موت الأصدقاء، موت الكبار، مفاجىء دوماً، حتى وإن كان متوقعاً. فكيف إن كان بحجم غياب محمود درويش.
موته قد يناسب صورته شاعراً، إذ مات مثلما عاش في ذروة النشيد: "العاشق" صرعه قلبه، ولم يمت أبداً في مقعد الشيخوخة الهزاز. إلا أن موته لا يناسبه إنساناً، طالما أنه بقي –على الرغم من احتراساته الطبية الأخيرة – ذواقة بكل معاني الكلمة، ولأنواع المباهج كلها.
أيام قليلة تفصل موته عن موت ألكسندر سولجنتسين، من دون أن تفصل بين معاني الحياة والكتابة بينهما، على الرغم من كل التباينات الظاهرة. هو مثل الروسي غادر وطنه لكي يعود إليه. وهو مثله عاد إليه، وإن اختلف طعم العودتين.
عاد سولجنتسين لكي يوقف السرعة الجنونية التي دارت بها "العجلة الحمراء" في بلاده، كما لو أنه يريد تصحيح التاريخ بالرواية. فيما عاد درويش في نوع من الوفاء لتاريخه، لكي يكون على مقربة أكثر من العائدين، بل لكي يكون أكثر إنصاتاً اوجيب قلبه الداخلي.
من يرثي درويش، اليوم، هو الذي كان يتكفل بمراثي طيور الياسمين وليمون الآهات وعزلة الذهب؟
____
حدث هذا في صيف العام 1973، في كبرى ساحات برلين الشرقية، "ألكسندرا بلاس"، بعد الظهر.
كنت قد التقيت بمحمود درويش قبل هذا اليوم بثلاثة اسابيع، في سهرة في بيروت. أخبرته، ليلتها، عن تحفزي للسفر، في أول رحلة في حياتي. ما كنت أعلم، حينها، مقدار الصعوبة في بلوغ السفر. ذلك أنه كان علي، مثل أصدقاء كثيرين فوق السفينة، مثل أمين معلوف وطارق متري وأنور الفطايري وغيرهم، أن نعبر المتوسط فوق باخرة روسية إلى ميناء في رومانيا، ومنه عبر القطار وصولاً إلى مقصد الرحلة، للمشاركة في "مهرجان الشباب العالمي".
كنت متحرقاً للوصول، أشبه بمن يقف أمام بوابة الوصول على مدى أيام وأيام، من دون أن يصل. وهي الصورة التي تبدو – على ما أتحقق الآن – في خلفية كتابي الشعري الجديد: "ترانزيت".
ما أن وضعت حقيبتي الخفيفة في غرفة الفندق، حتى سارعت إلى الوصول إلى الساحة الموعودة، التي أشار لي صديقي، ورفيق الرحلة، فؤاد حماد، بالذهاب إليها، هو الذي احتاط من مفاجآت السفر بأن تدبر القراءة عنها، قبل القيام بها.
كانت الساحة هائلة بحجم حيرتي وتوتري. آلاف من الوجوه بألف لون ولون تعبرها في مسارات يصعب تبينها أو تحديدها. صرت أمشي فيها من دون وجهة، من دون أن أطلب شيئاً منها سوى المشي، سوى أن أكون فيها، مع هذا الجمع المبهم والحيوي. فإذا بي أقع على محمود درويش أمامي، قبالتي، تماماًُ وجهاً لوجه، ما لا أقوى على تجنبه: "أيعقل هذا، يا محمود؟! ألا يحق لي السفر؟! ألا يحق لي أن أقع على مجهولين ومغمورين؟!"، بادرته مصعوقاً بما يجري لي، ويفقدني دهشة الرحلة، التي كانت مكتنزة ومحفوظة مثل عطر في زهره. كان عليه أن يشارك، في عداد الوفد الفلسطيني، في احتفال اعتراف دولة إلمانيا الشرقية بمنظمة التحرير الفسلطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفسطيني...
كان قبالتي منذ ذلك اليوم، على تقلب الأيام والمدن والمواقف والخيارات.
ذلك أن الجوار معه يوافق بل يتنزل مثل الحوار.
____
استوقفني شعره منذ قصيدته: "سرحان يشرب القهوة في الكاقيتيريا"، وكنت أُقبل على مجموعاته المتتالية في السنوات المتأخرة، على الرغم من مجانبتي لأسلوبها، فيما كانت تتباعد صلتي بقصائد كان لكتابتي أن تتفاعل معها. وهو ما تمثل في عدد من دراساتي عنه، ولا سيمل دراسة اشتقاق المتكلم لخطابه في قصيدته.
وإذا كانت بداياته اقتربت من نزار قباني وعبد الوهاب البياتي، فإن هذا الشاعر، الذي تبع "جيل الرواد" زمنياً، ما لبث أن استدركهم شعرياً، حتى أنه بدا أكثر من "خلاصة" لهم، قبل أن يتفرد عنهم بقصيدة باتت عنواناً لنفسها، وعلامة دالة على ما تقيمه بعد قيامه.
وإذا كان درويش من أشد الشعراء العرب ذكاء (بكل معاني الكلمة)، واحترافاً، فإنه كان خصوصاً – بخلاف عديدين من أقرانه الراكنين إلى موروثهم ونتاجهم – شديد التنبه للمشهد الشعري، لمجرياته، ولا سيما للمجددين منهم، وفي نطاق القصيدة بالنثر تحديداً. وهو ما تمثل في أكثر من وجه في القول الشعري: منها وأولها، من دون شك، مقادير الاستبطان الذي باتت تقوم عليه قصيدته، وهو استبطان بات يسائل الذات فلا يغنيها أو يكتفي بحاصلها. وهو ما اتضح في صورة أظهر في إيقاعاته، التي باتت في "الجدارية"، على سبيل المثال، كما لو أنها من معين النثر فيما لا تفارق "تفعيليتها" أبداً، ما يُظهر تمكنه الشديد من أدواته، ومن قدرته على التطويع والتفنن والتجويد بها. وهذا من دون أن يبتعد عن عبارته المضيئة، ولا عن جمهوره المتعاظم، هنا وهناك وأينما كان. وفي ذلك لم "يصالح" درويش بين جمهورين وأسلوبين، بل سعى إلى إفادة قصيدته من توصلات غيرها، حتى بات شعره الأخير أشبه بذروة اللقاء، وبتجدده. وهو في ذلك كلاسيكي قبل ميعاد امتحان الزمن لشعره.
(جريدة "السفير"، بيروت، غداة وفاة محمود درويش، 2008).