نجيب محفوظ : غياب ما لا يموت

 

 

للميتات – على ما نتعلم في الحياة – أنواع وأنواع: منها ما هو صاعق ومفاجئ ومبكر ومباغت وظالم وغيرها، ومنها ما هو أشبه بـ"موت معلن"، أي من الميتات الحاصلة قبل حصولها. أما ميتة الأديب نجيب محفوظ فهي نوع في حد ذاتها، إذ أنها لم تحصل فيما ظهر خبر الوفاة قبل أيام. وهو ما يمكن تسميته بالميتة الهانئة، التي يكتفي فيها المشيعون بالتلويح بالمناديل، بالمشية الصامتة، بإطراقة الرأس المديدة التي تعني التذكر والاحترام والمواكبة الرفيقة التي يصاحبون فيها ملائكة الموت، وهي تحمل كبيرهم إلى حيث هو منذ عقود وعقود: في قلوبهم التي اتسعت له، في قصور من ورق إلا أنها لا تعبأ بالعواصف ولا بمحن الدهر.

أكتب هذا، وتحضرني الصور القليلة التي تابعتها عن تشييع محفوظ على شاشة إحدى الفضائيات: ضايقتني مرة ثانية (بعد تشييع ياسر عرفات) مراسم التشييع هذه، إذ أنها تبدو أشبه بتمرين على لقطة سينمائية مؤجلة التصوير. زدْ على ذلك: انها جنازة... "عسكرية"، في إشارة تفيد أعلى أنواع التكريم عند السلطات المصرية، إلا أنها تبدو لي باهتة، غير مناسبة، مثل لقب "الماريشال" الذي فاز به الموسيقار محمد عبد الوهاب قبل وفاته. ومع ذلك، لم أتضايق يومها، بل قلت لنفسي: ماذا كان له أن يكتب عنها؟ بل قلت أكثر من ذلك: ما كان نجيب محفوظ يحتاج إلى هذا كله؛ هم يحتاجون - إن صح التعبير - إلى أن يظهروا في مراسم تشييعه، أن يقولوا: كنت هناك، كنت أعرفه... أما الملايين العديدة من محبيه فهم ما كانوا يحتاجون حتى إلى الذهاب إلى تلك الجنازة العسكرية الباردة؛ ربما كان عناهم أن يرافقوه، وفق طلبه الوحيد والأخير: أن تمر جنازته في أحياء القاهرة القديمة، الحبيبة، في ملامسة أخيرة لجسده المتهالك مع هوائها الأزلي.

كان محفوظ أكبر من جنازته طبعاً، أكبر من وفاته حتى، لدرجة أننا لا نتردد في تعيين مكانته في الأدب، ولا في تاريخ مصر الحديث: لقد احتلها منذ وقت بعيد، بما يتعداه ويتعدانا. ما عرف - وقد لا يعرف - أي أديب عربي مثل هذه الميتة المريحة، فلا يصيب صاحبها أي نقد، أي سجال. حتى "جائزة نوبل للآداب" سحبت من الجميع فرصة أن تكون محل نقد ... يصيبها هي، لا هو (لو لم يفز بها).

ومع ذلك لم يكن الأمر بالهين، ولا أكيداً قبل عشرين سنة على الأقل: أذكر أنني كتبت في مجلة عربية تصدر في باريس، في العام 1984 أو 1985، في مقالتي الأسبوعية، "جملة معترضة"، تعليقي الأسبوعي بعنوان: "أرشح نجيب محفوظ لنوبل للآداب"... وكانت دهشتي عظيمة لمصير هذا التعليق، إذ نقلت الخبر إحدى وكالات الأنباء، ما جعلني محل تندر من أحد الشعراء الأصدقاء الذي قال: "أبات تعليقك النقدي القاسي الأسبوعي محل تقدير من وكالة أنباء!"، فيما أبلغني الشاعر الصديق أحمد عبد المعطي حجازي (وكان مقيماً في باريس في تلك السنوات): "لسنا من رأيك، نحن أدباء مصر"؛ وعرفت منه أن "أدباء مصر" (من دون أن أعرف من تشملهم هذه التسمية) يفضلون اختيار توفيق الحكيم لهذه الجائزة، "لريادته السابقة على محفوظ"، حسب عبارات حجازي.

هذا ما ذكرني به بعد سنوات الروائي الصديق جمال الغيطاني، ذات مساء في فندق "هيلتون" في القاهرة، بعد فوز محفوظ بالجائزة العالمية، إذ قال لي ممازحاً: "لك أن تلقي التحية على محفوظ لكي يشكرك على ترشيحك"، فأجبته ممازحاً: "لا حاجة لذلك إذ أرسل لي رسالة شكر معك، في زيارتك السابقة إلى باريس: أنسيتَ؟". تابع حديثنا هذا الصديق الراحل الشاعر بلند الحيدري، فأوقفنا في كلامنا: "أنا في ودي إلقاء التحية عليه". هكذا اقتربنا من "قعدته"، وكان محاطاً في إحدى فسحات البهو في الفندق الكبير بأعداد من المتحلقين حوله... ألقينا التحية عليه، فأصر الحيدري على رفع صوته لذكر اسمه، فوضع محفوظ يده اليمنى على أذنه اليمنى طالباً سماع الاسم من جديد، فيما كنت قد تراجعت عن هذا المسعى متابعاً المزاح مع الغيطاني: "أنا لا أحتاج لهذا كله، فهو يعرفني من هيئتي...".

كانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي التقيت بها بمحفوظ: منذ وقت بعيد ما كنت أجد حاجة للقاء به، وأنا عرفته في السادسة عشرة من عمري من دون أن أنقطع عن زيارته، عن درسه، وعن تدريسه بعد سنوات. ذلك أنني في ذلك الصيف، في مدرسة داخلية، وقعت على روايته "زقاق المدق" بالصدفة، من دون أن أعرفها أو أعرفه. ما يمكنني قوله هو أن هذه الرواية فجرت في داخلي ارتعاشات هائلة حتى أنني كنت أخشى روايتها لأصدقائي الذين أخفيت عنهم مثل هذه اللذة الفائقة - والتي أردت أن أحفظها سرية، حتى عنهم. حتى اليوم لم أستعد قراءة هذه الرواية أبداً، إلا أنني وقعت عليها بعد سنوات بعيدة في التلفزيون، في فيلم، مع شادية ويوسف شعبان... تملكتني حينها - وحتى اليوم - تلك الارتعاشة القوية، ولا أتوانى عن طرح السؤال: كيف يحدث أن حروفاً لها مثل هذه القدرة علينا؟ كيف لها أن تجعلنا نفرح أو نحزن أكثر مما يحدث لنا في البيت، في الشارع، فيما هي لا تعدو كونها حبراً على ورق، بخلاف تلك التي نقع عليها ونصادفها كل صباح ونتبرم من رؤيتها أو حتى من مبادلتها أي كلام!؟

في ذلك المساء، جلست أراقب محفوظ على مبعدة أمتار منه. لم أجد ما يستوقفني في حركاته، خاصة وأنه كان محاصراً، بجسده الضئيل، بأعداد من مريديه ممن كانوا يخطفون الهواء من أمام وجهه: انتبهت إلى نظارته الطبية السميكة، إلى ضحكته المجلجلة أحياناً، وخصوصاً إلى بريق عينيه الذي كان يضج - أكثر وأفضل من جسده الضئيل - بألق الحياة العامر الذي كان يعتمل فيه.

هذا البريق الذي خلف نظارته لم يبلغنا منه سوى بعض الضوء، على ما أظن، إلا أنه يكفينا وينير حلكة ليالينا، مثلما أنارها لي منذ لقائي الأول به.

(26-5-2007).