نشط العمل، في السنوات القليلة الأخيرة، في نطاق الترجمة العربية، فتتالت الإصدارات والندوات والنقاشات التي تسعى إلى التخفيف مما ذكره تقرير شهير للأمم المتحدة عن تردي الترجمة عربياً بالمقارنة مع أمم أخرى. وهي حال مستجدة، لا يغض النظر عنها أي مترجم، بل أي مثقف معني بتطوير الثقافة العربية وتنميتها. إلا أن الجاري يفترض - ضمنياً على الأقل - أن زيادة الترجمة تكفي لتعويض النقص الحاصل، كما لو أن المطلوب هو تحسين الرقم في جدول تقني أو تنفيذي، فيما أرى أن الترجمة مسألة ثقافية قبل أي أمر آخر. فما صلة الترجمة بالثقافة؟
لا يزال دارس اليوم ينتبه ويتحقق مما كانت عليه مفاعيل ترجمة أعمال الطب أو الفلسفة أو غيرها على الثقافة والعلوم في العهد العباسي، وما أحدثته من تجديدات حيوية بلغت ضفة المتوسط الأخرى. هذا ما جعل الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو يعتبر الترجمة العربية لأعمال أرسطو، في روايته: "اسم الوردة"، خلاصاً ومتعة لمثقفي أوروبا في القرون الوسطى. وهو ما عالجه أيضاً المخرج الراحل يوسف شاهين في أحد أفلامه إذ جعل من نقل أحد كتب ابن رشد عملاً "خلاصياً" للثقافة الأوروبية.
ما يعنيني قوله هو أن ما نتغافل عنه اليوم هو صلة الترجمة بحال الثقافة المحيطة بها. وهو ما أعالجه في وجهين خافيين بمعنى ما، وهما: اللغة وصورة الأجنبي. لا أحد يناقش في جدوى أي ترجمة، إلا أن هذه الحال لن تستقيم، ولن تنتعش ما لم يستقم وينتعش بدوره تعلم اللغات الأجنبية عربياً. هذا ما يتحقق منه أي متابع، إذ يراقب أحوال طلبة عرب في الدراسات العليا، حيث أن أعداداً منهم لا يتقنون ولا يرغبون في تعلم أي لغة أجنبية. هذا فيما يتزايد تعلم اللغات الأجنبية في البلدان نفسها التي تتصدر أعمال الترجمة في العالم، وفي ترجمات "مقنعة" و"مُرضية".
كما يمكن، من جهة أخرى، ملاحظة الأمر التالي، وهو أن الترجمة لا تلقى قبولاً ملحوظاً بين القراء العرب؛ ويصيبها ما يصيب غيرها من كتب البحث بالعربية. ذلك أننا نعايش في الثقافة، وأبعد منها، "عهد السحر"، طالما أن أفواج القراء، ممن يسعون إلى الكتاب في مكتبة أو في معرض كتب، يطلبون الكتاب مثل الباحثين عن كنوز مفقودة أو مخبوءة، أو مثل من يعولون على الرقى والتعاويذ لحل المعضلات، بدل الاستعانة بالعلوم لحلها.
هذا ما يدعوني إلى طرح أسئلة مزيدة مثل هذه: كيف للترجمة أن "تُقبل"، أو أن تكون فاعلة، إذا كانت صورة "الأجنبي" تبقى كريهة، منبوذة؟! كيف لها أن تكون مطلوبة، أو مستحسنة، إذا كان الانفتاح يبقى مكروهاً، بل يعني المؤامرةً؟! كيف للطالب، والمثقف، أن يكون فاعلاً في مجتمعه، ويوظف مداركه ومعارفه في تحسين حياته، والرفع من مستوى معيشته، إذا كان يتم تربيته على الامتثال، وعلى تصديق الخوارق والعجائب، وعلى التلقين، بدل أن يتعلم – بواسطة العلوم وتنمية حسه النقدي – المعاينة والمساءلة والمناقشة؟
ذلك أن في الترجمة ما يدعو إلى قبول الآخر، لا إلى التعامي عنه، فكيف إذا كان هذا الآخر، الذي نحتاج إلى ترجمة علومه وآدابه، يتصدر الحراك في العالم!
(مجلة دبي الثقافية، دبي، آذار 2012).