حوار مؤجل عن تفاحة
- ها أنت تجلس في مقعد للسرد!
- وما يضايقك في الأمر؟
- تجلس مثل من انتهى إلى لزوم هذا الفعل.
- لست صاغراً إلا إلى موجبات أتبينها في تدافعات داخلية.
- مثل إجراء حوارات؟
- نعم. كأن أدع الهواء يتسلل إلى ما كان مجتمعاً على نفسه، في طور التأهب أو العمل. مثل من يجلس في قعدة هينة، مسترخياً.
- ولما احتجت إلى ذلك؟
- انتهيت في مجموعتي الأخيرة، "لا تبحث عن معنى؛ لعله يلقاك"، إلى كتابة تنبني على "تكالم" يتوزع بين كائنات قولية في الغالب. وهو ما وفر لي سبلاً خافية في الكتابة. وهو ما سهل لي كذلك إمكان إجراء حوارات مخصوصة، تفضي إلى شيء من التباسط، إذ تنقاد عبر التكالم إلى الحديث عن نفسها، وإلى "المشغل". وهو لا يتعين في مكان مادي وأدوات عمل بعينها، مثل "مشغل" التشكيلي، وإنما يتعين أيضاً في مكان تخيلي له خشبة تنعقد مثلما تختفي للتو.
- أهي مسرحة للقول؟أ
- أريد أن أتنفس.
- تريد أن تتحكم بكل ما يصدر عنك!
- في الكتابة خيارات، بل استراتيجية تأليف، كما يقول بعض الدارسين، إلا أنها ليست "مبرمجة"، وليست مسبوقة التنقلات والتوقفات والانتهاءات، على الأقل في ما يخصني، في ما يخص هذا الجاري بينناً. ذلك أنني في قرارات التأليف طلبت أن أكون مثل من "يرمي بجسمه في بحر"، أو من يصل إلى غابة بعينها مدركاً مسبقاً أنها شاسعة وكثيفة، على أنه يدخلها من دون خريطة، من دون هدف غير التنزه؛ وهو إن خرج منها صدفة، ومن قبيل الخطا، يعود إليها من جديد، طالباً المتاهة عينها، سائلاً عن العلاقات التي تبنيها خطواته في سبل يخترقها أكثر مما يسلكها.
- لكنني أصر على القول بأنك تستعد للإفصاح بقرار ذاتي.
- لا أحب "الإفصاح" الوارد في عبارتك، إذ يشير إلى رغبة في الاعتراف.
- ألا تشعر بذنوب تحتاج إلى غفران القارىء؟
- ...
- ألا تشعر بأنك "ترتب" صورة شخصية لك؟
- ...
- لماذا تتوقف وتطلب أن تجلس أمام القارىء، تحت الأضواء، كأنك تدعوه إلى مؤتمر صحفي.
- ...
- لما لا تجيب؟
- لأنك توقفني كما على حاجز لمراقبة جواز السفر!
- وما الضرر من ذلك؟
- ...
- ها أنت تخاف.
- لا، لكنني لم أستحسن بعدُ معرفة الدوافع التي قادتني إلى الجاري بيننا.
- ألا يشتمل العقد بيننا أسئلة استفزازية؟
- بلى، إلا أنني لم أقبل بهذا بعدُ، وحتى هذه اللحظة.
- أستقبله في لحظة أخرى؟
- ربما.
- ماذا نفعل؟ أأتابع؟
- لنتوقف قليلاً.
سأنتحي جانباً، على أي حال، من دون أن أختفي.
سأنتهي إلى وضع خطوات في هواء.
سأدير ظهري من دون حسرة؛ وقد فارقتني هذه الحسرة، بل هذا الوله بما يحيط بنوافذ الكلام. هذا ما انتهيت إليه بطمأنينة اليائس.
أخالني واثقاً مما أفعل، فيما أنا انتهيت إليه. هذا ما تبقى، ليس إلا.
وهذا أقل مما يشيع في غرفة الناسك. بل أضيق من غرفته المظلمة والضيقة.
ينظر الناسك إلى تفاحة موضوعة منذ سنوات فوق نافذة تعلوه: يشتهيها ويمتنع عنها، على تبقى نضرة كما لو أنها قطفت للتو.
هذه التفاحة تختفي، لا يبقى منها شيء فوق النافذة: أكلها الناسك قبل أن يموت.
(25-5-2006).