خيالات أصابعي

 

للمرة الثانية أُشعل هذه الشاشة خلال ساعة. أشعلها من دون أن يلبي أحد نداء الاستضافة والدفء. أتنتظرني الشاشة أم أنتظرها؟ سيّان، سواء أكنتُ ضيفاً أم عابر سبيل أم واقفاً على البوابة أنتظر مدعوين مجهولين.

للمرة الثانية أنظر إليها مثلما ينظر الصياد إلى صفحة المياه: ينتظر سمكاً لا يلبث أن يتدبر له طاولة، ويبسطها طمعاً بمتعة لا تلبث أن تتجدد، بمجرد الإقبال عليها... تمرين لعضلات الخبرة؛ وقد يفضي إلى مهارات جديدة، أو إلى طرق قصيرة أو ميسرة.

هكذا أفتح "دكاني" يومياً، أو "مشغلي"، حتى أنني أمضي ساعات العمل من دون أن أعمل بالضرورة، صارفاً مجهوداتي - التي هي هي، أي الطاقة على القيام بأعمال ما - على تنظيف المكتب أو "الملفات". ولعلي أعرف - من مزاجي أحياناً - أنني لن أقوى على رفع لفظ واحد في هذا النهار، مثلما يحدث للرياضي أحياناً، إذ لا يقوى على فعل أي شيء في تمارينه اليومية. هكذا قد تبقى الشاشة مضاءة من دون نزيل واحد، من دون متنزه عجول في هذا الفضاء المشع. وقد تلتمُّ أغصان على شجرتها، بمجرد انبثاق لفظ أو تركيب لفظي، إذ يشيع بين الأوراق نسيم يتيح لشاغلي الفضاء المفتوح أن يكونوا، أن يميلوا في هذه الوجهة أو تلك، أن يقوم بعضهم بنقل خطى، أو أن يستقر في كراس هانئة. ذلك أن بعض الشاغلين يهنىء في قعدته كما لو أنه وفد للتو إلى ما كان ينتظره، فيما لا يقوى غيره على الظهور، إذ يبقى شبحاً أو طيفاً أو هاجساً في ليل مطبق.

للمرة الثانية أشعل ضوء الاستقبال فيما أتحقق مرة جديدة من أنني أنا القادم: في هيئة متلصص، في هيئات ملتبسة ومتشابكة تختلف في توجيه حركاتها بما يعطلها أو ينثرها، مثل عقد لم ينته إلى الالتمام على عطره المخزون والمركز في آن. أأتلصص على ما هو لي؟ أأتلصص على ما لا أعرفه عني؟ هل أكتشف ما كان مختبئاً، مثل وديعة تنتظر صاحبها، أم أصل إلى ما لا أعرف ولا أقصد، إلى ما أتبناه أو أغضي النظر عنه؟ أتساءل من دون أن أنتظر جواباً، ذلك أنني - في جميع الأحوال - لن أقوى على الإجابة، ولن تفضي الأسئلة هذه أو غيرها إلى مكان يمكن التأكد فيه من صحة الأجوبة.

ما يهمُّ هو هذه القدرة التي لي على تحريك المخبوء، أو غير المسبوق، أو المغمور، أو الذي بلغني مثل ريح تبقي فيك ما لا يضبطه قيد ثبوتي. هو هذه القدرة على فتح النوافذ بما يقيم موسيقى، مثل انتظار العصا للكمان. هو هذا التناغم الذي يسري بين الأصابع بالزخم عينه الذي تنهض فيه الأشياء والصور من رقدتها، كأن هذا دعا تلك إلى حفل راقص، وإن كانا يمرنان الخطى فوق بلاط يتكشف لهما وينبسط لهما بمقدار الرغبة التي لهما في تصعيد العواطف التي تحملهما أو يحملانها من دون تمييز أو حساب.

أقفلت البوابة من دون جدوى، وغادرت من دون أن أخلف ورائي مقعداً أو صحناً أو رسالة على مدخنة. تركت فقط تهويم أصابعي، بل خيالاتها التي تراءت لي فوق سطور غير مرئية، فيما كنت أروح جيئة وذهاباً في ممر الانتظار. أقفلت عائداً، خائباً طبعاً، أمني النفس بعودتي يوم غد إلى البوابة عينها، منتظراً وردة في مزلاجها، بل عطر الذين مروا أثناء غيابي.

لم يبقَ سوى أن أمضي إلى حيث أجد ممراً يمكنني من الانتقال إلى غيره. أمضي من دون أن ألتفت إلى وراء ما، مكتفياً بقرار وحيد، وهو أنني قادر بعد وقت على العودة على أعقابي. إلا أنها ليست أبداً عوداً على بدء؛ هي بداية تدشينية طالما أنني أقف حائراً في هذه الكثبان. أشبه بالعدائين المحترفين ممن يقومون بالسباقات عينها، يومياً، عدة مرات، على الرغم من أن المسافة المطلوب ركضها لا تتعدي المئة متر أحياناً. أو هذا قريبٌ من عمل المؤدين الذين يعزفون المقطوعة عينها مرات ومرات في اليوم الواحد، وإن أصابهم الملل منها. يُقْدمون على الفعلة عينها طمعاً بالفوز الحاسم، بكسر الأرقام القياسية...

هذه الرغبة التي تتأتى لي أخشاها - لو شئت التصريح - لأنها تخفي شيئاً آخر، أو تصرف مجهوداً كان له أن يكون في أمكنة أخرى. قد تكون شهادة عما يجري، وعما لا يجري. قد تكون تعبيراً يائساً عما تقوى عليه الألفاظ وتعجز عنه الوقائع. وقد تكون حكمة، أو "روح الحكمة" مثلما قال صديقي فاروق، التي تعني مشاركة بعيدة في ما يحصل: تكتفي بالملاحظة على أنك تخص الحياة بما لا تقوله الكلمات. هناك خشية، إذن، وقد لا تصيب الذي يحرِّك أصابع المؤلف. ما تقول؟

(5-10-2008).