المعنى الإسلامي: قلق السؤال
تتعين كل ثقافة، في عهودها المختلفة، في ألفاظ بعينها، ولا سيما في التي تكون خفيفة الحمولات عند تبنيها، ثم يُقبل القارىء عليها إقبال المطمئن إلى شرفة متينة وكاشفة. لفظ "التراث"، الذي يرد في عنوان كتاب الدكتورة نايلة أبي نادر (فضلاً عن المدونة التي تدرسها)، واحد من هذه، وله كيانه المخصوص في الثقافة العربية المعاصرة. لفظ-عماد: يستعاض به عما يتحدث عنه، فيما يخفي بقدر ما يظهر، العديد من الإشكاليات التي تشغل "رهانات المعنى"، فضلاً عن قلقه طبعاً. وهو لفظ – لو دقق القارىء -قد يقترب مما تسميه اللغة الإنكليزية أو الفرنسية في لفظي (heritage) و(patrimoine)، لولا أن هاتين اللغتين تطلبان من اللفظين تعيين الممتلكات المادية، فيما تطلب العربية من لفظها المستحدث تعيين الممتلكات "العقلية" (لو طلبتُ الاختصار). ولو تتبع القارىء مسار الألفاظ لتحقق كذلك من أن ما يشير إليه اللفظ العربي كان يمكن أن تسميه الإنكليزية أو الفرنسية بلفظي (past) و(passé)، فيما لا تعيره العربية المستعملة في الكتابة العربية المعاصرة اهتماماً يذكر. ذلك أن ما تسعى إليه هذه الكتابات يوضحه الدكتور محمد عابد الجابري، بل يميزه عن حمولات لفظ آخر (هو "الميراث")، مشدداً على أن ما يطلبه لفظ "التراث" هو تعيين أقرب إلى أن يكون "حضور الأب في الابن، حضور السلف في الخلف، حضور الماضي في الحاضر". وهذا يدعو إلى السؤال: كيف يحدث ألا يكون الماضي (والماضي القريب واقعاً، ومن دون غيره) ماضياً، أي مصنفاً ومرتباً في التاريخ؟ كيف يحدث أن مثل هذا الماضي مطلوب، بل أن له فعالية منشودة يمكن اختصارها بأنها إلحاحات الجد في تمثلات الحفيد لما كان عليه بل لما يطلبه منه؟
طلبتْ أبي نادر درسَ "التراث والمنهج" في كتابات المفكرَين الجابري ومحمد أركون، في مواجهة نقدية اتخذت شكل المقارنة، وتعينت في علاقات العقل بالخطاب في المقام الأول. وما درستْه كان يمكن أن يتركز في السؤال الفلسفي أو التاريخي، فيما تعين – على ما يتضح في الكتاب – في مساعي "التفسير" (على اختلافها وتنوعها، بين إسلامية قديمة، ومعاصرة في خطابات علوم الإنسان والمجتمع). فماذا عن العقل والخطاب؟
ما عنى الباحثة في كتابها تحدد في مسألة المنهج خصوصاً، على أنها ما يضيء العلاقات بين العقل والخطاب، كما تتبدى في كتابات أركون والجابري. وهي، لهذا الغرض، استقصت في البحث عن كتاباتهما، فضلاً عما كتب عنهما، ما يعد في حد ذاته مدونة ثمينة، تُظهر المجهودات الكبيرة التي بذلها هذان المفكران – وهما ناشطان في التأليف حتى أيامنا هذه – في نطاق اشتغالهما المشترك (الذي يفيض عن معنى الماضي ليتناول أيضاً النظر السياسي في الراهن). وهو لقاء بينهما طلبتْه وحققته بعد أن تنبهت إلى أنهما يجتمعان في ما يختلفان عليه، فبادرت إلى جمع مدونة اللقاء وأجرته، وبالعمل معهما أيضاً في لقاءات جانبية استكلمت بها "معاشرتها" (كما تقول) لنصوصهما. فهما يجتمعان في النطاق عينه تقريباً، مع بعض تعديلات في الحدود: إذ تذهب مساعي الجابري إلى ثقافات سابقة على الإسلام، فيما تذهب مساعي أركون صوب متون وثقافات أخرى، مثل المسيحية تحديداً، الماضية أو المعاصرة.
هكذا تناولت في كتابها، في ثلاثة أبواب كبيرة، "خصوصية المنهج" عند أركون (في الباب الأول)، ثم عند الجابري (في الباب الثاني)، مخصصة الباب الثالث والأخير لإجراء مقارنة بين حاصل الجهدين في الميادين المختلفة (بين دينية وسياسية وغيرها)، من دون أن تهمل "تلقي" المشروعين في الفكر المعاصر.
يجمع بين أركون والجابري، ابتداء من عناوين كتب لهما ومن استهداف خطتيهما التأليفية، "نقد العقل"، ثم يختلفان، إذ يلصق به أركون الصفة-المحدد: "الإسلامي"، والجابري: "العربي". وقد يجد بعض الدارسين في مثل هذا الاختلاف مجالاً لتوسيع الشقة، واختلاف النظرة بينهما إلى موضوعهما المشترك – وفي هذا وجوه أكيدة من الصحة -، إلا أن تباينهما قد لا يكون تبايناً واقعاً: إذ يشير عند أركون إلى جهة من التعريف بالعقل، وهي أنه عقل متشكل في سياق التجربة الإسلامية، ويشير عند الجابري إلى جهة أخرى من التعريف بالعقل، وهي أنه تعين بالعربية، لغة وقواعد وغيرها. ومن المؤكد أن تباينهما في التعريف يتأتى كذلك من جهة أخرى، وهي جهة المتلقي نفسه والخطاب الموجه إليه: إذ يتوجه الجابري إلى المتلقي العربي تحديداً من دون غيره (ما يكتمل عنده بدعوته إلى القومية العربية)، ويتوجه أركون (وهو الكاتب بالفرنسية أساساً، وبالإنكليزية أحياناً، والمنقول إلى العربية) إلى المتلقي العربي والإسلامي وغيره (ما يقترب من مشروعات سياسية مثل الحداثة والعلمانية والديمقراطية). وما يستوقف في حالتيهما هو أن الجابري يقترب من الفلسفة (في تعبيراتها الكلاسيكية، وإن تحدث عن "الحفر" أحياناً)، فيما يقترب أركون من التاريخ (ولا سيما في أطروحته التي صدرت في كتاب عن ابن مسكويه).
قال نيتشه: "بأقوى ما في الحاضر من قوة علينا أن نفسر الماضي"، وهو ما سعى إليه المفكران، وإن تفاوت مسعاهما: حيث أن عمل الجابري اجتهد في تصنيف المعنى (بعد فحص ونقد)، فيما اجتهد أركون في زحزحة مرتكزات المعنى. وإذا كان الجابري توصل إلى خلاصات مبتكرة ومغرية في آن، فإن ما باشره أركون رسم أوضاعاً متجددة للسؤال نفسه، التي لها أن تكفل قيام المعنى قبل أن تبنيه. ولهذا يبدو مشروع الجابري "مكتملاً" (وهي صفة قد يجدها البعض إيجابية، والبعض الآخر سلبية)، ومشروع أركون "مفتوحاً" (وهو ما يقال في هذه الصفة أيضاً). ويمكن القول بأن مسعاهما يشكل أوسع تجربة كتابية، بعد مساعي الطيب تيزيني وحسين مروة وأدونيس وحسن حنفي وغيرهم، في هذا النطاق، فضلاً عن سعيهما إلى تمكين خطابيهما من أسس ومرتكزات تجعل الخطاب يفكر في ما يقوم به قبل أن يقدم عليه. وما يمكن أن يشار إليه في هذا النطاق هو أن هذين المسعيين ما كان لهما أن يقوما لولا حاصل الدراسات الاستشراقية والغربية عموماً، وهو ما يضمره الجابري وإن كان لا ينكره، وهو ما يعلن عنه أركون في نوع من التفاعل البنائي الصريح. هذا ما يجعل من هذين الإسهامين – على اختلاف بينهما، وبيننا وبينهما – جهداً مزيداً في إدخال التاريخ الإسلامي وقضاياه في "التاريخية".
ولكن هذا لا يمنع من طرح السؤال، بل من القول: ما كان له أن يكون في "ذمة التاريخ"، أي مركوناً في ماضويته، تحول إلى شاغل راهن، ومقلق؛ ومن طلب المقارنة في هذا النطاق تنبه إلى أن انشغال هؤلاء المفكرين بسؤال الماضي وبمساعي تفسيره لا يخفف أبداً من "ظلامية" مسألة المعنى في السياق الإسلامي الراهن. وما كان له أن يكون محل تأريخ وتصنيف، في عداد العلوم والمقاربات القديمة، انتهى إلى أن يكون سؤال الراهن. وما كان له أن يشغل جهود الكاتبين، في نطاق "رهانات المعنى" (أي تمكين الكتابة من السؤال، من شروطه، من قيام علله وأسبابه) اختفى، بل يبدو خفيف الحضور والفعالية في البحث العربي، بدليل إقدام جامعات عديدة على شطب "الفلسفة" من أقسامها الجامعية (وهو ما يشمل "الجمالية" بدورها في معاهد الفنون وكلياته).
كتاب الدكتورة أبي نادر وفر للقارىء العربي قراءة جامعة ودقيقة ومعمقة لمشروعي أركون والجابري، ولما يتعداهما (بما فيه المحجوب فيهما)، بما يجدد السؤال التي تنهي به كتابها: "وتبقى الحداثة الهدف المنشود".
(تقديم كتاب الدكتورة نايلة أبي نادر: "التراث والمنهج بين محمد أركون ومحمد عابد الجابري"، الشبكة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، 2008).