عجين الصدور

إنه عجين الصدور.

هذا ما قلته لنفسي إثر انتهائي من قراءة – بل من سماع ما قرأه الأستاذ أنيس داغر على مسامعي، وما استعدتُه قراءةً بعد وقت بخط يده المتقن والحريص على ما يسقطه فوق الورق. ذلك أنه قد استرعاني، سواء عند سماع أو عند قراءة ما كتب، هذا التواصل البين والهين بين الشفة والقلم. انتبهت إلى أنه كان يتابع قراءة ما كتب من دون أن ينظر إلى حروفه، ومن دون أن ينظر إليَّ بالضرورة، بل كان يغمض عينيه ويتابع فوق سطور - مرئية له وحده - ما سبق له أن كتبه، أن أنزله، في واقع الأمر، في منازل ارتضاها، وعمل على نحتها وبنائها بأناة البنائين الحاذقين وصبرهم المديد.

ذلك أن ما كتبه كان قد كُتب قبل أن يتعين في حروف، في كلمات، فوق سطور. كُتب بل أعيدت كتابته مراراً وتكراراً، على أن الزمن هو اليد الأخرى التي تعاونه أو يستعيض بها عن يده الكاتبة. هذا الزمن الذي يدرك أن لحركته ما يقيم الأفعال في سياقاتها المناسبة. مثل عجين ينتظر صباحَه، وتنورَه.

ذلك أن أنيس عجن هذه الكلمات طويلاً قبل أن "ترفخ" (كما نقول في قرانا)، ويرسلها صوبنا مثل رغيف نضج للتو.

لا، هذا كلام دعكته السنون، وصقلته، وإن برز لنا في هيئة علبة عيد متأخرة.

فما يكتبه، بل ما ينشره، اليوم، سبق له أن استعاده بحروفه واحداً واحداً، من دون أن تنطفىء فيه جذوة النار التي حركته وجعلته "يعيش" مع الزمن، وعلى مرور الزمن.

فكلامه هو مما عاش في الصدور سنوات وسنوات، وما قلَّبَه في فراشه، ليس في لحظات التذكر وحسب، وإنما أيضاً في لحظات الغضب والتخلي والشعور بمرارات الحياة.

جذوة الفتى لم تبرد على مر السنين، بل بقيت مشتعلة، متقدة، مثل نار مقدسة. وهو في ذلك قد خص الكتابة بأجمل معانيها، وهو أن تقول الحق والحقيقي، على أن فيها ما يشفع بالمظلوم، والمبعد، طالما أنها رسالة خلاص.

ما كتبه الأستاذ أنيس لم يكتبه لأولاده وأحفاده وحدهم، مثلما يقول، بل لنا، وللقارىء أيضاً. هو رسالة "المعلم" إذ يودع تلاميذه في نهاية العام الدراسي، على الرغم من تشدده المدرسي. ذلك أنه تردد كثيراً قبل أن يقدم على نشر ما كتب. وهو ترددٌ يعود إلى أسباب مختلفة: فيها حرجُ الأستاذ أمام تلاميذه الكثر - حرجُه من القول غير المباح؛ وحرجُه من أهالي بلدته، تنورين، مما يقوله في بعضهم، وفي أحوالهم، وحكاياتهم.

كيف لا، وأنيس داغر هو "الأستاذ" في نظر جيلي على الأقل، ممن وجد فيه صورة المتعلم العلماني الأول، بعد صورة المتعلمين من الرهبان والكهنة، ولا سيما في عائلة داغر. كيف لا، وهو أول حاصل على شهادة "السرتيفيكا" من العلمانيين في وطى حوب، في العام 1946، وهو الذي تخرج من دار المعلمين، وقضى الشطر الأكبر من نشاطه المهني في التدريس. قضاه من دون أن تفارقه ربطة العنق... حتى أيامنا هذه، وحتى حين يتفقد مزروعاته إلى جانب بيتي. إلا ان هذا التشدد المظهري يكمله تشدد مهني، هو العلامة الأمثل من دون شك عن دولة كانت تَعِد أبناءها بمستقبل واعد يستحق مثل هذا العناء وهذه الصرامة. وهو التشدد الذي لا يخفي روحه المرحة ومداعباته، بل "مقالبه" أحياناً، التي يعرفها من اقترب منه وتكشفت له تلك الروح العامرة برغبة الحياة.

فما قاله أنيس الفتى لنفسه، في الطريق الواصلة بين وطى حوب وخراج "سعيد" في المقلب الآخر منها، وهو يرخي فوق كتفه بارودة "الدك"، وما كان يردده على مسامعه وحده، من تظلم وشكوى وأمنيات مرسلة مع أسراب العصافير، يقوله، اليوم، عالياً، على رؤوس الأشهاد، في كتاب.

وفي ما يقوله شهادة عن غيره، عن راحلين، يكشف بعض أوراقهم، مثل رسالة نادرة للراحل أسعد مفلح داغر. وشهادة عن ظالمين، محليين وخارجيين، في قسوة العيش ومكابداتها. وشهادة عن ولع الفتى في "النزول" من قريته – وهو ولعٌ، يزيد منه شعورُه بانه مقيم بين جبلين، بين "تنورين" ("تَنّورو" هو الجبل في السريانية)، في المكان الضيق والموحش والنضر، حيث أنه لا يرى الأفق، إذ يجلس إلى شرفة بيته، بل يخمن بوجوده خلف هذه القمم.

إلا أن في هذه المقطوعات الأدبية، التي تقع بين التذكر والمعاينة، شهادة عما تقوله الكتابة عن نفسها، وهي أنها أثمن ما يحدد الإنسان إذ يتحقق من قدراته، وأنها أجمل ما يرافقه ويبقى بعده.

(مقدمة لكتاب أنيس داغر: "ماض على ورق"، طباعة خاصة، 2008).