هل أكتب ما أصير إليه في الورقة؟

 

أركب الطائرة أكثر من القطار، ومع ذلك لا أتوانى عن العودة إليه، عن ركوبه: في استعارة، أو تشبيه، أو مقطع سردي.

في القطار يمكنني فعلُ أمور كثيرة، بما فيها استباق حركته نفسها، طمعاً بوصول أسرع.

وهذا ما أعرفه مع غيري، في الدقائق القليلة قبل توقف الطائرة، حيث ترى هذه تسرع إلى "فتح" خطها الخلوي، وذاك يريد أن يتأكد من وصول سائقه إلى المطار، فيما يتعجل هذا وذاك وتلك والذين الخروجَ، بل التزاحم في الممرات، أو التسابق أمام مكاتب مراقبة الجوازات.

هذا الاستعجال هو من طبيعة العلاقة بالزمن، حيث أننا نسرِّعه فيما نعيش في طريقة أخرى فيه: فيه وخارجه في آن، مثل الحالم في كرسيه، أو المتنزه في ممشى الكلام. ففي القطار تمشي من دون أن تتقدم، تسابق هذا أو ذاك من دون أن تصل قبله؛ تتصفح المناظر مثل فيلم مسرَّع من دون أن ترى لقطة بينة؛ وتجلس بعكس اتجاه القطار من دون ان تشعر بأنك تتراجع إلى الخلف.

أستحسن ركوب القطار، طالما أن رصيف المحطة يستقبلني فوق سطر، في ورقة "جاهزة" (وأنا في قلب المدينة، لا في ضواحيها، كما للطائرات).

ويبدو القطار بسكتيه صورة عن الكاتب بيديه الاثنين.

هذا الرواح والمجيء فوق سكتين - على أنهما تتعاونان – أستسيغه، "بكلتا يدي"، كما كتبت، فيما تحدث موريس بلانشو عن يد "تمسك بالقلم"، وعن أخرى "تستوقفها" و"تستدركها"، أي تصححها، أي عن حركتين مختلفتين، كما لو أنهما لجسدين. أستسيغه كما في مراقصة، يلتحم فيها الراقص بالراقصة وينفصلان، ويرقصان، الواحد إزاء الآخر، وأحياناً من دونه، وأحياناً مع غيره.

أستسيغه، على أنني إذ أتعب، تتعب يداي معاً، لا الواحدة بعد الأخرى، ولا تعوض هذه عن عمل تلك. وهو تعبٌ يتبدى في أشكال مختلفة: أتعب فيما أجدها مندفعة، فلا أقوى على مجاراتها بالمعنى الجسدي، إذ تصبح أبعد مني، مختلية بنفسها، حانية على ظلالها وأضوائها، في فضاء مفتوح.

وهذا من أصعب ما أعيش كتابياً، إذ أبدو أوهى من أن ألاقي فتنتها، وهي في ذروة توهجها. وأتعب، في أحوال الانتهاء منها، مثل طاقة مستنفدة، من دون أن أعلم بما هو عليه مخزونها، ولا مخططها المسبق؛ تعبُ من فرَّغ الصمت من كينونته، ومن بنى بنياناً لم يدرك رسمه أبداً.

ذلك أنني بمجرد أن انتحيت جانب الكلمات، لم يعُد العالم، أي بَطُل. وبمجرد أن أقمتُ فيها، لم تعد ملجأ أو مخبئاً، إذ أن عليَّ أن أبني عالماً، بمخاطر أكيدة، لصيقةِ الفعل نفسه.

لن أعود ما كنتُه للتو، قبل أيام، عند شروعي بما أكتب. إذ أن عليَّ أن أكون، لا مثل راعٍ مع قطيعه، وإنما أمام مهمة شاقة وقلقة ومهددة بالصمت والتبعثر.

رامبو امتنع عن أن يعود... تجنب حتى أن يرى إلى الأوراق والكتب والمقاهي والوجوه التي عايش فيها ومعها حميمية المخاطرة.

قلْ لي: أكان له، لكافكا، لو أتى إلى فلسطين، مثلما كتب لصاحبه في "يومياته"، أن يعرف "الأمان" و"الجمال" اللذين طلبهما؟ وماذا عن "الحياة العامرة بالمعنى"، التي كان في مأموله أن يجدها فيها؟

قُلْ لي: ما كان للفلسطيني أن يقول له؟

وأنت ماذا كنت لتقول له؟

لحسن حظنا – أليس كذلك ؟ - أنه لم يقم بفعلته هذه، مثل الأحمق رامبو الذي مضى إلى الصحراء على أنه سيلتقط الذهب الحقيقي مثل حصى نافرة في صحراء مترامية ومتشابهة... لحسن حظنا، كافكا كتب، وما اكتفى مثل رامبو بأن يتلوى معذباً بين أمه وأخته، كاتباً في رسالة لهما أنه لم يقو بعد على الزواج،ولا على أن يكون له ولد...

ألا أكون قاسياً مع رامبو؟

لا لستُ قاسياً في ما أقول، وإنما شغوف بما أقول عنه، وفي حالتَيه: مرة بانبهار، ومرة بحسرة.

أصدقك القول إن هذا كلام مر في الشوارع، وإن يبتعد عنا؛ يتوقف في البيوت، ويعترض التظاهرات أو الخطب، ويمسك بلسان السياسي ويجره خلفه، وإن كان ينصرف عنها إلى غيرها؛ هذا كلام قفز في أول قطار بمجرد ظهوره في عتمة الصفحة الإلكترونية...

هل نكتب ما نحن عليه؟ هل أكتب ما أصير إليه في الورقة؟ أم أننا هنا وهناك، وفي آن؟ ألا نكون في ذلك، كما أمام الصفحة الإلكترونية، حين نرغب في نقل "ملف" من مكان إلى آخر، فنجد لحركتنا شكلاً طباعياً لافتاً، وهو شكل متقطع وموصول: يكون "الملف" قد انتقل من دون أن ينتقل، ويكون قد انتقل من دون أن يكون قد وصل، إذ أنه ما بينهما؛ وقد ينتقل بعد أن يكون قد انقطع زخمه، وقد يصل فيما تكون خطواته ما فارقت بعد نقطة انطلاقها.

(12-7-2008).