حقيبتي جسدي الممتد

أليس لي أن ألتفت إليها، وهي مركونة وموزعة في مكتبي بحيث أنها تجاور كتبي مجاورة تشير إلى مكانتها الأكيدة ولكن التي لا أعيرها اهتماماُ في ما أكتب؟ فالكتب أعود إليها، والحقائب كذلك، مع فارق أكيد، وهو أن الأولى ترد في متن ما أكتب، أو في هوامشه، فيما تبقى الثانية صاغرة وخرساء.
وللحقائب، على ما ألحظ، أحجام وأشكال لا تقل تعدداً وتنوعاً عن الكتب نفسها، حيث أنها تستقر في الخزانة، أو بين الكتب نفسها، أو في زاوية خاصة بها، ما يجعلني أتساءل: أللحقائب صفحاتها ومعانيها؟ أهي تقولني مثلما تقولني كتبي نفسها؟
ذلك أنني ما توانيت عن الانتباه إلى أنني طالما عدت في كتاباتي إلى قول شعري، وقعت عليه في مجلة "مواقف" في نهاية الستينات، وهو لشاعر عراقي: "أن أفحص أشيائي فذلك المتعة الشخصية"، ولكن من دون أن أتكفل بمقتضى هذا القول تماماً. أعود إليه وأكرره ليس إلا، على أن هناك نوعاً من "الخجل"، من الاستحياء "النضالي" القديم، في ذكر الخصوصي والحميمي. وهو ما أتبعه بهذا السؤال اليوم: لماذا لا نولي دفتر العناوين، على سبيل المثال، أو دليل الهاتف الخصوصي، أو الثياب بين ألوانها وأنواعها، أو غيرها بما يناسبها من تناول شخصي على أنه أدبي؟
أستعيد لذلك قولاً لا يفارقني منذ سنوات، وهو لجان-جاك روسو، ويقول فيه بأن اللغة "إضافة" للإنسان، أي أنها ليست أصلاً، بل هي عنصر مكمل يعود إليه الإنسان، وقد لا يعود إليه، في تعبيره عن حاجاته واستخداماته. وهو قول يدفعني إلى التبصر في أمور نسينا طبيعتها، وما تمثله في حياتنا، بحيث نغفل عن حقيقتها، أي كونها ثانوية، أو إضافية.
مثل هذا القول يعود إلى ذاكرتي بمجرد تفكري في حقيبتي، في حقائبي بالأحرى، التي لا أتوانى عن تعزيزها، عن تنويعها، مثلما تعزز شركات الطيران أساطيلها الجوية وتنوعها. ذلك أن الحقيبة لي هي أقرب إلى طائرة، على أنني أنا الذي يحملها. بل أقول أكثر من ذلك، وهو أن الحقيبة امتداد إضافي ليدي، بل لجسدي. بل يمكنني الاعتراف بأنني لجأت إلى الحقيبة الجلدية منذ دخولي إلى الجامعة، أشبه بدلالة حاسمة على رشدي، على تكفلي بنفسي.
وهو قول أجمعه، أو ألصقه بصورة وقعت عليها على غلاف كتاب فرنسي لجاك أتالي تصور إنسان القرن الجديد مثل متسلقي القمم العالية، والذي يحمل فوق ظهره حقيبة جلدية تصله بالعالم الحديث، طالما أن وسائل الاتصال الحديثة تجعل الإنسان أقرب إلى البدوي الحديث الذي ينقل العالم معه بمجرد تنقله.
لهذا لا يسع الإنسان، اليوم، أن يتنقل كما الدرويش القديم مع جعبته، أو سائق الإبل مع حمولات الجمال، أو الناقل فوق دابته، بل أن ينتقل بما بلغته قدراته الجديدة، التي لا تعدو كونها امتدادات توسعية ليديه، عملاً بقول إغريقي قديم، وهو: "من لا يد له، لا عقل له". لهذا لا تكون الحقيبة مستوعباً، أو خزانة، وإنما هي قبل ذلك كله امتداد للجسد، وتكثيف لفعاليته. ولذلك أيضاً لا تفيد الحقيبة في التنقل الخفيف، وإنما تفيد أيضاً في إظهار المخيلة إظهاراً جديداً، تجعل الإنسان طائراً حيث لا يقوى على الطيران، وموجوداً في أكثر من مكان، حيث لا يقوى على أن يكون.
حقيبتي تحملني بهذا المعنى وتنشرني وتجعلني متعدد الحيوات: لي ألف يد ويد، وألف عين وعين، وألف رغبة ورغبة، على أنها تؤجل أو ترجئ دائماً الحقيبة الأخيرة التي لها أن تحملني في رحلتي الأخيرة.

(مشاركة كتابية في معرض بعنوان: "الحقيبة"، ينظمه ويديره الفنان محمد أبو النجا في الإسكندرية).