فعلاً، إذ أنني لم أكن مستعداً لهذه المعركة أبداً، بل لتمضية العطلة في قريتي الجبلية، حيث أعددت كتباً قليلة لمرافقتي وهذا الحاسوب المحمول. كنت قد رسمت لعطلتي مشروعات نزهة، وقراءة، وكتابة: وهو ما أعد العدة له طوال السنة. ولم أكن أمني النفس طبعاً بأن يتحول هاجسي اليومي إلى تتبع "الأخبار" من دون أن أفهم منها شيئاً سوى إشاعة البلبلة والتحاليل المرتبكة: فكلنا أغبياء في الحروب، لا نفقه فيها شيئاً، وما يصلنا من أخبار عنها "ملغوم"، أي للتضليل، أو جزئي، أو مختلق. عدا أن الصحفيين مجبرون للقيام بعملهم المهني أن يتقيدوا بقواعد يفرضها عليهم الجانب العسكري الذي تقع فيه تحركاتهم الإعلامية.
لا تحيلني الحرب غبياً وحسب، وإنما تجعلني خصوصاً كائناً بيولوجياً، كما يقال في لغة الأطباء: تحيلني إلى كائن له أن يتدبر سبلاً للعيش تقضي بأن يعتني بخبزه اليومي، بتوفير مصادر للطاقة طالما أن الكهرباء ليست متوافرة على مدى النهار والليل، وبتوفير الأكل وغيرها من الحاجيات الضرورية. كائن بيولوجي نسي تماماً أنه كان عليه أن ينتقل إلى جدة لندوة حول الأعمال الفنية "الصغيرة"، وفي مطلع الشهر القادم للمشاركة في مهرجان جرش الشعري... انقضى ذلك الزمان، حتى أن أخباراً تعود إلى أيام قليلة سابقة تبدو في خاطري مثل أخبار غارقة في القدم... تبدو الحياة بعيدة، معلقة، مثل حلم بعيد، مثل ذكرى لك أن تقرأ عنها، أو أن تتمثلها ليس إلا.
وما يبقيني حياً، فعلاً، هو هذا الخيط الدقيق الذي يربطني بك، بأصدقاء يرسلون لي عبر البريد الإلكتروني رسائل اطمئنان ومحبة. هذا الخيط الممتد حتى صديقي في نيويورك، أو المنستير، أو الأردن، أو ... شارع الحمراء...
لي أن أقاوم بدوري، على جبهتي: أن أدفع عني مشاعر الحقد التي لها أن تحيلني إلى سكين أو قنبلة يدوية. لي أن أقاوم أطنان التجييش التي تريد أن تحيلني إلى كيس في خندق، أو إلى درع يقي بل يخفي شعارات ودعاوى وخطابات "ملغومة"، تدور في "لعبة الأمم"، لا في بيتي أو مدينتي.
لي أن أقاوم تأثير المسرحيات المكررة أمام عيوني، وعلى مسامعي، عن "المؤامرات" التي لا تحاك في العالم إلا ضدنا. لي أن أقاوم بأن أطرح على نفسي أسئلة، محرجة ربما، من النوع التالي: كيف يحدث أن العالم لا يبالي بنا إلى هذا الحد؟ كيث يحدث أننا، في خطابات عديدة، هنا وهناك، مغلوبون على أمرنا في أحسن السيناريوهات، إن لم نكن محمولين على الغدر والإرهاب؟
لي أن أقاوم أضاليل التخلف واغراءاته السهلة وصوره الزائفة التي تجعلنا سكان ملاجئ أو أنفاق أو خطابات لا تحسن التخاطب مع بقية العالم، بلغته وبأشكال حواره.
لي أن أقاوم بأن ألقي عيناً فاحصة، واقعية بالأحرى، على هذا العالم، كما هو، خاصة إذا كان ظالماً أو لامبالياً بأوجاعنا وقضايانا. لي أن أقاوم بأن أفكر ملياً، غيري وأنا، في هذا البلد العربي وذاك، عن الكيفيات التي تجعلنا ندير مصائرنا السياسية واحوال أوطاننا، بقناعات مرتضاة ومقبولة، أي مشتركة بين المواطنين، لا أن تقع علينا الحرب مثل قنبلة فوق مظلة العطلة.
لي أن أقاوم بأن لا أنسى أسئلة الأمس القريب، ولا أسئلة الغد المؤجلة. لي أن أبقي ضرورة السؤال، أن أصونها بدل أن أستسلم إلى فقاقيع الكلام، الذي - إذ أسمعه - أخالني في عهد السيوف والخناجر الملمعة، وتحت خيام زاهية.
لي أن أبقى مستيقظاً، لا تحت القنابل الحربية المضيئة، بل في مدارات السؤال والتجدد وبناء القوة الفعلية، لا المتوهمة عن النفس والغير. لي أن تبقى شهوتي إلى الحياة مستيقظة، مستنفرة، كما في ليلة حب أول.
بلى، أريد لصوتي أن يبقى فوق صوت المعركة. أريده أن يبقى يقظاً، ومدججاً بالأسئلة، وبنبض الحياة الذي لا أجد له حيوية إلا في مدى هذه الكلمات، التي تعبرني وأجعلها تعلو فوق شفاهي، فوق كلماتي.
غير أنني لا أكتب واقعاً. لعلي أصلي، على طريقتي، مثلما يفعل المؤمن في لحظات الشدة. لعلي لا أكتب، بل أتنقل فيما لا أقوى على الابتعاد مئات الأمتار عن بيتي. لعلي أصون الحياة في مدى ضيق، هو الشعور بأن نفََسي لم ينقطع بعد.
(9-8