سَحّابة لحقيبة مفتوحة

 

لا أحتاج إلى من يُذكِّرني، أو ينبهني، إلى كوني لا أحمل هذا الصباح حقيبة من عدة حقائب، أصطحب بعضها معي في السفر، أو غيرها مما يلزمني في تنقلاتي اليومية، وأنا في أرض القرار (!). ذلك أنني مثل رامي السهام، يصيبه الحكاك تحت إبطه حين يتوقف عن رميها وعن مراودة ساحات القتال. ويحدث لي أن أخبط هلعاً فوق الإبط، على الكتف، حيث لزنار الحقيبة الجلدية المدلاة أن يستقر، فلا أجده ذات يوم، إذ قررت الخروج من دونها، خاصة في السفر.

وهو ما يحدث لي في المطار، إذ لا أتواني عن التحقق، بين تسجيل الحقائب، أو بين معاملات السفر، أو عند مكاتب المراقبة، من وجودها. أتفقد ما أنا عليه، في هلع لا تظهره حركاتي الاعتيادية؛ إلا أن عنف أو فجائية حركة التفقد تفضح ما خفي من توتري الداخلي، بل من هلعي من الفقدان. وهو شعور غريب إذ أنني، كلما ازددت امتلاكاً لأشياء، ولإحساسات بالتملك، خاصة في تنقلي بين الأمكنة والبلدان، ازددت شعوراً وخشية من الفقدان. ذلك أنني، في القلة، في قلة المواد التي أمتلكها، ما كنت أعرف مثل هذا الشعور بالملكية، على قلة ما أملك، وصرت كلما أمتلك في صورة متزايدة من المقتنيات أشعر نفسي مهدداً بالخسارة.

---

 

أستطيع، اليوم، القول إن لي سياسات منظَّمة مع الحقائب: هذه تصلج لسفر يومين، أو لأسبوع أو لشهرين؛ وهذه تصلح إذا سافرت إلى خارج البلد وفي حسابي شراء كتب أو ملابس أو هدايا؛ وتلك تصلح لزيارة قصيرة، مثل الذهاب إلى مقهى في نهاية بعد الظهر؛ وهذه تناسب الخروج ليوم كامل من دون العودة إلى البيت أو المكتب: كيف لا وقد كنت أخرج بصحبة المعجم في بعض أيام الشتاء، حيث كان يحلو لي المقام في المقهى، لا في البيت، ولا في المكتب.

ولكل حقيبة «خطتها»، نظامها الداخلي من الوظائف والحاجات، أي من الحسابات الهندسية التي تلبي الاحتياجات المختلفة. إذ كان علي أن أحسب إمكان وضع المعجم في الحقيبة الصالحة لنهار واحد، أو لآلة تسجيل معها، أو لراديو ترانستور (مثلما حلا لي ذلك في سنوات باريس، حيث كنت أتتبع فيها أخبار جولات العنف في لبنان). وكان عليَّ أن أدبر، قبل شراء أي حقيبة جديدة، أن أرى إليها بالأحرى، لا في وظيفتها (أي تلبيتها لحاجة محددة في يومي أو تنقلاتي) وحسب، وإنما في دخولها أو تقبلها لغيرها، ذلك أن هذه الحقيبة الصغيرة يجب أن تدخل في غيرها، مما يتطلبه نظام، أو «اقتصاد» السفر والحاجات.

زادت حقائبي لأنني ما كنت أتوقع دوماً حجم ما أشتريه أو أمتلكه، فأسافر إلى بلد وإذا بي أضطر - دائماً في الساعة الأخيرة - عند توضيب الحقيبة، أو أتحقق من حاجتي إلى غيرها. فاشتريت - وكم اشتريت ! - من الحقائب التالفة، الرخيصة الثمن، التي أرميها في أقرب سلة نفايات بمجرد وصولي إلى بيتي. ذلك أنني أشتريها من دون حاجة إليها إلا مؤقتة، أي أنني كنت أملك في بيتي حقيبة مماثلة لها.

هذا يصح في حقيبة اليد الصغيرة، وهو ما اعتدت إليه منذ أيام دراستي الجامعية، إذ درجتْ عادةُ اقتناء الشباب لحقائب قريبة الشبه بجزادين النساء، مما يعلق على الكتف، أو يُحمل في يد. وهذا ما عرفته لاحقاً في أنواع مختلفة من الحقائب التي دقَّت صفاتها وتنوعت صناعاتها... ولا يمنعني هذا من أن يكون لي حقائب للوظيفة نفسها، مما أشتريته أو مما استلمته في مؤتمرات، وهو حقائب «السمسونايت» ومتفرعاتها، وهي النسخة المترفة أو المالية لحقيبة المدرس أو الأستاذ. ويستوقف انتباهي في المسألة كيف أنني سارعت، بمجرد انتقالي إلى الدراسة الثانوية، إلى التخلي عن الحقيبة المدرسية، مكتفياً بكتب قليلة كنت أضمها تحت ساعدي الأيمن، أو أشدها إلى زنار مطاطي أتهادى به في مشيتي، واجداً في حركة التخلي هذه دلالة على حريتي، على امتلاكي أموري.

---

 

فاضت عني حقائبي، اليوم، حتى أنها باتت تحتل قسماً واسعاً فعلاً من مكتبي. وأجدني أسيرَها، لا أقوى على الفكاك منها، من دون أن أشعر بحكاك الفقدان، بخسران الهوية. ولا يخفف من ذلك شعوري، في كل مرة اضطررت فيها إلى تغيير بيتي، بأن حياتي تفيض عن حقيبتي. تفيض لأنني مضطر إلى التخلي عما لا يدخل في حقيبة النقل الواسعة، عدا أنني أجد أشياء لا تدخل في الحقيبة أبداً، مما أتركه في خلاء المكان الذي عشت فيه، أو في خيالاتي التي تتبخر مع مرور السنوات. ألا أسعى جاهداً إلى توضيب ما يجب أن يبقى فالتاً، لا أنتظره بل يصلني، ولا أجده في شيء أحوزه مادياً، بل في شعور يتملكني؟

 

هذا الهلع على الترتيب، هذا الطلب على التوضيب، علي إحلال الأشياء والممتلكات في خزائن، في مستوعبات، يفيد تركيزاً للمزاعم في الزمان، في قسمة الوقت، في استعمال الساعات والأمكنة، ما يعد خطة للإنسان في المكان وعبر الزمان. إلا أنه يشي بما يخاف منه، وهو الشعور بالفقدان الدائم، أو العيش أقلاً مع هذا الشعور.

 

الحقيبة هي الملكية، بل البيت المصغر، وإن كانت تعني السفر المتنقل. وتعني التوظيف المتقن للوقت ولقوى الإنسان، على تصرفاتها وتحولاتها، وتعني أيضاً قوة في استباق حركة التحولات والمواعيد، ما يعد تنظيماً لها.

 

إلا أن الحقيبة تعني أيضاً أنك التهيتَ بما قبل الحياة، بحيث حُدت عنها إلى قوالبها، لا إلى مواعيدها غير المضروبة والمحيية. فتراها مما يفيض عن الحقيبة، بل مما لا يدخل فيها ويعبر في الهواء فيما أنت تسعى إلى إحكام سحابة الحقيبة المفتوحة.

 

(1996).