وضعتْ كتابي في جزدانها ومضت

 

كانت تمسك كتابي بين يديها كما لو أنه لها فعلاً، بدليل أنها أسندته إلى ركبتها اليمنى، تحت أنظاري، ومررتْ قلمَها الرصاصي فوق بعض سطوره، من دون أن تبالي بنظراتي المندهشة بما يحصل لي، ولأول مرة في لقاء وجاهي غير محسوب.
كان في ودي أن أمد نظري إليها، أن أكون في حضنها تماماً، حيث لي أن أستقر هانئاً، مثل كتابي-الجنين. كان في ودي أن أقرأ ما شدَّدتْ عليه بقلمها، أن أعيد فتحَ تلك الصفحات التي طوت أطرافَها لكي تعود إليها في مرة أخرى، مثل صفحات "مختارة". كان في ودي على الأقل أن أرافقها في رحلتها مثل عابر سري، أو متسلل، لكي أستقبل كتابي حيث انتقل.
ما كانت تعرف هيئتي، وما كنت أعرفها طبعاً، ونحن وجهاً لوجه، في زحمة تلك الحافلة، يوم السادس من نيسان-أبريل الماضي، المتجهة بي وبها فوق خط "المترو" الواصل بين "ناسيون" و"الإيتوال". تفرستُ في وجهها، ملياً، من دون أن أتعرف على ما يدلني عليها: لو لم أرَ كتابي بين يديها أكنتُ قلت لنفسي: يا ليتها تكون قارئة كتبي؟ من أين أتت به؟ أمن مكتبة عمومية أم اشترته؟ من نصحها بقراءته؟ أتعرف غيره من قائمة كتبي؟
تفرستُ في وجه قارئتي بما يكفي من دون أن تنتبه حتى لوجودي. أكتبتُ لها فعلاً؟
لو أنها سألتْني لأجبتُها بأنني ما كنت أتبين سابقاً وجهها هذا الذي أمامي، ولا في هذه الجلسة: هي وفق وجهة القطار، وأنا أدير ظهري لما لم أصل إليه.
لو سألتني عن كتابي، أكنتُ سأحسن الجواب عما كانت ستطلب؟
أكان لي أن أتوجه إليها بالحديث، بالسؤال، قارئتي التي لم تعد مجهولة، فيما لا أعرف شيئاً عنها، سوى أنها تقرأ كتابي منذ عدة أيام، أو عادت إليه أكثر من مرة، على ما يبدو، بدليل أنه يبدو مطوياً بين يديها أكثر من مرة، واستقر في جزدانها أياماً وأياماً؟
لم تسألني أي سؤال. ما كانت تعرفني، بدليل أنها وضبت كتابي في جزدانها الجلدي، وأسرعت إلى بوابة الخروج، من دون أن أنتبه – في ما يخصني – إلى أنني تخلفت عن محطة نزولي السابقة، في "كمبرون"، وتركت كتابي يمضي في سبيله معها.
كتابي لم يعد لي. هو لها، بدليل أنها موصولة به، ليس بيديها ولا بعينيها فقط، وإنما بمجموعها، بدليل أنه كان يراقصها عند انعطافات "المترو"، شريكاً في رقصها.
كتابي، أكان لي إذ كنت أكتبه؟ أما كنت أقرب إلى عابر سبيل بين كلمات، أتلقفها إذ تتلقفني، وتوزعني إذ أمسك بها؟
أكان لي أن أتبعها حيث مضت؟
السؤال مضحك وغريب، إذ بات للكاتب أن يلحق بقارئه، لا العكس. أكان لي أن أمضي خلفها لأعرف أين تسكن، أو أن أسكن فوق غرفتها، مثلما فعل توفيق الحكيم في "عصفور من الشرق"؟
اكتفيت – في ما يخصني – بأن نظرت إليها وهي تندس في زحمة الأشكال، وتضيع بين الوجوه والمعاطف، مثل وديعة في سطور.
هذه القارئة لو انتقلت من "المترو" إلى مقهى (la flèche ) (أي: "السهم") الذي كنت أشرب فيه القهوة هذا الصباح، لكانت وجدتني أقرأ في كتاب يروي واقعة أعرف بعض تفاصيلها لما أقمت في باريس في نهاية السبعينيات... لو انتقلت إلى مقهاي، قبل أن تلتقي، هنا، بفريد الزاهي وحلمي سالم وإدريس الخوري ومحمد برادة ونينار إسبر وليلى خلف الله والطالبة زهور التي نست اسمها العائلي في ضحكتها، وغيرهم... لو انتقلت قارئة "المترو" إلى مقهاي في الدار البيضاء لكانت وجدتني أنتقل من الكتاب عن مالرو إلى جريدة "ليبراسيون" التي قرأت فيها بعد أيام قليلة على وفاة مالرو عن كاتب رسائل كان يمعن يوماً بعد يوم في إرسال رسائل باسم مالرو، ولكن على غير العنوان الذي كان يسكن فيه، فكانت الرسائل تعود، يوماً بع يوم، وعليها ختم البريد: "هذا الشخص غير معروف في هذا العنوان".
هذا القارىء خرج وعاد إلى الكتاب. وكتاب مالرو أو غيره أفرد له فسحة لكي يجلس فيها، أو يتأمل، أو يجري محادثة...
لا أعرف ماذا كتب قارىء مالرو في رسائله إليه. لا يهم! هذا شأنهما، على أنه مما يقع ويحصل بين القارىء والكتاب. لعله لم يكتب له شيئاً بل فعل مثلما فعل معاوية حين أرسل إليه علي بن أبي طالب، الخليفة الجديد، مبعوثاً إلى دمشق يطالبه فيها بمبايعته، فما كان من معاوية إلا أن أرسل مبعوثاً إليه، حمله رسالة بيضاء من أي كلام. أو قد تكون الرسالة إلى مالرو أقرب إلى ما كتبه أمبرتو إيكو عن رسالة أرسلها أحد الأسياد مع خادمه، فكان أن أضاعها في الطريق، فعثر عليها أحدهم ممن قرأها ووجدها تخاطبه، فأخذها معه إلى الفندق الذي كان يقيم فيه، لولا أنه تعرض لسرقة لم يجد السارق في محفظة المسروق سوى هذه الرسالة، التي وجد أنها قد تتوجه إليه، وقد تكون مثل شاهد إثبات على فعلته، فكان أن رماها في غرفته التي كان من نصيبي أنني حللت فيها بعده، وها أنا أعيدها إليكم، لعل أحداً يطالب بها: في أقصى الأحوال له أن يتبناها، لا أن يدعي أنها رسالته.

(في ندوة أدارها الدكتور فريد الزاهي، بعنوان: "لقاء مع مبدع"، ضمن فقرات البرنامج الثقافي للمعرض الدولي الرابع عشر في الدار البيضاء، السبت 9 شباط-فبراير 2008)