"موناليزا" بين شفتي كلام
- ...
- مثل "الموناليزا" في اللوفر؟
- أتصدق إن قلتُ لكَ إنني لم أتوجه لرؤيتها أبداً؟
- أعرف ذلك عنك. أعرف أنك تفضل في البحوث أحياناًَ أن تتقدم فيها كما في قصيدة... هذا ما قاله أحد النقاد عنك.
- قال شيئاً آخر، وهو عن إقبالي على المخفي أو المطمور أو الذي أُبطل وجوده، أي عن إقبالي على التنقيب التاريخي في بعض ما درست، على أنه شبيهُ تنقيب آخر في شعري. إلا أن ما قلته أنتَ شيء آخر، وهو صحيح بدوره: وهو أنني لا أحتاط كثيرا في بعض بحوثي، على الرغم من عملي المتواصل على توسيع مصادري ومعرفتي بما أبحث فيه.
- ها أنت تمدح نفسك؟
- أهكذا فهمتَ ما أُقرُّ به، وهو يدين الباحث؟
- لنعد إلى تناول الموضوع: ماذا تريد أن تقول؟
- أريد أن أعترف وحسب بأنه يحدث لي أن أتقدم في بحث، أن أنتهي إلى خلاصات فيه مستنداً إلى ترجيحات - إذا شئتَ -، ولا ألبث أحياناً أن أتحقق، بعد صدور البحث، من صحة الترجيح أو من ضلاله، بعد وقوعي على ما يؤكد أو ينفي بقوة دامغة ما كنت قد ذهبت إليه.
- أهو هجس الشاعر منتقلاً إلى نطاق آخر؟
- ربما، إلا أن للباحث هجساً وظنوناً في ما يعمل عليه: فهو يعاشر الشخوص والوضعيات التي يتناولها، وربما أفضل من الكائنات القولية التي للشاعر.
- لم أتنبه بعد إلى ماذا تريد أن تشير: أنت لا تعلمني بشيء، إلا لأنك تريد أن تبلغهم عبري شيئاً ما. ما هو؟
- أشير وحسب إلى حقيقة، بل إلى وجود لعبة خافية، في الشعر كما في غيره، في الكتابة، وهي تبقى تحت رقابتي، إن شئت: فلو صح ظني أو هجسي لا أستطيع القول بأني راهنت وكسبت، فلن يصدق هذا أحد، من جهة، وهذا دليل على خفة لدى الباحث، من جهة ثانية.
- وإن ظهر بطلانُ ما انسقتَ إليه في البحث؟
- أعمل على تصويبه واستدراكه في مرة ثانية.
- إلا أنك تنساق إلى الحديث عن "اللعب"، وهو أمر مستكره في الكتابة العربية، على ما أظن.
- ...
- لم تتأخر عن إنزال لعبة السورياليين، "جثة شهية"، عنواناً لأحد نصوصك.
- إلا أن "اللعبة" تبقى في اللغة، في تراكيبها، وإذا خرجتْ عليها يبقى البناء مضبوطاً...
- النص مثل لعبة مسرحية.
- مثل فضاء تكالم... كما جلس السورياليون في مقهى وتبادلوا فيها أوراقاً، كانوا يكتبون جملاً فيها، ويخفونها على جلسائهم الذين كانوا يكتبون فيها بدورهم، أو يستكملون القصيدة التي لا يعرفون شيئاً عنها.
- أهكذا تبقى القصيدة "نصاً مفردناً"، مثلما لا تتوانى عن تحديدها؟
- طبعاً، هي كذلك. وهو ما أشدد عليه في القصيدة الحديثة، حيث أن الشاعر يتصرف بما هو في ملكته، وتبعاً للكفاءة التي له في الأداء باللغة وغيرها.
- وماذا عن "غيرها" هذه؟
- تؤدى القصيدة باللغة، وبوسائل وخبرات متأتية أيضاً من خارجها: السينما، التشكيل، التصميم الصحفي، المسرحة... قصيدة "ما فوق" أو "عبر" اللسان.
- القصيدة ليست كائناً لغوياً وحسب: ها أنت تبتعد عن منظورك اللساني، أليس كذلك؟
_ قد أبتعد، وقد أدرج ما أقول به اليوم بما كنتُ أقوله بالأمس.
فالقصيدة ليست، مثلما أبان اللسانيون الحديثون، شيئاً أو صنيعاًً لغوياً وحسب. هي أكثر من ذلك، وتتعدى ذلك أيضاً. فهي تصدر عن حسابات ومقاصد، وتتوسل أنماط تركيب، أنماط ظهور أو مثول لمادتها اللغوية تتعدى نطاق اللغة وأدواتها وممكناتها.
فهي، في ما تنبني عليه، تستند إلى تقنيات قد تتأتى من تقنيات السينما أو التشكيل. وهذا ما يتيحه درس البصرية السردية فيها، بما تشتمل عليه القصيدة من أدوات تركيب و"تناول" للموضوع. فلو عدتُ إلى تقنيات السينما وغيرها، لتحققتُ من استعمالات بعض الشعراء لها، مثل تقنية "الزوم" (أي الصورة السينمائية المُقَرِّبَة) والمونتاج، والتلصيق، أو "الكولاج" الذي عرفه السورياليون في تجربة مثيرة، سواء من ناحية إنتاج أعمال فنية تلصيقية، أو من خلال بناء "الجثث الشهية" نفسها، أي في "التلصيق" الكتابي
- القصيدة صنيع فني بكل معنى الكلمة.
- طبعاً. فهي لا تتعين في فضائها الداخلي وحسب، وإنما فيه مع خارجه أيضاً. كما إن القصيدة تتعدى كيانها طالما أنها "تنفتح" على فضاء واقع فيها طبعاً، ولكن في ما يتعدى البناء اللغوي نفسه، وخارج الفضاء هذا.
- متى ستتفرج على "الموناليزا؟
- وأنت؟
- ...
- أتحتاج إلى رؤيتها فعلاً؟