أخشى العودة إلى حيث كنت، إلى أمكنة اللهو والمتعة، بعد وقت. هذا ما تحاشيته في برلين أكثر من مرة، إذ امتنعت عن زيارة "ألكسندرا بلاس" (ساحة ألكسندر)، التي كانت لي، في صيف، منذ سنوات بعيدة، في أول رحلة في حياتي، أشبه بساحة طيران على أجنحة من هوى.
هذه المرة وصلت إليها من حيث لم أقصد. كنت متوجهاً إلى مجمع "غاليريا" التجاري الكبير، وإذا ببابه الكبير يفضي إليها. لم أعرفها عند دخولي إلى المجمع، قرأت اسمها عند خروجي منه. تفحصت المكان مثل مخدوع، مثل مسلوب. وجدت في الساحة جالسين على حافاتها الحجرية، المحيطة بها، أكثر من العابرين، الذين كانوا يغصون في ذاكرتي بمجرد التفكير بها، بمجرد حلولي فيها بعد ظهر ذلك اليوم البعيد. كانت تشع في مخيلتي أيضاً، حتى أنني طيَّرتُ تنانيرها في أكثر من قصيدة مثل رواق مفتوح من ألق.
كان عمال القمامة يروحون ويجيئون من دون أن يجدوا غير نفايات قليلة وعلب بلاستيكية مرمية؛ وما كانوا يدرون أنهم يكنسون أخيلة وصوراً أشد متانة من عمارة "غاليريا" الصلبة. أما القانع بمداعبات لكلبه فكان لا يرى شيئاً مما يحيط به، ولا بعبأ به أساساًَ... كانت الساحة خالية بطريقة فاقعة، حتى أن أحدهم راح يتفحصني إذ رآني أتفحص غيري بدوري...
قبل الوصول إلى المجمع، أخبرني جاري في الباص عن "الشهداء" الثلاثة الذين سقطوا عشية سقوط "جدار برلين" في مسعى منهم للهرب منه. هذا ما قرأته عنه أيضاً في رواية لمرغريت دوراس عن الطيار البريطاني الذي سقط قتيلاً قبل يوم واحد على نهاية الحرب العالمية الثانية.
أما أنا فلم أقنع بما رأيت، رحت أتنقل مغتاظاً فوق البلاطات، من دون أن أجد من أدافعه للتقدم، كما في المرة الأولى، إذ كنت كمن يتساقط، أو يتهاوى من دون مشقة، بعد أن طارت في الهواء إلى غير رجعة أخيلة الموعد المؤجل.
في طريق العودة إلى فندقي، نزلت قبل محطته للوصول إليه مشياً، للتخفيف مما حصل لي. هذا ما قلته لنفسي، إذ وجدتني، في "ساحة أوروبا" هذه المرة، أرى عابرين يتدافعون بإصرار العازم على رحلة مطلوبة.
جلست هذه المرة جلسة أخرى، صالحتني مع الزمن الجاري، وإذا بمجموعة من صبايا يحطن بي سائلات:
-هل أنت متزوج؟
-...
-بِمَ تنصح صديقتنا التي تتزوج في الأسبوع القادم؟ هل تُقدم على زواجها أم لا؟
لم أجب. عرفن أنني أتردد في الإجابة.
بعد إلحاح منهن، قلت لهن:
-انظرن إلى تلك الجهة من الساحة... أترونها؟ لمَ لا تسألونها؟
-من هي؟
-ستخرج بعد قليل... تزوجت منها بعد شهور على مروري بـ"ساحة ألكسندرا بلاس"... ستخرج بعد قليل، لو تنتظرن.
(حزيران 2012)