الحاسوب والشعر

 

لا أعرف تماماً مقدار المجازي من الحقيقي عندما كتبت، وفي ما كتبت، عن أن حاسوبي هو "مجازي المحمول”، أي عن دور هذه الأداة في لعب هذا الدور البلاغي، الذي هو وظيفة من وظائف اللغة والمخيلة معاً. فلقد سبق لأحد منظري خطابات وسائل الاتصال الحديثة أن شدد على أن “الوسيط المادي هو الرسالة”. وهو ما قاله قبله دارسون في اللغة، إذ تنبهوا إلى أن اللغة، السابقة على الفعل الكتابي والفردي، هي التي تبني النص وتفعل فيه، بل تتحكم به. وهو ما يعرفه الشاعر قبل غيره، إذ تسبقه اللغة، بعاداتها وتراكيبها ودلالاتها السارية، إلى طاولة المعنى والصياغة، وإلى الصفحة الإلكترونية كذلك. لهذا لست من الذين يستعذبون الكلام عن “رُهاب” الصفحة البيضاء، إذ أنه نوع من التجميل العكسي لمقدرة الشاعر، الخالق، الذي ينشىء، حسب دعاوى هذا الشعر لنفسه، من عدم البياض، ومن عماه كذلك.
الصفحة البيضاء ليست موجودة واقعاً، بل هناك صفحات مسودة عديدة سابقة وممهدة للقصيدة. وما يفعله الشاعر قد لا يعدو كونه مجموعة من “التطريسات”، وفق التقاليد الكتابية الفرعونية القديمة، حيث نعرف أنها كتابة تدوينية فوق سطور سابقة، غير ممحوة تماماً، بل تظهر مع غيرها.
إلا أن هذا الكلام يقود صوب وجهة أخرى كذلك، وهو التعايش والتفاعل والتنافس بين المجازي والحقيقي، ما يحتاج إلى نقاش مطلوب. لا أرى الحديث الذي يؤكد التمايز بين الحقيقي والمجازي أكيداً وناجزاً إلى هذا الحد، خاصة إذا نظرنا إلى وقوع الكلام، ومنه الشعري، في نطاق التداول الاجتماعي والإنساني. ويزيد من لزوم هذا الكلام بروز العالم الافتراضي كشكل تداولي جديد يوفره عالم الحاسوب اليوم. فالحاسوب ليس آلة تقنية جديدة لتدوين الكتابة، ولا لممارستها وحسب، مثلما ينظر إليها البعض، وإنما يضع الكاتب والكتابة في نطاق تأليف مختلف، في نطاق تتموج فيه الحدود داخل الذات الكاتبة نفسها، إذ يتيح هذا النطاق مجالاً أوسع من التعين والخفاء للذات، ومن التلطي والاحتجاب والتعدد والانكشاف لها. وهذا ما تصيبه الكتابة نفسها، إذ باتت تندرج في محترفات مفتوحة على أشكال بناء متغيرة.
ويوافق هذا الأمر واقع النفس الإنسانية، إذ أنه يصعب على المرء، ولا سيما الشاعر، أن يتيقن من حاله، من هويته، من كونه هذا أو ذاك، بل من أن يتيقن من أنه "واحد" و"متماسك". فهو نفسه وغيره، في آن، بعد أن دبرت له الحياة مسارات، حاد عنها أو سلكها، من دون أن تكون مطلوبة أو مرغوبة.
لهذا أرى بأن النقد ينظر إلى النص الأدبي، ولا سيما الشعري، مثل المحقق، مثل مأمور النفس، الذي له أن يسجل قانونية الكتاب الذي يتكفل باسم المسؤول القانوني عن الكتاب، عن المكتوب. ولا يبالي هذا الناقد بهوية القول نفسه، أو ما تعكسه من تموجات وترددات وتقلبات تصيب الأنا في قولها، بين ما ترغب فيه وتأمل به أو تتجنبه أو تخشاه، بين ما تتوقعه وتعاينه، بين ما تتخيله أو ترصده، إلى آخر تجليات الهوية بوصفها محل قول.
هكذا يستسهل النقد عموماً تنسيب القول الشعري في القصيدة إلى كاتب القصيدة نفسه، مثلما أصبح الاسم الفني، الاسم السري، لشاعر مثل أدونيس أكثر شهرة من اسمه العائلي، فانقلبت الآية تماماً... القضية أعقد بكثير مما يتوهم البعض. هذا ما يمكن قوله في النقد الروائي، على سبيل المثال، حيث نميز في الرواية الواحدة بين الروائي نفسه وراوي الرواية والمتكلمين بلغة الأنا في مواضع مختلفة من حواراتها، فكيف إذا بادر أحد هؤلاء إلى أنواع من المخاطبة مع نفسه، مع ما كان عليه في موقع ما، وغيره من الأحوال، التي تظهر تعدد الأنا، تموجها، تلبسها لحالات.
هذه الأحوال أعقدُ في الشعر، ودرسُها أصعب كذلك. وهو ما يحاوله البعض في درس نصاب المتكلم ودرسِ علاقاته بأطراف الكلام، في مجموعات شعرية عديدة. لن أستعيد، هنا، ما توصلوا إليه في هذه الدراسات؛ أكتفي فقط بالقول بأن المتكلم في القصيدة سابق على علاقات التعيين التي تنبني في القصيدة، فلا يصيب المتكلم أي تحول بين ما كانه قبل مباشرة القصيدة وما ينتهي إليه بعد الانتهاء منها.
ليست القصيدة مسرحية تؤدي إلى عملية تطهرية، فتصيب النفس بما يعرضها لتقليب أحوالها المختلفة، وإنما المقصود أن هناك في الشعر، في عملياته، لو طلبناها وفق هذا التصور، ما يعرض الأنا المتكلمة لتجارب حوارية، ما يخرجها من ثباتها الموقعي، الاجتماعي، والنفسي (أي ما هي عليه وتريد أن تكون عليه في “تسويقها” لنفسها عن نفسها ولغيرها). ولو شئت تصوير الحال، لقلت بأن هناك من القصائد ما تصدر عن مرتبة، عن موقع خطابة، تتوجه منه إلى غيرها. وهي حال قديمة نراها في الشعر القديم، حيث القصيدة - في ما خلا أحوال معدودة، مثل وقوع المتنبي في الحمى أو أبو فراس في الأسر، أو غيره في حالات فردية من الإحباط والشعور بالتخلي - صحيحة وسليمة ومدركة لما تقوله، لما يصدر عنها. فالمتكلم في هذه القصائد منبر لغوي، موقع إرسالي، لا يأتيه التردد من أي جهة، وإذا أصابه خدش أو ألم فهو يصيب اعتزازه بنفسه، وكيف أن الآخرين لا يشاركونه تقديره الفائق لنفسه العزيزة.

الشاعر العربي الحديث أقل اعتداداً بنفسه من زميله القديم، إلا عند بعضهم ممن لا يحاورون سوى الكليات الكبرى في حياتنا وقيمنا، مثل الحضارة والثورة والخلود وغيرها، أو ممن لا يصيبهم سوى ألم المخلوقات العظيمة في خلوتها. الشاعر العربي الحديث أكثر هشاشة، وأكثر تلمساً لأقوال التردد والشك والخفة أحياناً.