حاسوبي، حيث أقيم
أستريح في مقعدي، وأرقب من النافذة الصغيرة الاتساع الشكلي واللوني الذي لا يتاح لي إلا في طائرة، طالما أنني لا أكون طائراً إلا على جناحي طائرة: هذا ما أعرفه في كل رحلة، وأعايشه بخفة مبتهجة بما يحدث لها، تماماً مثل الخفة التي كنت أعلو بها وتعلو بي، حينما كنت أُطيِّر في فضاء طفولتي طائراتي الورقية. كانت هذه محاولاتي الأولى في تقليب الغيوم، وفي تفقد القمم الجبلية مثل رسوم في دفتر الدروس الصيفية.
هذه الخفة أستعيدها، اليوم، إذ أجلس إلى حاسوبي، أمام شاشته التي تتسع لما هو أكثر من مناظر مقعدي في الطائرة. وأشد ما يثيرني في هذه الجلسة هو أن المخلوقات تخرج من خلاء البياض، ممسكة بكلامها وأحوالها، كما لو أنها تتابع، بمعنى ما، ما سبق لها أن كانت عليه قبل خروجها هذا. بل تخرج متأهبة، خفيفة، ببزاتها الورقية الجديدة، كما إلى يوم عيد، وتمضي في وجهاتها من دون أن تستبين أبداً ما سيكون عليه مآلها. تمضي مرتاحة إلى ما تشرع به كما لو أنه سيدوم أبداً. لا تلوي على شيء، ذلك أنها مدفوعة بمحركات الرغبة، فوق صنادل من ريح.
أستريح، بل أرتاح هذه المرة، وقد جعلت طائرة خاصة بتصرفي؛ بل جعلت لأقدام الحروف الهوسَ الذي كان لي في صندلي، إذ ينط وينط، أو يركب عصا، ويخال الهواءَ موكبَه الخاص.
أستريح، بل أرتاح هذه المرة، بعد أن تنبهت إلى أنني أقيم واقعاً في صالة "ترنزيت": إليها أصل، ولا ألبث أن أغادرها، على أن أصل إلى غيرها. وما يبدو أنه وصول لا يعدو كونه استراحة، وقفة مؤقتة، قبل رحلة أخرى. إذ أقيم – كما تحققت - في فضاء الانتظار والتوقع، في فضاء الهجس بالآتي، وبما للعيون أن تغتسل فيه. وهذا، في انتظار الإقلاع الذي أجد فيه دوماً مسافرين جدداً، يرافقونني في ما أعتبره رحلة خاصة.
لي أن أتدبر أمري معهم، ذلك أن الطائرة مأهولة، وإن ظننت أنني احتجزتها لنفسي، لمغامراتي الهوائية. مأهولة بأحلام وخيبات من رحلوا عنها، وبقي ألق كلامهم عالقاً في فضائها. مأهولة بتوقعات من يفدون إليها، على أن كل مسافر احتجزها لنفسه من دون أن يظهر ذلك فوق بطاقة صعوده إلى الطائرة. ففيها وحدها تندلع الأحلام والأوهام والمبادرات بما لا تسعه استعارة أو موكب رمزي.
لي أن أتدبر أمري معهم، كأن يرافقونني صامتين، في هيئة متفرجين في أحسن الأحوال، وإلا فإنني ملزم – كما في نكتة شائعة – إلى دعوتهم للخروج منها، وإلى تدبرِ أمرهم من دوني. كان في مقدوري شراء طائرة خاصة، إلا أنه يعنيني دوماً أن ترافقني – كما في الأفلام – "موسيقى مصاحبة"، "موسيقى تصويرية"، ليس إلا.
الطائرة تسعني كما تسع غيري، وتبقى في تصرفي، طالما أنني أنظر إلى من سبقني أو تبعني إليها مثل وجوه مجهولة، وإن كانت لها هيئات وألبسة متشابهة مع من سبق لي أن التقيتهم في رحلة سابقة أو مقبلة.
أستريح في الطائرة، بل أنام وأمتزج بالهواء، الذي يصلني كما في تشبيه بلاغي.
___
في ودي – على ما يبدو – أن أسافر من دون أن أصل، أن أبقى معلقاً، مشدوداً إلى بهجة الوصول، التي تعرض للمسافر مفاجآت دائمة، وإن ينتقل إلى البلد عينه. فللسفر بهجته المتجددة، ووَهْمه الأكيد، وبأن الحياة تجري، تتغير، وتنتقل من دون هوادة من رتابتها المقيمة إلى فضاء هواء متغير.
كان لي أن أصعد من طائرة إلى أخرى، أن أحيد بنظري عما كان يجري "في الخارج": ففيه ما لا أقوى على تحمله من دون أن أشعر بإهانة، بصفعة.
في هذه المرة تحققت من أنه لا يكفي أن أقول لمن قضوا، من دون أن يعرفوا سبباً لموتهم: أنا آسف، كانت رحلتكم الأخيرة. لهم أن يعيشوا ولو فرصة جديدة، واحدة، جميلة، بسعة التوتر الالتذاذي الذي يرافق المسافر في السفر...
كما تحققت من أنني لا أقوى بعدُ على رؤية صورة صديقي الشهيد فوق جدران المدينة. في مرة سابقة قلت له: "لا تلتفت إلى الوراء"، وبات علي، اليوم، أن أقول له ببساطة زاجرة: "لا تلتفت". ابقَ بحيث لا تخرج، ولا تصل. ابقَ بحيث تمضي الوقت مثل ثوان معدودة قبل الخروج من المطار. ابقَ بحيث تخال أن "العمر لحظة"، و"الحلم أبد". ابقَ، واجعل لعينيك ما يكفي من الصور: تدبرْها، تسلقْ أول استعارة...
غيري ينتظر ويرجو، خاصة وأنه "وكَّل" إلى غيره، من الله إلى السياسي، مهمة تدبير المخرَج، على أن المعابر المسدودة، والخيم المنصوبة، واللحى المشذبة، تبسط سجادة لكشافة الموت.
كيف لي أن أقبل بأنه ممنوع علي أن أمشي من دون إذنه، أن أتابع سطري من دون "كلمته"؟
أيعقل أن أبقى معلقاً لشهور في لحظة غضب، طالما أن الهواء وحده يتغير يوماً تلو يوم، لا عند هؤلاء، ممن يقبضون على رؤوسنا مثل قطع نقدية فوق طاولة مقامرة.
___
لهذا أقيم في حاسوبي، ولا أتوانى عن السفر. أيعقل أن تكون الرحلة شكلاً من الانتقام البارد، شكلاً من الحياة المؤجلة؟
(26-6-2008).