بلغتني دعوة من جامعة يورك البريطانية عن مؤتمر دراسي تنظمه في أول تشرين الثاني-نوفمبر المقبل، عن كتاب إدوار سعيد الذائع الصيت: "الاستشراق"، في ذكرى مرور ثلاثين سنة على صدوره، وهو يناسب الذكرى الثالثة والسبعين لميلاده. ومن يتابع عناوين المؤتمر المقترحة يتحقق من أن "تلقي" هذا الكتاب عرف سياقات استقبال عديدة له، بين أميركا وأوروبا والعرب والإسلام والشرق القديم والجديد (في تسميات ابتسارية بالضرورة، واختصارية)، وعرف بالتالي معاني متجددة وإن تنطلق منه، مؤيدة أو مصوبة أو معارضة له. وهو في ذلك يكون أكثر من كتاب، وهو ما كان قد توقعه له ألبرت حوراني، إذ قال بأن الاستشراق سيكون مختلفاً بالضرورة، وقد صدر هذا الكتاب. وهو توصيف استباقي طبعاً، ولكن أيصح هنا كما يصح هناك؟ وماذا عن استقبال هذا الكتاب عربياً؟
لا يجد الدارس أي صعوبة في التحقق من "أثر" هذا الكتاب، إن تنقل بين الكتب والدراسات الجادة، هنا وهناك في الغرب، ولو تمثل الأمر أحياناً في حملات بدأت "شعواء" وما لبثت أن هدأت وفترت واستقامت وفق وتيرة أخرى، سوية إن صح القول، في التعامل مع ما يقوله. وصدقَ فعلاً ما توقعه حوراني، وهو قيام لحظة دراسية، تفصل بحثياًَ بين قبل وبعد صدور هذا الكتاب. ومن يتابع الإصدارات البحثية، الموصولة بفترة أو بموضوع الكتاب، يتحقق من أن العودة باتت لازمة إليه، بل أصبحت الحيطة ضرورية من قبل الدارسين الغربيين، عند تطرقهم لتاريخ الاستشراق على الأقل. فلم يعد الدارس راكباً في قطار متجه فوق سكة الحقيقة المتقادمة منذ قرون وقرون، بل بات عليه أن يراجع، أن يستعيد خطوات سابقيه، وأن يتحقق – بقدر من التحوط والحذر – مما يقدم عليه. ذلك أن ما كان يتابعه الدارس الغربي من نقد، ضمن ثقافته المخصوصة، ويتناول علاقة إنتاج المعرفة بإنتاج القوة نفسها، ما كان يصيب أبداً مباني الثقافة الاستشراقية، بل ظلت بمنأى عنه، أشبه بمحمية واقعة خارج التاريخ والثقافة.
ومن يراجع منذ وقت غير بعيد حقيقة الحراك الغربي في هذا النطاق، ولا سيما في الوسط الجامعي الشاب منه، ينتبه إلى أن العديدين منهم باتوا يتنكبون عن استعمال لقب: "مستشرق"، الذي كان يتباهي به سابقوهم مثل ميدالية على بزاتهم، أو مثل نقش هيروغليفي فوق مكاتبهم.
يراجعون، يدققون، ويصوبون، ويستعيدون معالم قوة ثابتة ومتبدلة في آن، إذ أنهم يندرجون في ثقافة تجددُ قولَ سعيد، وهو أن لزوم القوة يتولد منه لزوم المعرفة أيضاً، والعكس صحيح. ومن يتابع حاصل الدرس الحالي، عن العرب والمسلمين والشرقيين وغيرهم في العالم، ينتبه إلى أن مراكز التعليم والبحث الجامعي الجادة تتعين، اليوم، في الغرب، إن لم نقل في أميركا نفسها، وفي صورة متفاقمة، فيما لم يبقَ لدمشق أو القاهرة أو استانبول غير تعليم النطق اللغوي حسب لهجات "أهل البلد".
أفاد مِن كتاب سعيد مَن هم معنيون بالثقافة، أياً كانت مصالحهم منها، فيما تحول سعيد في بلادنا ومقالاتنا إلى داعية للكره، والحقد، والجهل، من دون أي مبالغة. فبدل أن يقوي كتاب سعيد من ساعد الباحثين العرب لتشديد نظرتهم التاريخية والنقدية لتاريخهم، ولثقافتهم، ولدرس الآخرين لهم ولها، لم نقع منذ ثلاثين سنة على كتاب يستكمل، أو يصحح، ما قاله سعيد. ولم يظهر خصوصاً ما يشير إلى أن حكومات، وجهات، وباحثين، معنيين بالثقافة العربية وبتجديدها وبتقويتها، يتكفلون بها فعلاً، بدل "النق" مما يفعله الغير عنا وبنا، وبدل "الحرد" أيضاً من إساءات الدارس الغربي أو من أخطائه في حقنا. وما أحسنوا في صنعه هو جوائز التكريم لكتاب لم نعلم أن عدداً منهم معروفون خارج بلدانهم نفسها!
لهذا يبدو سعيد أكثر حياةً "خارج المكان"، وخارج البلاد والثقافة التي تحدر منها، فيما يُستحضر ذكرُه لشتم الغرب وحسب، أو "يُستعمل" لتأكيد ظلامية محلية لا تستحسن استعمال "التراث" إلا بما يليق بثقافتها المحدودة والمعتمة، وبما يجعلهم "أساتذة" على عموم الناس وفقاً لثقافتهم المحدودة.
ملاحظة أخيرة: حتى ظواهر الاحتفاء بسعيد تتكفل بها جهات غربية، وهي لا تقتصر على هذه الدعوة الكريمة، بل بما يشمل أيضاًَ عنايته بالموسيقى وغيرها.
كان يقال في ما مضى: "لا يعرف الشوق إلا من يكابده"، وهو ما يصح في سعيد كذلك: لا يعرف فكر سعيد إلا من يكابد شواغل الفكر نفسها.
قد يكون في هذا القول مبالغة، وقد تُشعر البعض بظلم لاحق بهم. ربما، إلا أن الأكيد هو أن من يلاحظ "تلقي" الكتاب (وهو علامة عن الثقافة عموماً)، بين هنا وهناك، يتأكد من أنه كان صالحاً لهم فيما ينتقدهم، وغير مفيد لنا فيما يصحح صورة متخيلة أو مشوهة عنا.
(5-7-2008).