هذه "الإذ" فجائية، كما تقول العربية. مثل زيارة محمود درويش الأخيرة لي.
زارني برفقة نايلة، قريبتي المراهقة: أتت مع دفترها الصغير، الذي وضعت فيه نصاً بعنوان: "علمني الشعر"، طالبة مني شرح بعض الأمور الصعبة، المدسوسة بين الكلمات. ما أن دعوتُها إلى القراءة استوقفتني في النص عبارات عن بياض الصفحة، وأخرى تتحدث عن أن البئر تحولت، بفضل الشعر، إلى جرَّة، والبحر إلى سماء مقلوبة وغيرها. فسألتها: "من أعطاك هذا النص؟"، أجابتني: "مُدرِّسة العربية". فقلت: "لمن هو؟". لم تحسن نايلة الإجابة.
إذ عدت إلى قراءة النص من جديد، استوقفني فيه الحديث عن الجد الذي علَّم الفتى حكايات الثقافة المبكرة، فتذكرت عدداً من الجلسات في باريس، في العام 1986 أو 1987، مع محمود درويش حول حكايات الطفولة: عن هربه المبكر من البيت، بل عن ضياعه في الطريق إلى عكا، وعن "قسوة" الوالد مقابل "حنو" الجد، وعن شاعر كان يقول الشعر في البراري أو حين يحلُّ خلسة في بيوت الفلسطينين ليلاً، إذ كان من "الطُّفّار"، كما نسميهم في لبنان، وتعني الهاربين من العدالة...
هذه المرة زارني من دون موعد، كما في المرة الأولى، في العام 1973 على الأرجح، حين حلَّ ضيفاً علي وعلى أصدقائي المُضربين، فوق رصيف، أمام وزارة التربية، قرب كليتي الجامعية، في نوع من "التضامن" مع الجيل المطالب بفسحة تحت شمس الوطن. وهي الزيارة التي لم ينقطع وصلها بين مدن وبلدان عديدة، في لبنان أو باريس أو تونس أو المغرب أو القاهرة أو عمّان وغيرها الكثير...
اعتدت على لقاءات متجددة دوماً معه، ولا سيما على مجلسه المفيد والممتع دوماً. وهو أشد ما أفتقده، اليوم، أي ذلك الحضور اللماع والمشرق والفكه، حتى في أحلك لحظات التأزم الفلسطيني الداخلي، كما في السنوات الأخيرة. وهي جلسات كانت تجمعنا به في صالون بيته، أو على طاولة في مطعم... أو جلسات أخرى كانت تجمعني به، وحدنا، في بيته الباريسي، في بيته في ضاحية تونس الراقية (الذي كان يعود إلى أحد كبار الفن التونسي المعاصر)، أو في بيته في "عبدون" بعمّان، حيث كان محمود لا يتأخر، هنا وهناك، عن "تمرير" بعض الأخبار عن حياته الخاصة: عن زوجته الأولى أو الثانية، وعن أكثر من حبيبة ممن كنت أعرف... أو عن قصة "زواجه" الوهمي بالمطربة نجاة الصغيرة التي بلغت أمه في القرية في فلسطين. أو أخباره أو تعليقاته عن سلوكات الراحل ياسر عرفات، أو عن تبرمه من بعض الشعراء أو المثقفين – "المنافقين" – ممن كانوا يوالون "القضية" أو شخصه الاعتبار العالي فيما كان يشك في إخلاصهم. أو جمعي له ولسميح القاسم، في مطعم لبناني في باريس، "على صحن كبة"، لطي صفحة خلاف قديم بينهما...
هذه الأخبار العديدة لن أسمح لنفسي بكتابتها... حتى اليوم على الأرجح، متسائلاً ما إذا كان يصح نشرها، من دون اتفاق مسبق بيني وبينه، وأنا أتحقق من هذا الكم البالغ من الأخبار والشهادات التي تتصل بدرويش منذ موته الفاجع. المسؤولية تقع على عاتقي، وهو ما لن أقدم عليه اايوم، خصوصاً وأنني معني بغيابه كشخص قبل أي شيء آخر.
يصعب علي ذلك لأنني أفتقد في غياب محمود الصديقَ قبل الكاتب. أفتقده يعاتبني عن نقدي للحرب "الأهلية" بين الفصائل الفلسطينية، التي بدأت في شوارع بيروت وطرابلس (في الثمانينيات من القرن الماضي) قبل غزة ورام الله... أفتقده يُمرِّر "القفشات" الضاحكة عن هذا وذاك، أو يسألني – كما في لقاء القاهرة الأخير - ما إذا كان الشاعر الفلاني "منع" زوجته من السفر وحدها.
هذا ما حصل لي قبل ذلك مع الصديق سمير قصير (وهو صديق درويش بدوره)، حيث أنني أتهرب، حتى اليوم، من النظر إلى صورته، التي تلون بعض جدران بيروت منذ واقعة اغتياله. وهذا ما يحدث لي، اليوم، مع محمود درويش، إذ لا أقر، بمعنى ما، بهذا الغياب الصادم.
الكاتب الذي كان عليه محمود ألقاه، أدرسه، أكتب عنه نقدياً. أما الصديق، فهل يكفي مجيئه في حقيبة نايلة المدرسية، ومعه نصه المستل من كتابه: "في حضرة الغياب"؟ أيكفيني القول، أو العزاء بأن ما خلَّفه لي ولغيري كثير، يمدنا بعمر طويلة له بيننا، وبعدنا؟ أيكفيني القول بأن العيش مع الأصدقاء يستديم – إذ يغيبون - بإشارات أخرى، أشبه بنجوم تنير غيرها في الليل، أو بهالات ضوء تظلل قاماتنا من دون أن نلمسها؟
هكذا، لا "يموت" الأصدقاء وإنما يعيشون إلى جانبنا، في المقعد الذي يبقى دافئاً، حول طاولة الشراكة، نتبادل أطباق البهجة والأسى والصخب والخفة، من دون رحيل أو بكاء، في ذروة النشيد: يستديمون، على أن الكتاب هو "بيتنا الأخير".
(7-11-2008).