جبران جعلنا قرّاء
مرة أخرى، وفي موعد جديد، يتم الاحتفال بجبران. وهو ما لم يتوان لبنانيون عن القيام به منذ وفاته (لو عاد القارىء إلى متابعة الكتابات التبجيلية عنه إثر وفاته ونقل رفاته إلى بشري). ولا يزعجني مثل هذا الاحتفال، وإن كنت أجد في "التكريم" (وما أكثره في بلادنا!) وسيلة لتحنيط الأديب، لا لإحيائه أو تجديد حضوره، خاصة وأن "التكريم" يخص في الغالب المحتفلين أكثر من المحتفى به.
إلا أن أسباب حديثي هذا تتعدى المناسبة، وتتعداني بطبيعة الحال، طالباً من ذلك الإشارة إلى أمر يستوقفني، وهو التالي: كيف يحدث أن جبران يبقى كاتباً لبنانياً وعربياً، فيما لا يجد مستقراً له في الأدب الأميركي نفسه؟! ولا يفيدني بشيء القول القديم والمتجدد بأن مبيعات كتاب "النبي" تحل في المرتبة الثانية، بعد "الكتاب المقدس"، في الولايات المتحدة الأميركية، إذ إنه لا يدل على "أثره" في هذا الأدب، ولا على "موقعه" – الهامشي – في الأدب الأميركي. وهذا ما أجد صداه في ما قاله مؤخراً الكاتب اللبناني، المشهور بعد جبران، أمين معلوف: عبر قبل سنة ونيف عن تذمره من أنه لا يُعتبر إلا في عداد الأدب "الفرنكوفوني"، ولم يدخل بعد في عداد الأدب "الفرنسي". وهو سؤال يمكن طرحه على أدباء آخرين، لبنانيين خصوصاً، ممن كتبوا بلغات أجنبية، من جورج شحادة إلى أندريه شديد، أو مغاربة، مثل الطاهر بنجلون، وانتهاء بأدباء "فرنكوفونيين" عديدين من أفارقة وغيرهم...
لا أريد من هذا الكلام الإشارة إلى بعد قومي أو اعتدادي للثقافة والأدب، وإنما إلى بعد آخر يقع في التلقي، وهو أن القراء قد يختارون الأديب، فيما لا يختاره الكُتاب أنفسهم. وأريد كذلك القول بأن جبران اختاره عربياً القراء كما الكُتاب، بل يمكن القول إن أثره في الأدب أقوى من أثره في القراء.
جبران كان وسيبقى كاتباً عربياً، في صميم التجديد العربي الحديث، حتى أن أثره بات أكيداً، رازحاً، خفياً، لدرجة أنه يصعب التحقق منه اليوم، إذ يحتاج الدارس إلى حفر مزيد لتبين تأثيرات جبران في خيال الخطاب الأدبي، وفي ليونة اللغة، وفي جدة الموقف.
من المؤكد أن الروائي العربي ما وجد في سرد جبران ما يعينه في تجديده، لكن المثقف والشاعر والمصور والناثر والداعية وكاتب المقالة سيجدون فيه مثالاً أول لما يمكن أن يكون عليه نموذجهم الكتابي (إذا وضعنا جانباً أحمد فارس الشدياق، المجهول والمغموط حقه في الريادة العربية الحديثة). مثال أول في أن الكاتب قوّام على نفسه، قبل أن يكون قوّاماً على أدبه. قوّام، فلا يتبع بل يُنشىء، ولا يتقيد بل يؤلف، ولا يحرص على سنن اللغة والتأليف بل يشتقها ويفتح معابر بين الأجناس الأدبية المختلفة. ذلك أن جبران خرج من "ديوانية" الكتابة العربية، وجعل من العالم (طبيعة وبشراً) مادة للتشكيل، كما فوق لوحته.
أخرج جبران الكتابة من اجتماعيتها التقليدية، ليبني فرديتها التواصلية، أي صلة الكاتب بجمهور من القراء: قارىء له أن يتبعه ويتأثر به وفق عقد كتابي واقع فوق الورق، وليس في "موقع" الكاتب، أو في إجادته في نوع أدبي مقر ومكرس. جبران جعلنا قراء، إذ سمح لنفسه بتصدر ما يقول، ويقول ما يشاء تبعاً لما يعتقد ويرى ويرغب. لهذا يبقى جبران "فريداً" في سياقه، في ما كتبه، في ما قدمه على أنه صورته لنفسه، وفي ما فتحه من فضاءات خيال بوصفها موطن الأديب الأكيد وجنته الأثيرة. هكذا جعل جبران من الأدب كياناً على درجة عالية من الاستقلال، بل من الاحتكام الذاتي (إذا جاز القول)، أي إلى قواعد بناء أسلوبي وجمالي، له أن يتدبرها بنفسه، ويجعلها ميزة له بين أقرانه.
إلى هذا أشاع جبران حوله، وعبر نصه ذي الشفافية، ومن خلال مواقفه، وصلاته (ولا سيما مع مي زيادة)، صورة "نجومية" للأديب، قد تكون الأولى في أدبنا الحديث، وبعيدة عن صورة "الكاتب الديواني" و"العميد" و"الإمام" و"المصلح" وغيرها؛ صورة تغتذي من "حلمية" الأدب والأديب، لا من معيارية الأدب أو أخلاقيته.
لهذا ننتسب إلى جبران، من دون علمنا في الغالب، وهو يستقبلنا دوماً وإن بعدت خطواتنا عنه.
("القدس العربي"، لندن، 2008).