عني كما لو أنه عن غيري

 

سأقولها مباشرة، من دون تردد، كما ذكرت في إهداء "وصية هابيل"، نقلاً عن كاتب بغدادي وقعت على قوله في مخطوط قديم: "لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال".

سأقولها على الرغم من ترددي، من كون أحداثها تدور حول كاتب اسمه شربل داغر، وهو من ظهر اسمه على الغلاف بوصفه مؤلف الكتاب أيضاً.

سأقولها على الرغم من أن الكاتب شربل داغر ينازعه في الكتاب شخص آخر هو أخوه أو توأمه، فضلاً عن وجود مؤشرات عديدة تشير إلى السيرة الذاتية.

لهذا قد يكون هذا الكتاب سيرة ذاتية، وقد لا يكون. وللقارىء، أو للناقد، أن يعامل هذا النص كما يرتأي ويرى: له أن يتعامل معه على أنه سيرة ذاتية، وأن يحقق في الأمر إن شاء، وله أن يعامله مثل نص سردي يتكفل بأمره، وحده، في ما يقوله ويسرده. على أنني أنصح هذا كما ذاك بقول لأوسكار وايلد يقول فيه بأن الكاتب يتخفى بالضرورة في كتابه، إلا أنه يفرح طبعاً إذا توصل القارىء أو الناقد إلى مباغتته حيث يختفي، لا أن يبقى قابعاً في العتمة.

هكذا يجري الحديث عن مقتلة أخوية، عن صراع بين أخوين، كما في الأخبار الدينية القديمة، عدا أن أحد الاثنين لم يمت بعد، حسب أحد الرواة، إذ يعيش بيننا، بدليل "العلامة" التي تعلو جبينه... بينما غاب الآخر مخلفاً وصية ما جرى الكشف عنها إلا في هذا الكتاب.

قد لا تكون الرواية استعادة، وإنما هي حكي عن المحل العائلي الضيق، حيث لا يكفي طبق الأكل، ولا الكراسي حول المائدة. قد تكون حكياً عن صراعات الأهل، التي تبقى مكتومة في الغالب. وهي الصراعات التي تنفجر في رصاصة طائشة قد لا تكون طائشة، في رصاصة قد تكون مبيتة، في رصاصة قد لا تقتل وإنما تبقى مختزنة في الجسد، في رصاصة لا تستحسن الضحية انتزاعها لأنها قد تهدد الجسم نفسه بالموت، خاصة وأن الرصاصة، كما يُقال في العامية، قد "آخت" جسمه.

هكذا ينبني السرد في الحوار، مثلما يقوم به الممثل فوق الخشبة في خطاب المتكلم لنفسه (المونولوغ): هو يعرف أن هناك من يستمع إليه في الصالة المعتمة، إلا أن له ميلاً ملحاً إلى أن يقول وحده ولوحده ما لا تتيحه ظروف الحياة نفسها، ولا علاقاته بالآخرين، ولا سيما القريبين منه، من أن يقول.

وهو ما اتَّبعه، بمعنى ما، أحمد فارس الشدياق في رائعته السردية: "الساق على الساق..."، إذ تحدث عن "الخليص". فهو يميز في كتابه هذا بين المؤلف، الذي هو، وبين راوي الكتاب و"بطله"، أي "الفارياق"، وهو جمعَ في الاسم - كما نعلم - بين الأحرف الأولى والأحرف الأخيرة من اسمه، بين فارس وشدياق. وحديثه عن "الخليص" يقترب من السيرة ومن اختلاق شخصية روائية على أنها هو وربما غيره أيضاً.

تحلو لي مثل هذه النسبة، وأتبناها. عدا أنني أعتبر أن كتابة السيرة الذاتية هي في حد ذاتها عمل اختلاقي، تخيلي، لا يصح فيها دائماً الحديث عن الصدق والأمانة وغيرها. فبمجرد ما أن نكتب يتعين لنا منطق كتابي، سردي، يتجاوز موضوعه، فكيف إن طلب المؤلف التخيل ابتداء من مادة سردية أتيحت له في ذاكرته، وحضرت أمام عينيه بفعل الكتابة نفسه!

فالكتابة قد تكون استعادة في بعضها، ولكن وفق منطق السرد، وقد تكون تعويضاً عما لم تعشه، أو إعادة تمثيل وإحياء له، بما يتيح التأمل والمعاينة بما جرى، حيث فات النفس ما فاتها فيه، عند حصوله. فأنا إذ أقبل على السرد، ولا سيما الذاتي، لا يعنيني أن يتعرف القارىء على سيرتي، وإنما يعنيني أن يرى إليها مثل رواية. ذلك أن السارد في السيرة الذاتية يكتب عن شخص معروف، بما يدل عليه، وهو بالتالي ما يعطي السيرة قيمتها بالمعنى الأدبي، بينما أطلب أن تتحصل قيمته مما يرويه، لا من خارجه أبداً، لا من شخصي.

إلى هذا، لم أقعد بعدُ في مقعد الشيخوخة الهزاز، الذي يحلو للبعض القعود فيه، طلباً للتذكر، ولرسم صورة عن النفس. أريد للقارىء أن يقرأ عملي كما لو أنه عن غيري. هذا ما نشط مخيلتي بقدر ما جدد رغبتي في الكتابة. ذلك أنه لم يكلفني أحد بالكتابة، لكي أستمر فيها، ولكي أتعهد له بأي شيء غير الكتابة نفسها. كما أنني لم أضطلع بمهمة كتابية لكي أراني ملزماً بشيء، وإنما تحدوني إلى الكتابة ما يجدد رغبتي فيها.

أن تلتقي رغبتي برغبة القارىء: هذا أقصى ما أتمناه، على أنه لقاء بمحض الصدفة فيما يبدو أقرب إلى موعد محتم.

(25-10-2008).