هجاء الموت
- استوقفني في الحوارات التي أُجريتْ معك، وراجعتُها، أنك تتحدث عن أمور في قصيدتك لا يتحدث عنها صحافيون ونقاد ممن كتبوا عنها: كيف تفسر هذا الفارق؟
- لعلي أقوم بما لا يعمل به غيري.
- أأنت أفضل ناقد لشعرك أيضاً؟
- ليس مهماً الجواب، سواء أكان سلبياً أو إيجابياً.
- أهناك احتمال أن تكون أفضل ناقد لشعرك؟
- المهم القصيدة، لا أنا، عملاً بالقاعدة نفسها: المهم الحوار الجاري، لا أنا ولا أنت.
- والعائد؟
- للكلام نفسه.
- وأنا؟
- أنت بماذا تعتني؟
- ألم أشدد، في حواراتي معك، على ما يتنكب عنه نقاد ودارسون أحياناً؟
- عمَّ تتحدث؟
- ألا تراهم يعتنون بشكل الكتابة، من دون ما تقوله؟ أليس هذا ما تقوله مراراً وتكراراً، وهو أن القصيدة صنيع لغوي، معناه في شكله؟
- صحيح.
- إلا أنهم لا يبالون بمادة القول، ولا بما تقول.
- مثلاً؟
- استوقفني غير مرة أنهم لم يشيروا إلى تناولات سياسية صريحة في قصائدك، عن "الشهيد" على سبيل المثال، كالحديث عن "شهداء مطيعين"، أو عن "مقبرة ضاجة"، أو عن الشهيد "الاحتمالي" على أنه "شهيد احتفالي" وغيرها الكثير.
- صحيح. إلى ماذا تعزو ذلك، وأنت ناقد بدورك؟
- أنا أطلب رأيك وتفسيرك.
- لعلها الرقابة: ألا ترى أننا، هنا وهناك، نتجنب الحديث عن الموت وإن كان يرود بين بيوتنا؟ ألا ترى أن السياسة تتحول، في أحوال كثيرة، وتحت لباسات الوطنية والقومية وشعارات النضال المختلفة، إلى فتنة، إلى شقاق، إلى نزاعات أهلية، إلى خطابات من همس وشائعات ووشوشات مما يحسن السكوت عنه في العلن؟
فكيف للنقد أن يسلك هذه المسالك المتعرجة، وهو الذي اعتاد على الغنائية شكلاً يكاد أن يكون وحيداً ومقبولاً للشعر؟ كيف له أن يقبل بهجاء الموت، إذا جاز القول، بفضح شراكة القتيل مع القاتل في المقتلة، التي لا نعرف ما إذا كانت عملية مقاومة أم عملية انتحار أم عملية قتل للجار قبل العدو أم جريمة في هيئة فضيحة علنية؟
- أأنت تحاورني أم تكتب مقالة عبري؟
- ألم تلاحظ، على سبيل المثال، خفوت الصوت الشعري الفلسطيني بما هو شعر مقاومة ونضال وهوية جماعية؟
ألم تتساءل بعد: لماذا لم يتولد من نشاطية أسامة بن لادن والزرقاوي وأقرانهما أدباً أو شعراً ما؟
ألم تلاحظ أن نشاطية "حزب الله" – على الرغم من قوتها ومن توسع قاعدتها ومن علنيتها – لم تنتج سوى أناشيد حماسية لها لبوس الشعر أحياناً؟
- هذه أسئلة مناسبة، وبماذا تجيب عنها؟
- أنا الذي طرحتُها عليك، فماذا تقول؟
- أعود فأسألك: أأنت تحاورني أم تكتب مقالة عبري؟
- ...
- أصوغ سؤالي بطريقة أخرى: ألا تكون قد أعددت أسئلة لتحقيق تريد تكليفي بي من حيث لم أطلب؟
- ...
- أين أنت؟
- ...
- مرة أخرى تتوقف من دون أن تستكمل ما كنت قد بدأت به. أليست هذه قلة أدب؟
- لا، هكذا يكون الأدب، بما هو سؤال المعنى.
- ها نجحت في استعادتك إلى الحوار.
- ...
(21-11-2006).