحالي آلان ديكو واندريه كستيلو) يتردّد المؤلّفان بين العام المذكور والعام 732. فمتى حصلت المعركة؟
المؤرّخ الأندلسي ابن الإداري يشير في كتاباته إلى أنّ الوالي عبد الرحمن، قائد الحملة، توفاه الله كشهيد في بلاد العدوّ، في شهر رمضان من العام 114 هـ، وهو يناسب 25 تشرين الأول (أكتوبر) 732، ويقع يوم سبت، حسب الحسابات. إنّ هذا التعيين يوافق ما قالت به "وقائع سان-امند"، وهو كتاب تاريخي ديني قديم، إذ يشير حرفياً باللاتينية إلى زمان المعركة: (In Mense Octobri)، ومعناه: "في شهر تشرين الأول/أكتوبر". ويوافق أيضاً ما قالت به "الوقائع" المسمّاة بـ "وقائع ميرباخ"، إذ يشير باللاتينية: (Die Sabato)، أي يوم السبت. أي أنّ تواريخ ابن الإداري و"وقائع سان-امند" و"وقائع ميرباخ" تجمع على الوقت عينه: السبت 25 تشرين الأول (أكتوبر) من سنة 732. إلاّ أنّ هناك عدداً آخر من المؤرّخين يشير إلى مواعيد متباعدة: 725 حسب بوسييه و726 حسب آخرين، و727 و730 و734 حسب آخرين. أمّا المؤرّخ الأندلسي ابن الحكم فهو يعيّنها في العام 115 هجرياً، أي أنّها تقع بين العامين 733 و734. فأيّ السنوات نختار بعد أن تأكّدنا من اليوم والشهر؟
يفيدنا ابن الإداري بأنّ مقتل الأمير عبد الرحمن جرى في رمضان، وهو شهر لم يبدأ في العام 732، حسب الحسابات، إلاّ في اليوم الموافق لـ 14 تشرين الأول (أكتوبر). نستنتج من ذلك أنّ المعركة حصلت في أحد السبوت هذه: 17 أو 24 أو 31 تشرين الأول (أكتوبر) من سنة 733. لهذا الغرض سارع المؤرّخ الفرنسي مارسيل بودو إلى إقرار يوم السبت الموافق في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 733 كيوم المعركة المشهود.
لماذا جرت المعركة؟ كيف نعيّنها في سياق "الفتح" العربي، وفي إطار تنامي قوة شارل مارتيل ونفوذه على الإمارات الأخرى الواقعة فوق أرض فرنسا الحالية؟
كتبُ المؤرّخين العرب قلّما توقّفت أمام أسباب هذه المعركة، وأشارت إليها باقتضاب من دون أن تسمّيها. وما كانت لتقدم على ذكرها لولا موت الأمير عيد الرحمن فيها، أي أنّها تذكرها في معرض التاريخ لسيرة أحد ولاة الأندلس.
إلاّ أنّنا لا نقوى على إدراجها في هذا السياق العربي من دون الالتفات، ولو السريع، لمجريات فتح الأندلس. فنحن نعلم، على سبيل المثال، بأنّ الفتح لم يكن ميسراً في الكرة الأولى، إلاّ أنّ الفشل هذا لم يمنع الخليفة في دمشق من الطلب إلى موسى بن نصير، بعد فشل المحاولات الأولى، السعي من جديد، ولكن بواسطة مجموعات صغيرة مخافة تعريض حياة المؤمنين لأخطار مجهولة. وهكذا كان: المعركة الفاصلة حصلت في شريش في 28 رمضان 92 هـ (19 تموز/يوليو 711).
الوالي السمح يتابع الجهاد في العام 719 مجتازاً جبال البيرينيه، وتحتلّ قوّاته القسم الغربي–الجنوبي من فرنسا، وتتحوّل مدينة نربون إلى محميّة عسكرية هامّة. ثم تتساقط المدن الفرنسية الجنوبية واحدة بعد الأخرى: كركاسون ونيم في العام 725 وأفينيون في العام 730.
عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي صاحبَ السمح في حملاته وقاتل إلى جانبه، في حصار تولوز خاصة، في العام 721: يموت السمح في الحصار، فيعود بالقوات متراجعاً إلى نربون.
تفيدنا كتب التاريخ العربية بأنّه وقع الاختيار على عبد الرحمن كوالٍ جديد. إلاّ أنّ دمشق أزاحته لأسباب غير معلومة، ثمّ ما لبثت أن عادت عن قرارها إثر زيارة محمد بن عبد الله، مبعوث الخليفة، للأندلس، ووقوفه على تأييد الجنود مثل العلماء والفقهاء لعبد الرحمن. وهكذا تمّ تعيين عبد الرحمن في قرطبة بوصفه الوالي الرابع عشر، في اليوم الموافق لـ 15 آذار (مارس) من سنة 731، حسب ابن خلدون، أو الموافق في سنتي 729 و730، حسب مؤرّخين عرب آخرين.
لن يتأخّر الأمير عبد الرحمن، إذاً، عن استكمال ما كان قد شرع به سلفه، وهو فتح مدن أخرى في "الأرض الكبيرة". ويسري الاعتقاد بأنّ غرض الحملة هذه لم يكن بواتييه نفسها، بل مدينة تور، وقد كانت أرهب جانباً وأغنى، عدا كونها مقرّاً دينياً مرموقاً. هل قضى مقتل الأمير عبد الرحمن على محاولات "الفتح"؟ ربّما، ذلك أننا لا نعرف أيّ مناوشات لاحقة بين العرب والفرنسيين، وتكون بواتييه بذلك – لصدفة تاريخية ليس إلاّ – أبعد نقطة بلغها "الفتح" العربي في شمال أوروبا. وماذا عن المعركة من الناحية الفرنسية؟
يؤكّد جورج دوبي، شيخ المؤرّخين الفرنسيين، في كتابه الموسوعي "تاريخ فرنسا: من البدايات إلى 1348" بأنّ انتصار شارل مارتيل في بواتييه يعدّ من أكثر الانتصارات "حسماً لمستقبل الغرب وفرنسا". وهو تأكيد نلقاه على كلّ لسان وكتاب: "هنا، (أي في بواتييه)، تقرّر مصير الغرب" (سيّد يوه)، "إنّه أحد أكبر حوادث التاريخ: لو خرج العرب منها منتصرين لكان العالم أصبح محمدياً" (شاتوبريان)، "إنّه أحد الأحداث الأساسية في تاريخ العالم" (ليفيلان وساماران)... بلزاك تحدّث عنها في عمله الأدبي "الزنبقة"، وبوسييه أشار إليها في "خطاب عن التاريخ العالمي". حتى الأستاذ الجامعي جان-بيار أرينيون، من "مركز دراسات القرون الوسطى" في بواتييه، لا يتأخّر عن القول أمامي، ولو بصورة مواربة، بأنّ إحدى أقدم الوثائق عن المعركة، وهي لكاتب مجهول من قرطبة (يمكن قراءة الوثيقة هذه وغيرها أدناه)، تتحدّث عن جنود شارل مارتيل، بوصفهم من "أهل أوروبا"، أي أنّ أوروبا كانت تحارب الإسلام.
مثل هذا الكلام بجانب حقائق التاريخ، عدا أنّه مشبع بترهات الإيديولوجيا. فأوروبا، لا بل فرنسا نفسها، لم تكن في ذلك الوقت كياناً أو وطناً أو أمّة أو دولة بل مجموعة من الإمارات المتناحرة. فلو توقّفنا فقط أمام خريطة فرنسا الحالية لمقارنتها بما كانت عليه في القرن الثامن لوجدنا أنّها كانت تتألّف من غير قوم، ومقسّمة على غير إمارة، أي أنّها لم تكن لا أمّة ولا دولة! فكيف بأوروبا نفسها!
كانت تتشكّل حينها من عددٍ من الإمارات: نوستيريا، آكيتين، بورغونيا. واحدة من هذه الإمارات كانت تحمل اسم فرنسا، وتضمّ قسماً من شمال فرنسا الحالية ومن بلجيكا الحالية. فكيف سمح المؤرّخون لأنفسهم بقول ما قالوه؟
نجح شارل مارتيل (وقد كان "ابن حرام" لملك إمارة فرنسا)، بعد أن انتزع الحكم، في تقوية إمارته، وصدّ الهجومات العربية، ومن ثمّ أخضع إمارتين لحكمه. إلاّ أنّه لن يتوصّل إلى بناء حكم "مستقرّ" تماماً: يتوصّل مثلاً إلى نزع العائلات المهيمنة على عرشي البروفانس وبورغونيا، إلاّ أنّ هذه العائلات لا تلبث أن تتمرّد على سلطة مارتيل، وتقدم على تسليم أفينيون والضفة اليسرى من نهر "الرون" لـ... العرب! وبمجرّد أن مات مارتيل في العام 741 أعلنت الإمارات العصيان... إلاّ أنّ سياسة الإخضاع، رغم إخفاقاتها، ستصبح السياسة المعتمدة ابتداءً من شارل مارتيل ووصولاً إلى شارلمان، أي إلى بناء حكم مركزي وقوي، أي أنّ فرنسا اللاحقة ستجد في هذا المشروع صورة أوّلية لما آلت إليه لاحقاً.
كان لمعركة بواتييه أن تبقى حدثاً منسياً، لولا أنّ أحداث التاريخ اللاحقة جعلت منها أساساً لمشروع ما. هذا ما يلخّصه بدقّة المؤرّخ زيلر: "ها هي معركة بواتييه: أنقذت الغرب والحضارة المسيحية، حسب البعض، ولم تكن سوى فصل في حرب التحرّشات والغزوات العربية في وسط فرنسا".
---
إنّها قصة المغاربيين الخمسة، وقد وجدتْ لها مستقرّاً في منعطف خطير في إحدى الطرق بجوار بواتييه. لا زال الاعتقاد سارياً بأنّ خمسة من جنود عبد الرحمن نصبوا مكمناً في مكانٍ قريب من المنعطف، ونجحوا في الاستيلاء على عدد من المغانم، ثم أقدموا على سرقة أحد الأديرة، ومنها أجراس الكنيسة. زادت المغانم على حمولة الدواب والأحصنة المصاحبة للمغاربيين الخمسة فتساقطت، ومنها الأجراس، ووقعت في النهر.
عند سؤالي له، أجاب المدرّس شالو: "لا، لم يقدم أحد على التفتيش في النهر. لعلّهم خافوا. يعتقد الناس بذلك، بل يتوصّلون إلى سماع رنين الأجراس عند اندلاع العواصف والزوابع".
المرويات عديدة أمّا أخبار التاريخ فنادرة، عدا أن التحق منها بات صعباً. المؤرّخون المسلمون لم يولوا المعركة أيّ اعتبار. إلى ماذا نعزو ذلك؟
هل كانت معركة في سلسلة عديدة من المعارك، أو من التحرّشات بحيث لم يقدموا على ذكرها؟ فمن اللافت للنظر أنّهم أشاروا وحسب إلى مقتل الأمير، ولكن من دون أن يعينوا مكان القتل. إلى هذا، يمكن الإشارة إلى بُعد هؤلاء المؤرّخين عن أرض المعركة، أي أنّهم لم يكونوا شهوداً، وقد وصلتهم الأخبار عنها مقتضبة وغير دقيقة كفاية.
فابن عبد الحكم (803-871) هو أقدم مؤرّخ عربي معروف عن تلك الفترة، إلاّ أنّه لم يخلف لنا في "كتاب فتوح مصر"، أيّ معلومة عن هذه المعركة، رغم أنّه أفاض في شرح فتح أفريقيا والأندلس. أمّا المؤرّخ عبد الحكم فهو يشير، في سيرته للأمير عبد الرحمن، إلى أنّه كان "تقيأ ورعاً"، وأنّه نظم حملة ضدّ البلاد الفرنسية، بوصفهم "أبعد أعداء" الأندلس. ثمّ يشير المؤرّخ إلى أنّ الأمير قام بهجوم جديد فقضى فيه "شهيد الإسلام" مع سائر أصحابه في العام 115.
إذا كانت المعلومات العربية شحيحة، فإنّ ما تناقله عنها كتبة المرويات في غير إمارة بأوروبا عديد ومتنوّع، وقد اخترنا ترجمة بعضها، وهي الأقدم، وتقديمها كما هي، بكلّ ما تتضمّنه من أحقاد وأوصاف طريفة في بعض الأحيان (في مروية قرطبة خاصة)، وهي تقدّم لأوّل مرّة، حسب علمنا، بالعربية:
"كيف حارب (شارل مارتيل) وقضى على السكسون ودوق "الأكيتين" وعبد الرحمن، ملك العرب.
في السنة المنصرمة جمع شارل جيشاً عرمرماً، واجتاز نهر "الرين"، ثم البلاد الألمانية، مواصلاً تقدّمه الظافر حتى "الدانوب"، ثم عبره واحتلّ البلاد البلغارية. بعد إخضاعه لهذه المنطقة، سلك طريق العودة، جامعاً العديد من المغانم، بصحبة إحدى النساء وابنته سونشيلد. خلال هذه الفترة لم يحترم القائد أود بنود المعاهدة التي أجراها (مع شارل مارتيل). بعد إعلامه بالأمر جمع الملك شارل جيشاً، واجتاز على رأسه نهر "اللوار"، ممّا دفع أود إلى الفرار، مع غنائمه الكثيرة، متراجعاً إلى بلاده.
بعد أن أصابته الهزيمة، يستغيث أود بأمّة العرب الخادعة لنجدته في حربه ضدّ الملك شارل والفرنسيين، فينطلقون في حملة يقودها ملكهم المعروف باسم عبد الرحمن، ويجتازون نهر "الغارون" ويصلون إلى بوردو. سيقومون بحرق الكنائس، والقضاء على السكان، مواصلين تقدّمهم حتى بواتييه. سيشعلون النار في كنيسة سانت-هيلير. أي ألم عند قول هذا!
يقوم الملك شارل لصدّهم بنشر جيشه ثمّ يهاجمهم بجرأة شاهراً أسلحته في وجههم. يتوصّل، بمعونة المسيح، إلى قلب خيامهم محوّلاً المعركة إلى مجزرة، يقتل ملكهم، يسحق ويقضي على جيشهم محارباً وظافراً (...)": من مرويات شيلدبران (Childebrand) التاريخية.
"العام 715:
بعد تسع سنوات على الدخول إلى إسبانيا، يحاصر السمح (وإلى الأندلس) ناربون (الفرنسية)، ثمّ يحتلّها، ويأمر بالقضاء على سكانها، ويقتاد عدداً من النساء والأطفال كأسرى إلى إسبانيا. في السنة نفسها، في الشهر الثالث، يحاصر تولوز (الفرنسية)، فيتوجّه إليها لصدّه وحاربته جيش بقيادة أود، أمير "الآكيتين". عند نشوب المعركة يتمّ القضاء على قسم كبير من الجيش العربي أو يجبرونهم على الفرار.
يتوصّل ملك العرب إلى إخضاع "كركاسون" (الفرنسية) بعد حصار دام أربع سنوات، ثمّ يسعى إلى إخضاع "نيم" موجّهاً الأسرى إلى برشلونة" (من أخبار (Uzes) التاريخية).
"في السنة التالية (أي في 732) يطلب أود، دوق الآكيتين، بعد أن تحقّق من ضعف قوّاته أمام شارل، مساعدة أمّة العرب الخادعة. يجتازون نهر "الغارون"، وعلى رأسهم الملك المعروف باسم عبد الرحمن، ويصلون إلى "بوردو". هنا، سيقومون بحرق كنائس الله، وسيقتلون عدداً كبيراً من المسيحيين وستوجّهون بعد ذلك إلى بواتييه. سيُشعلون الحرائق في كنيسة سانت-هيلير، ثمّ يقصدون دير سان-مارتان للغرض عينه. سينشر الأمير شارل جيشه قرب مدينة بواتييه لصدّهم، وسيَغير عليهم ببسالة بعد أن التمس معونة المسيح. سيقضي على العرب برمّتهم وعلى ملكهم أيضاً" (من "مرويات فونتانلنسيس (Fontanellensis) التاريخية"، وهي لكاتب مجهول توفي في العام 734).
"بعد أن رأى عبد الرحمن جيشه منتشراً في كلّ أرض، شقق الجبال وداس السهول كما البحار، ناهباً أرض الفرنسيين. وقد ضرب بسيفه بقوة أينما بلغت قواته، حتى أنّ الله وحده يعرف عدد القتلى والمحتضرين إثر المعركة التي خاضها ضدّ أود فيما وراء نهر "الغارون" أو "الدوردون"، والتي انتهت بفراره (أود). يقرّر عبد الرحمن، عندها، اللحاق بالدوق أود ونهب كنيسة "تور" مدمّراً القصور وحارقاً الكنائس. بعد وصول الخبر إلى قنصل الداخل في فرنسا الشمالية، ويسمى كاروليس (أي شارل)، وهو معروف بشراسته منذ فتوته وبطول باعه في الحروب، يعقد العزم على صدّ هذا الهجوم، بعد أن أخطره أود به.
بعد سبعة أيام من المعارك العنيفة لم تنجل صورة المعركة بين المعسكرين، فيقومان بالإعداد لمعركة فاصلة ونهائية. أهل الشمال يحاربون ببسالة، حتى أنّهم لا يتورّعون عن إلحاق الضربات في الوجوه. لا يتزعزعون مثل جدار، ولا يتذمّرون أبداً، سيوفهم في قبضاتهم برباطة جأش مثل سور من الجليد، هاجمين على العرب. ولكن حين صدّ رجال (شارل) بقاماتهم العريضة الهجوم، انطلقت أياديهم الشجاعة، المسلّحة بالحديد، في النزال، مستهدفة قلب جيش العدوّ، فبلغت الملك وقتلته، ووضع الليل حدّاً للمعركة. خائبين، يعيدون السيوف إلى أغمادها. في اليوم التالي يستعدوّن للنزال من جديد ضدّ العرب، فيشهرون سيوفهم ويتحقّق أهل أوروبا من أنّ خيام العرب لا زالت في أمكنتها. إلاّ أنّهم لم يكونوا عالمين بأنّ الخيام مهجورة وفارغة، فيوجّهون عدداً من الرسل (إلى المخيّم العربي). وستفيد شهادات الرسل بأنّ القوات الإسماعيلية (؟!) أخلت أرض المعركة.
في صمت، أثناء الليل، فرّوا بطريقة منظّمة للعودة إلى بلادهم، إلاّ أنّ أهل أوروبا تحسّبوا للمكائد. وكم كانت دهشتهم عظيمة، بعد أن داروا دورة المخيّم كلّها، حين وجدوا أنفسهم فيما بينهم. إلى ذلك، بما أنّ هذه الشعوب (أيّ العرب) لا تخشى أبداً اللحاق بها، مضت حاملة معها المغانم والجثث، عائدة سعيدة إلى أوطانها" (من المرويات التاريخية لكاتب مجهول الهوية من قرطبة، وتعود للأعوام الواقعة بين 1376 و1437).
"حين تيقن الدوق أودّ من أنّه لن يقوى على الانتقام من الأمير شارل من دون معونات خارجية، عقد حلفاً مع عرب إسبانيا ودعاهم لمؤازرته ضدّ الأمير شارل والمسيحية. عندها ينطلق العرب من إسبانيا، وعلى رأسهم أحد ملوكهم، عبد الرحمن، مصطحبين معهم نساءهم وأولادهم وثرواتهم، وفي أعداد كبيرة لا تقدّر ولا تحصى: اصطحبوا معهم معداتهم وثرواتهم كما لو أنّهم عقدوا العزم على الاستقرار في فرنسا.
سيعبرون "الجيروند" ويدخلون إلى مدينة بوردو، فيقتلون الناس ويشعلون الحرائق في الكنائس وينهبون البلاد.
ثمّ يتقدّمون واصلين إلى بواتييه، فيدمّرون كلّ ما تقع عليه أيديهم، كما في بوردو، فيشعلون النار في كنيسة سانت-هيلير، ممّا روّع السكان وأغاظهم. ومنها انطلقوا إلى مدينة تور لتدمير كنيسة سان-مرتان والمدينة وما يجاورها.
قام لمواجهتهم الأمير الظافر شارل فورَ وصول الخبر إليه: صفَّ جيشه لخوض المعركة، وغار عليهم مثلما الذئب الجائع على النعاج. بفضل بسالة سيدنا، دبّر مجزرة لأعداء الإيمان المسيحي، وقتل منهم، حسب الرواة، 385 ألف مقاتل، بمن فيهم ملكهم عبد الرحمن. أمّا المذهل في الأمر فهو أنّه لم يفقد في هذه المعركة سوى 1500 من جنوده. استولى على خيامهم كلّها ومعدّاتهم وسائر محمولاتهم" (من "وقائع سان-دوني").
"حارب (شارل مارتيل) ضدّ العرب في مكان غير بعيد عن نربون، ممّا أدّى إلى مجزرة كبرى. وعندما توصّلوا إلى الاستيلاء من جديد على البروفانس، مسيطرين على آليريا، قام شارل بطردهم من هذه المناطق بمعونة ليتبرندوس، ملك اللومبرديين" (من "وقائع فردان").
وقائع مضخّمة، أخبار مختلفة، أحقاد معلنة: إنّها الشرارات الأولى في هذا التاريخ الذي تفتتحه بواتييه ويستمرّ لاحقاً مع الصليبيين، انتهاء بالمرحلة الاستعمارية. نختصر التاريخ في هذه الصورة من دون شكّ، إلاّ أنّ فترات الصدام وأدبياتها خصوصاً اغتذت دائماً من هذه المرويات، فهي الصورة الغربية الأولى للعربي.
(جريدة "الحياة"، لندن، أيلول-سبتمبر 1990).
---
الهرب بأيّ ثمن من لبنان!
الهرب بأيّ ثمن من لبنان!
هذا ما يراود العديد من اللبنانيين: منهم من يتوصّل إلى الفوز بتأشيرة دخول شرعية إلى كندا والسويد خصوصاً، ومنهم من يحاول الوصول إليهما بألف حيلة وحيلة، ولو كلّفه ذلك النزول في مطار استوكهولم أو مونتريال أو غيرهما وتمزيق جواز سفره وطلب اللجوء السياسي.
منهم من يطلب الهجرة، وحسب الأعراف، إلاّ أنّ تقديم الطلب بات يقتضي السفر إلى دمشق أو نيقوسيا، وهو أمر غير متيسّر للجميع، خاصّة إذا كان مقاتلاً في بعض الميليشيات. ما العمل إذن؟
هناك من سعى إلى الإجابة عن هذا السؤال، وهم فئة جديدة من "اللبناني الشاطر": تجّار الهرب وتزوير تأشيرات الدخول إلى البلدان الأجنبية. تجّار منظّمون، حتى إنّ لهم تعريفة معروفة: تأشيرة السويد المزوّرة (500 دولار)، جواز مرور لبناني (300 دولار)، تقديم طلب الهجرة إلى كندا في سفارتها بقبرص (100 دولار) جواز سفر سويدي مزوّر (3700 دولار)... إلى غير ذلك ممّا تجد أثراً له في بعض إعلانات شركات السفريات في الصحف اللبنانية.
البعض ينجح في الخلاص من الجحيم اللبناني، إلاّ أنّ البعض الآخر يخفق، فيتمّ إرجاعه إلى لبنان، أو يتمّ اعتقاله في إحدى محطات هذه الرحلة المجنونة.
ثمانية من دفعات الهرب هذه حلّوا في باريس، بعد أن قاموا برحلة سندبادية قادتهم من مرفأ جونيه أو مطار بيروت الدولي إلى بانكوك مروراً بدبي وبومباي، من دون أن يصلوا إلى برّ الأمان السويدي، مقصدهم النهائي. ثمانية آخرون قاموا بالرحلة نفسها، إلاّ أنّهم فضّلوا العودة إلى لبنان بعد وقوعهم في أيدي الشرطة الفرنسية. من بين الـ16 مسافراً، سيدة حبلى في الشهر السابع وأخوها (10 سنوات) وأمّها، وشبّان تتراوح أعمارهم في العشرينات، وقد انتسب بعضهم إلى الميليشيات في لبنان.
التقينا الثمانية الذين بقوا في باريس، وقد اكتفينا بإيراد أسمائهم الأولى كاملة والحرف الأول من أسماء عائلاتهم: فادي ن.، شفيق ح.، سيمون د.، أنطوان ع.، سيمون ط.، جوزف ط.، سعد ب.، وبينوا ب.
هذه مرويات رحلتهم، نوردها كما بلغتنا، من دون أن نتمكّن، بطبيعة الحال، من التدقيق فيها أو مطابقتها مع غيرها.
* مرفأ جونيه، الجمعة 31 آب (أغسطس)، بعد الظهر.
ستة شبّان يركبون السفينة "غرين وان" الواصلة بين مرفأ جونيه ومرفأ لارنكا. يمضون نهار السبت في المدينة القبرصية، ويجدون الوقت الكافي للتعارف، ما بين ساعات الليل التي اجتازوا فيها غمار المتوسّط وساعات النهار التي أمضوها فوق الجزيرة، محطّتهم الأولى في رحلة الخلاص.
هذه الرحلة بدأت عند سيمون د. يوم أبلغه ابن عمته بأنّ خطيب إحدى زميلاته في العمل سيسافر إلى استوكهولم "بطريقة خاصّة" على أن تلحقه خطيبته لاحقاً، ووضع أمامه صفحة من إحدى الجرائد اللبنانية تشير في إعلاناتها إلى الرحلات المنظّمة إلى كندا والسويد. يحتفظ سيمون بقصاصة الجريدة، ويبدأ بإعداد المبالغ اللازمة لمثل هذه الرحلة المنظمة": 4 آلاف دولار. بعد أيام يتأكّد سيمون من وصول الخطيب إلى برّ الأمان السويدي...
عندها تتسارع الأمور: يتّصل سيمون بشاب آخر من قريته، هو سيمون ط.، ويتّجهان معاً إلى شركة السفريات الواقعة في جلّ الديب. الشركة تتكفّل ببطاقات السفر، على أن يتولّى الرحلة ويتعهّدها لبناني مقيم في السويد، نمر أ. ن. . يكتفي صاحب الشركة، في أوّل اتصال بالشابين، بأخذ جوازات السفر منهما، ويدعوهما إلى مراجعته بعد خمسة أيام. وهكذا كان. يستعيد الشابان جوازَي السفر في اليوم الموعود، بعد أن ضمنهما تأشيرة دخول إلى تايلاندا. خلال هذه الأيام الخمسة وصل متعهّد الرحلة إلى لبنان عبر جونيه، والتقى بالشابين، وشرح لهما مخطّط الرحلة. وعند سؤاله عن عدد المسافرين معهما، أجابهما: ستة. ثم ينتظر الشابان طوال الأيام الباقية إشارة الانطلاق، بعد أن اتّجه المتعهّد إلى روما.
* مطار بيروت الدولي، 1 أيلول (سبتمبر)، صباحاً.
فيما كان الشبان الستة يمضون نهارهم في لارنكا بسرد أقاصيصهم، انطلقت من مطار بيروت الدولي طائرة لـ"الميدل ايست" متّجهة إلى دبي، وعلى متنها 10 مسافرين من مجموع الركّاب، يؤلّفون المجموعة الثانية من هذه الرحلة المنظّمة عبر شطري العاصمة البيروتية. ستمضي هذه المجموعة ليلتها في أحد الفنادق بدبي، على أن تسافر في اليوم التالي إلى بانكوك، محطّتها الثانية.
* مطار لارنكا، 2 أيلول (سبتمبر)، صباحاً.
مجموعة الستة تركب الطائرة في التاسعة صباحاً متجّهة إلى بانكوك، على أن تتوقّف في مطار دبي الدولي أثناء سيرها. تصل الطائرة إلى دبي ظهراً، وتنتظر المجموعة 12 ساعة في المطار بانتظار رحلتها القادمة إلى بانكوك.
وفي فجر الثالث من أيلول (سبتمبر) تلتقي المجموعتان (6 و10) في المطار، وتتحقّقان من أنّهما ستمضيان بقيّة الرحلة معاً. وفي الحادية عشرة صباحاً تصل طائرتهما إلى بانكوك بعد توقّفها في بومباي.
* بانكوك، 3 – 15 أيلول (سبتمبر).
يحلّ المسافرون (16 شخصاً) في "بانكوك بالاس اوتيل" الفخم (6 نجوم) لأيام ثلاثة، حسب المخطّط الموضوع، على أن يقوم المتعهّد فيها بشراء بطاقات سفر المحطة القادمة، بعد أن وصل إلى العاصمة التايلاندية قبل يومين على وصولهم إليها، قادماً من روما. أمّا المحطة القادمة والأخيرة، فهي: استوكهولم.
يطلب المتعهّد من أحد الشبان الذهاب إلى شركة K.L.M. بصحبة أحد العاملين في الفندق، لشراء بطاقات السفر، مصحوبة بجوازات السفر اللبنانية، بعد أن ألصق على إحدى صفحاتها تأشيرة دخول مزوّرة إلى السويد. التأشيرات المزوّرة جرى ترتيبها في بيروت، وتمّ نقلها بين الأغراض الشخصية للسيدة الحبلى، التي سافرت مع المجموعة من مطار بيروت الدولي.
شركة K.L.M. تسجّل الطلبات محتفظة بجوازات السفر. لن تحتفظ بها طويلاً، ستأخذها مباشرة إلى القسم القنصلي في سفارة السويد. موظفو السفارة يكشفون أمر التأشيرات المزوّرة، ويضعون عليها خاتماً يدلّ على فعل التزوير. عندها يقوم المتعهّد بنزع التأشيرات المزوّرة عن جوازات السفر، ويعمل على تنظيف الصفحات من آثار الأختام عليها. فينجح ويخفق في هذا المجال، حيث أتت بعض الصفحات مخدوشة من دون أن يضطرّ إلى تمزيق الصفحة (الأمر الذي يجعل جواز السفر غير قانوني)، ولجأ في حالات أخرى إلى لصق الصفحتين.
ما العمل الآن بعد فشل المخطّط؟
الخطوة الأولى قامت على نقل المسافرين إلى فندق جديد، "فيرست هاوس اوتيل" المتواضع، وعلى إنزالهم في خمس غرف (بدل الغرف التسع في الفندق الأول)، ثمّ في أربع. كما جرى أيضاً حصر النفقات بصورة شديدة، يوماً بعد يوم، أمام تأخّر الوصول إلى حلّ جديد، "حتى إنّنا كنّا نكتفي أحياناً بأكل "التوست" (الخبز المحمّص) مع حليب نستله".
مصادر المسافرين المالية شحّت يوماً بعد يوم، "خاصة وأنّه كان قد شرح لنا في لبنان بأنّ علينا الاحتفاظ بمبلغ لا يزيد عن الـ 40 دولاراً عند وصولنا إلى استوكهولم لتسهيل طلبات اللجوء السياسي. شحّ المال بين أيدينا، بعد أن أخذ من كلّ واحد، "عالماشي"، عند وصولنا إلى مطار بانكوك، مبلغ 250 دولاراً. واضطرّ البعض منّا إلى اقتراض المال منه وفق سندات يتمّ دفعها لاحقاً". وماذا عن مستقبل الرحلة نفسها؟
كان المتعهّد، في البداية، قد أعدّ العدّة لشراء بطاقات السفر، لا من شركة K.L.M.، كما حاول، بل من شركة الخطوط الفرنسية: "قال لنا وقتها بأنّ شراء بطاقات السفر من الشركة الفرنسية ممكن من دون النظر إلى جوازات السفر". إلاّ أنّ عدد المسافرين كبير (18 شخصاً)، ولم يتوصّل إلى إجراء الحجوزات الكافية. عندها اتّصل المتعهّد بالسفارة الفرنسية في بانكوك، طالباً تاشيرة مرور إلى فرنسا لإعادة المسافرين إلى بيروت: "هذا ما قاله لهم، إلاّ أنّ المقصود كان تسفيرنا من بانكوك إلى باريس عبر استوكهولم، على أن نمزّق جوازات سفرنا في المطار السويدي ونطالب باللجوء السياسي".
السفارة الفرنسية سجّلت الطلبات (وأخطرت الخارجية الفرنسية بذلك، حسبما علم المسافرون لاحقاً في باريس)، وطالبت المتعهّد ببطاقات السفر، على أن يأتي بها بعد أيام. يتّصل المتعهّد بشركة السفريات في جلّ الديب، إلاّ أنّ بطاقات السفر لم تصل في اليوم المطلوب. لم يرقْ الأمر لموظفي السفارة الفرنسية، ورفضوا إعطاء تأشيرة مرور للمسافرين اللبنانيين.
بطاقات السفر ستصل إلى بانكوك، ولكن بعد اليوم المتّفق عليه مع السفارة الفرنسية. إلى ذلك، واجهت المتعهّد مشكلة أخرى، وهي أنّ البطاقات هذه تسمح لهم بالنزول إلى مطار أورلي (جنوب باريس)، محطّة "الميدل ايست" اللبنانية، لا في مطار شارل ديغول (شمال باريس)، الذي تحطّ به الطائرات الذاهبة إلى والقادمة من مطار استوكهولم.
* بانكوك، 16 أيلول (سبتمبر).
"الرحيل غداً إلى استوكهولم، في الواحدة ظهراً": هذا ما قاله المتعهّد للمسافرين، حين جمعهم في الفندق، ثمّ أعطى أحد المسافرين مبلغ 3 آلاف دولار، وطالبه بتصريفها لدفع كلفة الإقامة في الفندق بالعملة المحلية: "اكتشف الصيرفي بعد فحصه لرزمة أوراق المئة بأنّ إحداها مزوّرة، فسحبتها منه معتذراً، ملحقاً التهمة بصيرفي آخر في بانكوك. إثر عودتي إلى الفندق، أخبرت المتعهّد بأمر الورقة المزوّرة، فضحك معلّقاً: "ضبط واحدة، إذاً، لا الأخرى". كفى المبلغ لتسديد الإقامة في الفندق، على أن يقضي عدد منّا الليلة الأخيرة، قبل مغادرتنا، في المطار. غير أنّ المتعهّد نجح في تصريف المئة دولار المزوّرة، وأبقانا بالتالي في الفندق".
* بانكوك، 17 أيلول (سبتمبر).
انتقل المسافرون إلى مطار بانكوك الدولي صباحاً، على أن تطير طائرتهم في الواحدة ظهراً على متن شركة الطيران التايلاندية (تاي) المتّجهة إلى استوكهولم عبر باريس. في المطار جرى إبلاغهم بتأجيل الرحلة إلى يوم غد، وقامت الشركة بإنزالهم في أحد الفنادق على نفقتها الخاصّة.
* بانكوك، 18 أيلول (سبتمبر).
المطار من جديد: هل الخلاص في نهاية الرحلة: 932 TG؟
أنجز المتعهّد معاملات السفر بصورة جماعية على أساس أنّهم "مجموعة سياح"، وأعطى كلّ مسافر "بطاقة الدخول" إلى الطائرة وحسب، قبل دقائق فقط على انتقالهم إلى "صالة المغادرة" ومن دون بطاقة السفر.
لو امتلك أحد المسافرين هذه البطاقة لكان عرف بأنّ مقصد رحلته هذه هو باريس، لا استوكهولم. إلاّ أنّ أحداً منهم لم يسافر في حياته لكي يتحقّق، وبطرق أخرى، من مقصد الرحلة. أو أنّهم كانوا في حالة من الخوف، خوف المخاطرة السعيد أمام أبواب "الجنّة الموعودة"، ممّا بلبل إدراكهم لما كان يصيبهم.
لو امتلكوا الإدراك هذا، في هذه اللحظات، لكانوا عرفوا بأنّ المتعهّد لم يقطع لهم تذكرة إلى استوكهولم بل إلى المجهول. سيتحقّقون من هذا المقلب غير الظريف أبداً وهم في الطائرة: مناقشات بعضهم مع مضيفة الطيران لن تجدي نفعاً. أمامهم متّسع من الوقت (11 ساعة ونصف الساعة) لكي يتوصّلوا إلى موقف واحد).
* ضاحية باريس، مطار شارل ديغول الدولي، الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً.
الطائرة التايلاندية حطّت في المطار، وتجمّع المسافرون في صالة الانتظار قبل إخضاع جوازات سفرهم لرقابة البوليس. "كان في جيبي – أنا وحدي – 20 دولاراً. صرفتها. لم أكن أعرف المفتاح الدولي للاتصال بالمتعهّد في بانكوك. اتّصلت بلبنانية في باريس، وطلبت منها الاتصال بدلاً عنّا. وهكذا كان. قال لها المتعهّد: "قولي لهم: "لا أنا بعرفهم، ولا هم بيعرفوني"! عندها قمت بالاتصال به فأجابني مساعده (الذي قدم من لبنان بصحبة بطاقات السفر المطلوبة من السفارة الفرنسية): "سافر نمر (أي المتعهّد) إلى السويد"!
* ضاحية باريس، فندق "أركاد"، 19 أيلول (سبتمبر)، الرابعة فجراً.
بعد طول تردّد يتّجه المسافرون من "قاعة الترانزيت" إلى شرطة المطار، ويطالبونهم بإجراء معاملات اللجوء السياسي: "أخذوا جوازات السفر، ثمّ أجروا تحقيقاً مع اثنين منّا ممّن يحسنون التحدّث بالفرنسية. ثمّ أعطونا بطاقات صفراء للإجابة على المعلومات الشخصية (الاسم الكامل، تاريخ ومحلّ الولادة...)، ثمّ قادونا بعد ذلك إلى فندق "أركاد" القريب من المطار.
* فندق "أركاد"، 19-27 أيلول (سبتمبر).
منذ هذا اليوم يسمّي المسافرون "أركاد" بـ"الفندق–السجن". فندق ذو واجهتين ومدخلين، لنزلائه العاديين وللغرباء المحتجزين من شرطة المطار. في المدخل الأول تستقبلك مضيفة الاستقبال، وفي المدخل الخلفي أفراد من الشرطة. أسرّة ونوافذ دائرية وأبواب مغلقة وممرّات مؤدّية إلى الشرطة من دون تلفزيون أو راديو في غرف المحتجزين، أشبه بالسجناء ولكن من دون جرم.
"بانتظار قرار السلطات الفرنسية الخاصّ باللجوء السياسي، كنّا نقضي الوقت في "لعب الورق" وتوقع مكالمات هاتفية من أقرباء عرفوا بما أصابنا". إلاّ أنّ حالة المحتجزين كانت معقّدة، متناقضة، على الرغم مما بدا عليهم من وحدة: السيدة الحبلى رفضت تقديم طلب اللجوء، لأنّ الطلب يمنعها، حسب موجبات القانون، من السفر، ومن الالتحاق بالتالي بزوجها في لبنان. غيرها رفض تقديم الطلب، ولكن لأسباب أخرى، مطالباً بالعودة إلى لبنان. إلاّ أنّ السلطات الفرنسية ملزمة بإعادتهم إلى بانكوك في هذه الحالة، أو، "بعد أن تفهّمت حالتهم الخاصّة"، حسب شرطة المطار، إلى لبنان، ولكن بعد تأمين بطاقات العودة بأنفسهم.
هكذا جرى إرسال 8 بطاقات إياب إلى لبنان، بعد عودة المتعهّد إلى لبنان عبر قبرص: ستة يعودون على متن "الميدل ايست" إلى مطار بيروت الدولي يوم الأربعاء في 26 أيلول (سبتمبر)، والاثنان الآخران إلى لبنان عبر قبرص يوم السبت في 29 منه.
* فندق "أركاد"، 28 أيلول (سبتمبر) – 3 تشرين الأول (أكتوبر).
طلب اللجوء السياسي مرفوض للثمانية المحتجزين.
هذا ما قاله لهم منذ اليوم الأول أحد المفتشين، وهو من أصل جزائري، مع زميله الفرنسي: "طلبكم غير مقنع". وهذا ما تبلّغوه، اليوم رسمياً.
أحد الكهنة اللبنانيين، الخوري بطرس ب.، وله قريب بين المحتجزين، نجح في الاتصال بهم، وزيارتهم ثلاث مرّات. وفي إحدى المرّات صاحبته السيدة قشوع، المسؤولة عن الخدمات الاجتماعية في "البيت الفرنسي–اللبناني"، وأمدّتهم ببعض المعونة. وماذا عن السفارة اللبنانية؟
السيدة عسيران أفادتنا، عند اتّصالنا بها، بأن "لا علم للسفارة بهذه القضية". هذا ما نفاه المحتجزون، إذ عرفوا من الخوري بطرس والسيدة قشوع بأنّ أخبارهم بلغت ديبلوماسيي لبنان في باريس. هذا ما أكّده لنا أحد الموظفين في القنصلية اللبنانية، إلاّ أنّني أكتفي في هذا المعرض بترداد ما قاله لي: "ماذا كان بإمكان السفارة أن تفعل في هذه الحالة؟".
بعد إبلاغهم بقرار الرفض، كان المحتجزون الثمانية ينتظرون وصول قرار آخر: قرار الترحيل القسري إلى لبنان. وهو ما عايشوه يوماً بعد يوم مع النزلاء الذين يمضون، "وغالبهم من أفريقيا، من دون أن يثنوا فرنسا عن قرار الطرد. حتى إنّ سيدة من أميركا اللاتينية نجحت ذات يوم في ضمّ قطعة زجاجية في يدها، على أن تجرح جسدها إذا لم تتراجع السلطات عن القرار بترحيلها".
نزلاء، غرباء، من غير قومٍ، حتى إنّ عددهم كان يبلغ الـ25 محتجزاً في بعض الأحياء. أغرب هؤلاء النزلاء وأطرفهم هو تانغو الأفريقي: تانغو، على ما قال، لا يسمّى تانغو بل الضابط ويليامز. ضابط بثلاثة نجوم، فار من السجن بعد فشله في محاولة انقلاب في بلده. نجح تانغو في الهرب من سجنه بعد أربع سنواتٍ على اعتقاله، إلاّ أنّ فراره هذا انتهى به إلى الفندق–السجن. فرنسا رفضت قبوله كلاجئ سياسي، إلاّ أنّ الضابط الفارّ نجح في الفرار مرّة ثانية. ولكن كيف، في هذا السجن المحكم!؟ يعتقد البعض بأنّه دسّ قدّه القصير في صندوق يتمّ فيه تكديس الثياب الوسخة، وانتظرته أخته المقيمة في باريس، في سيارتها، على مسافة أمتارٍ من الفندق...
صدّق أو لا تصدّق! تانغو فارّ من جديد!
* فندق "أركاد"، 4 تشرين الأول (أكتوبر).
الفرج أخيراً، وبعد طول احتجاز!
أبلغتهم الشرطة مساء هذا اليوم بأنّها سمحت لهم بـ"الدخول" إلى فرنسا، وأعطتهم بذلك ورقة تخوّلهم القيام بالمعاملات اللازمة للحصول على "الإقامة" خلال ستة أيام، وذلك "لأسباب إنسانية".
الثمانية أحرار، ولكن أين وكيف؟ من يأويهم، ولا عائلات أو أقارب أو معارف لخمسة منهم على الأقلّ!؟ سيحمل الثمانية حقائبهم الخفيفة وورقة البوليس البيضاء وينطلقون صوب باريس.
باريس كانت معتمة هذه الليلة!
"البيت الفرنسي–اللبناني" لا يقوى على إيوائهم في غرفه المليئة، "وبزيادة"، حسب الأب مهنّا، أحد المسؤولين في "البيت". كما أنّه لا ينجح، بعد أن أمدّهم بمبلغ يكفيهم لليلة واحدة في الفندق، بحجز غرف لهم في الحيّ اللاتيني القريب: الساعة متأخّرة والفنادق مليئة هي الأخرى.
في الحادية عشرة والنصف ليلاً يستقلّ ستة من "الأحرار"، من محطّة "اللوكسمبورغ" القريبة، القطار السريع المتّجه إلى... مطار شارل ديغول، بعد أن لفحهم هواء باريس وبلّلهم مطرها الخفيف.
سيقضون الليلة الثانية في صالات المطار "الدافئة"، حسب أحدهم، والليلتين اللاحقتين في مكتب أحد اللبنانيين، قبل أن يتولّى الصليب الأحمر الدولي أمرهم، وينزلهم في غرفة في أحد الفنادق بباريس.
سيمضي الثمانية إلى دوائر البوليس لتسجيل إقامتهم بصورة قانونية خلال المدّة (6 أيام)، وستقبل السلطات الفرنسية طلب اللجوء السياسي لواحد منهم، وهو سوري الأبوين، إلاّ أنّه من مواليد لبنان، ولكن من دون أن يحمل الجنسيّة اللبنانية.
السبعة الآخرون يجدّون بحثاً عن عمل في باريس: أين سيجدونه، وبعضهم لا يحسن التحدّث بالفرنسية، ولم يتمرّس بصورة جدّية ومستمرّة بإحدى المهن؟ "المهمّ أنّنا خرجنا من الجحيم! أمّا باقي الأيام القادمة...".
لا يسعني غير أن أصدّقهم: كيف لا وهم عادوا لتمضية الليل مرّتين في بهو المطار الذي انسدّت فيه، أو وصلت إلى خاتمتها، رحلتهم المجنونة إلى "الجنّة الموعودة"! "لن نعيش، على أيّ حال، أبشع ممّا عشناه في لبنان"، يقولها لي أحدهم، وهو ذو هيكل رياضي متطوّر، من "مدرسة الحرب" لا من أيّ مدرسة أخرى! أمّا بعضهم فلا زال يحلم بجنّة السويد الموعودة!
(جريدة "الحياة"، لندن، خريف 1990).
---