استوقفتني في الدعوة التي تلقيتها من "الجامعة الأميركية" في بيروت تسمية حادثة انتحار الشاعر اللبناني خليل حاوي بـ"الاستشهاد"، وهو ما انتبهت إليه أيضاً منذ جلسة المؤتمر الأولى التي تحدثت عن "البطل" و"الرسالة" وغيرها. وهو ما سمعته منذ "أوراق العمل" الأولى... وهو ما دعاني إلى طرح أسئلة عديدة: ألا يحق لإنسان أن ينتحر، في بلاد وبيئات واعتقادات تنهي عن هذا الفعل ولا تقر به؟ ألا يتم تحويل حادثة انتحار إلى حادثة "استشهاد" مثلما يصيب الكثيرين في لبنان وغيره، بحيث لا "يجوز" أن يكون هناك موت فردي، أو في حادثة سيارة، على سبيل المثال؟ بل دعتني هذه الأسئلة إلى طرح سؤال آخر: ألا نكون نستعيد خليل حاوي وندرجه في خطاب "مقاوم" وحالي، بعد خمس وعشرين سنة على انتحاره؟
إلا أن ما استوقفني في هذا كله يتعدى هذه "الألاعيب" المعروفة في التجييش السياسي والإعلامي، وفي ركون "البحوث العلمية" – من حيث لا تدري على الأرجح – إلى اعتقادات و"مناخات" في زمنها، فلا تجري عليها المراجعة والتبين والنقد. ما استوقفني هو أن الشاعر خليل حاوي يتم "توظيفه" مرة أخرى، ويتم تجهيل قصيدته عما كانت عليه: كما لو أنه ليس هو، بل هو لغيره دائماً!
ويمكن القول بأن حاوي نفسه "ساعد" مثل هذا التوظيف، أو ربما تدبره أيضاً، إذ وضع خاتمة لحياته في السادس من حزيران-يونيو في العام 1982، إثر غزو القوات الإسرائيلية للبنان، في عمليتها الشهيرة التي قضت بإخراج قوات "منظمة التحرير الفلسطينية" من لبنان. إلا أن أصدقاء حاوي وزملاءه ودارسيه يعرفون بأن حاوي أقدم على الانتحار أكثر من مرة قبل هذه – "الناجحة" - وفي أيام لا تحمل دلالات سياسية وغيرها، مما يمكن توظيفه؛ كما يعرفون أيضاً – أو لعلهم يعرفون، على ما تساءلت – بأن انتحار خليل حاوي يختلف تماماً عن انتحار ميشيما الكاتب الياباني، الذي دعا مريديه إلى "الهاراكيري" (أي الانتحار "الشريف" حسب تقاليد "الساموراي" اليابانية)، بقرار إرادي وواع، فيما لا يصح ذلك أبداً في حاوي الذي كان يعاني من مشكلة "عصابية" مزمنة تجلت مظاهرها في صورة بينة، لا ينكرها أحد من معارفه.
وما يستوقفني في صورة أكبر في ما سمعت وقرأت – وهو يتعدى هذه الندوة ليشمل خطاباً عربياً سارياً، هنا وهناك – هو أن الدرس النقدي لا يزال يتعامل مع القصيدة بلغة "الوعي"، كما لو أنها خطاب مسدَّد وموجَّه بالمعنى السياسي والإيديولوجي، غير منتبهين إلى أن الشاعر – إذ يكتب قصيدته – تكتبه كذلك، بما يشمله طبعاً وبما يتعداه أيضاً.
فقد تبين لي أنه لم يتم تجديد النظر إلى جاوي بما يرينا "العصاب" في شعره، خاصة وأن "العصاب" في حالة مثل حالة حاوي ليس مما يظهر فجأة، أو في سلوك من دون غيره، بل هو مكون أساسي لسيرته وأفعاله، أياً كانت، فكيف إذا كانت أفعالاً شعرية تبنيها المخيلة والنزوعات الداخلية! هكذا يتم النظر إلى الجملة على أنها تدوينُ وعيٍ وحقيقةٍ فيما هي ترسم رغبةً أو اشتهاء أو ميلاً أو نزعة غامضة وغيرها من الأحوال التي تحمل الكلام وتوجهه.
تنبهت في هذه الأيام إلى أن "أستاذي" خليل حاوي – وهو درسني في الجامعة فعلاً – بقي مجهولاً، بل تم توظيفه لخدمة غيره، لخدمات تتعدى قصيدته نفسها.
يبقى خليل حاوي سراً كاملاً فس القصيدة العربية الحديثة.
(9-6-2006).