نافذة مفضية على الحديقة

- ألي أن أستعيد حوارنا المعلق؟
- إن شئت.
- تعود كثيراً إلى الصورة التي استقيتها من المشهد الأخير في فيلم: "يوم أحد في الريف" للمخرج الفرنسي برتران تافرنييه: لماذا تشدد عليها، وقد لاحظت أنك عدت إليها في غير نص؟
- لأن لها قيمة تمثيلية واختصارية عما أريد أن أقول. فالمشغل، وأحياناً أسميه "الدكان"، ليس مكان عمل وكتابة وحسب، إنه مكان وهمي، أستطيب المقام فيه إذ أنسى ما يحيط بي، ما يجعلني مقيماً بين خيوط هواء.... هذا الذهاب على أنه ابتعاد وتحليق وشعور بفقدان الجاذبية هو أحلى ما أعرفه في الكتابة، وما تكافئني به؛ هو عائدي منها الذي يكاد أن يكون الوحيد الذي يشرِّع انصرافي الشديد إليها.
- نسيتُ ما كان لي أن أتساءل.
- لا يهم. أعرف ما يتلفظ فوق شفاهي: في هذا المكان الوهمي أجتمع بعائلتي المترامية، من دون حرج: أتنقل بيسر كما في حلم، وقد أتابع حديثاً انقطع قبل سنوات، وقد أستعيد - كما يحصل لي ولغيري قبل مواعيد الغرام - حوارات لم تحصل أو أرغب في أن تحصل كما أحلم بها...
- لا عائد للكتابة إلا العائد الحميمي، إذا جاز القول.
- أعرف جيداً واقع الثقافة، ومأمولها في العالم، لكي لا أنتظر شيئاً منها، سوى حصولها نفسه.
- هذا تصريح يصلح لمنبر ولحشد: أهو إعلان خسارة أم يأس؟
- لا أحد يقرأ. لكي لا أكون ظالماً أقول: القارئ يقرأ غير ما أكتب، وغير ما يكتبه كثيرون. لعلنا تربينا في عهد "البحبوحة الثقافية" التي انصرمت مع انصرام القرن الماضي... لعلنا صدقنا هذه الجريدة أو تلك في أنه سيكون لنا قارئ، سيهرع إلى شراء الجريدة، مثلما كان يفعل والدي، ومثلما فعلتُ بعده. كان هذا موعدي الموهوم مع القارئ.
- كان لك أن تكتب بالفرنسية ربما. لك كتابان فيها. لا تزال تذكر في سيرتك التأليفية أنك مؤلف بالفرنسية.
- من باب الأمانة. كان لي أن أفعلها ربما. إلا أني صرفت تفكيري عنها بقرار إرادي.
- أي غير تلقائي.
- كان يمكن أن تكتب الشعر بالفرنسية؟
- لا أعرف. يصعب علي حتى تصور ذلك، وإن ارتكبته عفواً، أشبه بفيض تلفظني أكثر مما قلته بمحض مشيئتي. ربما كانت العملية أيسر لو كتبت بحوثاً بالفرنسية: هذا ما نصحني به أستاذي محمد أركون عندما أخبرته بموضوع كتابي: "الفن والشرق".
- ولما لم تفعلها؟
- لم تراودني الفكرة أبداً.
- لأنك عنيد: تفضل أن يترجموك إلى الفرنسية وغيرها، لا أن تكتب بلغتهم.
- مثل هذه الكتابة صعبة بالفرنسية: كيف أكتب بالراحة نفسها ما كتبته في "مذاهب الحسن..." انطلاقاً من "كتاب العين".
- كان يمكن أن تكتب غيره، إلا أنه "الاعتزاز القومي"، أليس كذلك؟
- ربما، غير أنني ما كنت أحسن كتابة ما كتبت بأفضل مما هي عليه عربيتي.
- لم تجبني صراحة عن أسباب تمنعك الدفينة.
- قلتُها لك.
- لا تكفي.
- اسئلني.
- ألم تُغرك الكتابة بالفرنسية عندما أجريتَ تحقيقاً في إحدى المجلات أظهرتَ فيه بأن روائياً مغموراً من أحفاد المهاجرين المغاربة في فرنسا يبيع في سنة من الكتب أكثر من نجيب محفوظ أو غيره؟
- بل قلتُ أكثر من ذلك إذا شئتَ، وهو أن نجاح أمين معلوف الساطع في المكتبات ما كان له أن يحدث، وبنفس القوة من دون شك، لو كتب رواياته أولاً في العربية.
- لماذا؟
- لأن ما يكفل الكتاب في باريس أو لندن ليس الكاتب وحده، ولا جودة كتابه، وإنما قبل ذلك كله: قوة دار النشر التي تنشره، وشبكات توزيع المكتبات و"نوادي القراءة" وغيرها، وشبكات النقد والتعريف، وقبل ذلك رسوخ معدلات القراء وتناميها في هذا البلد أو ذاك، فضلاً عن تنامي عادات القراءة وسلوكياتها مما تلقاه في المترو، في فضاءات الانتظار، في سلوكات الهدايا، في الواجبات المدرسية وغيرها الكثير.
- ومع ذلك لم تغرك الكتابة بالفرنسية.
- لا، لأنني - وهنا أكشف لك عن واقعة حصلت لي أثناء إعدادي لأطروحتي الأولى - تنبهت في أول نشاط ثقافي لي بالفرنسية (وكان يتعلق بإلقاء محاضرة عن الشعر العربي الحديث) إلى أنني وجدت نفسي، في فعل الكتابة، أقف في موقع الوسيط، مُقدِّم الثقافة، لا المشارك فيها. لم أكن "إن" (in )، كما يقولون في الإنكليزية.
- كنتَ في ذلك متنبهاً إلى ماضيك القريب أكثر من مستقبلك الذي كان يتقدم إليك.
- إنها صورة سينمائية. كان لي أن أتقن الفرنسية قبل أن أتوسم الخير من كتابتها.
- إلا أنك كنت قد اتخذت قرارك، طالما...
- ... أستوقفك في كلامك: أتريد أن تشعرني بذنب ما؟
- لا، أبداً. التوقف في هذه المحطة مفيد، يحتاج إلى معاينة وتفقد.
- هل انتهيت من ذلك؟
- مع ذلك لم تنقطع أبداً عن الفرنسية.
- تلازمني في القراءة، وأحياناً في الكتابة في بعض المؤتمرات. إلا أنها تلازمني أكثر في كلامي اليومي، حتى بعد مغادرتي لفرنسا: لا تزال تحضرني عبارات بل تراكيب دقيقة منها، في وضعيات مختلفة، شعوراً وفكراً. بل تسبقني أحياناً إلى التلفظ، كما لو أنها لغتي الأولى، لغتى الاستعمالية. وللفرنسية لزوم حميمي وأشد إذ يجعلني أعامل العربية في طريقة مختلفة: هذا يحتاج إلى استقصاء لساني في تراكيبي العربية.
- ومع ذلك أطرح عليك السؤال: هل أنت نادم على قرارك؟
- لا، لأن للشعر حياة أغنى في العربية منها في الفرنسيبة.
- أتعرف أنك نسيت نافذة المشغل مفتوحة؟
- ما تقصد؟
- قطعت مرة أخرى حبل الكلام: كنا نتحدث عن "المشغل"...
- فعلاً.
- لنستعد إذن.
- ألم تقل أن الحبل انقطع؟